الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب في بيع المكاتب إذا فسخت الكتابة

جزء التالي صفحة
السابق

باب في بيع المكاتب إذا فسخت الكتابة

3929 حدثنا عبد الله بن مسلمة وقتيبة بن سعيد قالا حدثنا الليث عن ابن شهاب عن عروة أن عائشة رضي الله عنها أخبرته أن بريرة جاءت عائشة تستعينها في كتابتها ولم تكن قضت من كتابتها شيئا فقالت لها عائشة ارجعي إلى أهلك فإن أحبوا أن أقضي عنك كتابتك ويكون ولاؤك لي فعلت فذكرت ذلك بريرة لأهلها فأبوا وقالوا إن شاءت أن تحتسب عليك فلتفعل ويكون لنا ولاؤك فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم ابتاعي فأعتقي فإنما الولاء لمن أعتق ثم قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ما بال أناس يشترطون شروطا ليست في كتاب الله من اشترط شرطا ليس في كتاب الله فليس له وإن شرطه مائة مرة شرط الله أحق وأوثق حدثنا موسى بن إسمعيل حدثنا وهيب عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها قالت جاءت بريرة لتستعين في كتابتها فقالت إني كاتبت أهلي على تسع أواق في كل عام أوقية فأعينيني فقالت إن أحب أهلك أن أعدها عدة واحدة وأعتقك ويكون ولاؤك لي فعلت فذهبت إلى أهلها وساق الحديث نحو الزهري زاد في كلام النبي صلى الله عليه وسلم في آخره ما بال رجال يقول أحدهم أعتق يا فلان والولاء لي إنما الولاء لمن أعتق

التالي السابق


بفتح التاء ( إذا فسخت ) بصيغة المجهول ( المكاتبة ) وبوب البخاري باب بيع المكاتب إذا رضي .

( في كتابتها ) أي : في مال كتابتها ( إلى أهلك ) أي : ساداتك ( ويكون ) بالنصب عطف على المنصوب السابق ( ولاؤك ) أي : ولاء العتق لي وهو إذا مات المعتق بفتح التاء ورثه معتقه بكسر التاء أو ورثة معتقه والولاء كالنسب فلا يزول بالإزالة كذا في النهاية .

قال مالك : إذا كاتب المكاتب فعتق فإنما يرثه أولى الناس ممن كاتبه من الرجال يوم توفي المكاتب من ولد أو عصبة انتهى ( فعلت ) وهذا جواب الشرط . وظاهره أن عائشة طلبت أن يكون الولاء لها إذا أدت جميع مال الكتابة وليس ذلك مرادا وكيف تطلب ولاء من أعتقه غيرها وقد أزال هذا الإشكال ما وقع في الحديث الآتي من طريق هشام حيث قال : أن أعدها عدة واحدة وأعتقك ويكون ولاؤك لي فعلت فتبين أن غرضها أن تشتريها شراء صحيحا ثم تعتقها إذ العتق فرع ثبوت الملك ( فذكرت ذلك ) الذي قالته عائشة ( فأبوا ) أي : امتنعوا أي : يكون الولاء لعائشة ( إن شاءت ) . عائشة ( أن تحتسب ) الأجر ( عليك ) عند الله [ ص: 349 ] ( ويكون ) بالنصب عطف على أن تحتسب ( لنا ولاؤك ) لا لها ( فذكرت ) عائشة ( ابتاعي ) أي : ابتاعيها ( فأعتقي ) أي : فأعتقيها بهمزة قطع قاله القسطلاني .

قال السندي : أي : اشتري مع ذلك الشرط قالوا إنما كان خصوصيته ليظهر لهم إبطال الشروط الفاسدة وأنها لا تنفع أصلا انتهى ( ما بال ) أي : ما حال ( ليست في كتاب الله ) أي : في حكم الله الذي كتبه على عباده وشرعه لهم . قال أبو خزيمة : أي : ليس في حكم الله جوازها أو وجوبها لا أن كل من شرط شرطا لم ينطق به الكتاب باطل لأنه قد يشترط في البيع الكفيل فلا يبطل الشرط ويشترط في الثمن شروط من أوصافه أو نجومه ونحو ذلك فلا يبطل فالشروط المشروعة صحيحة وغيرها باطل ( أحق وأوثق ) ليس أفعل التفضيل فيهما على بابه فالمراد أن شرط الله هو الحق والقوي وما سواه باطل .

قال القسطلاني : وظاهر هذا الحديث جواز بيع رقبة المكاتب إذا رضي بذلك ولو لم يعجز نفسه واختاره البخاري ، وهو مذهب الإمام أحمد ، ومنعه أبو حنيفة والشافعي في الأصح وبعض المالكية وأجابوا عن قصة بريرة بأنها عجزت نفسها لأنها استعانت بعائشة في ذلك . وعورض بأنه ليس في استعانتها ما يستلزم العجز ولا سيما مع القول بجواز كتابة من لا مال عنده ولا حرفة له .

قال ابن عبد البر : ليس في شيء من طرق حديث بريرة أنها عجزت عن أداء النجوم ولا أخبرت بأنها قد حل عليها شيء ولم يرد في شيء من طرقه استفصال النبي - صلى الله عليه وسلم - لها عن شيء من ذلك انتهى .

لكن قال البيهقي في المعرفة قال الشافعي إذا رضي أهلها بالبيع ورضيت المكاتبة بالبيع فإن ذلك ترك للكتابة انتهى .

قال المنذري : وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي .

[ ص: 350 ] ( أوقية ) بضم الهمزة المضمومة وهي أربعون درهما ( فأعينيني ) بصيغة الأمر للمؤنث من الإعانة هكذا في النسخ وكذا في رواية للبخاري - رحمه الله - ( أن أعدها ) أي : الأواقي ( وأعتقك ) بالنصب عطف على أعدها ( وساق ) أي : هشام ( الحديث نحو الزهري ) ولفظ البخاري من طريق أبي أسامة عن هشام عن أبيه " فذهبت إلى أهلها فأبوا ذلك عليها فقالت إني قد عرضت ذلك عليهم فأبوا إلا أن يكون الولاء لهم فسمع بذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فسألني فأخبرته فقال : خذيها فأعتقيها واشترطي لهم الولاء فإنما الولاء لمن أعتق . قالت عائشة فقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : أما بعد : فما بال رجال يشترطون شروطا ليست في كتاب الله فأيما شرط ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط فقضاء الله أحق وشرط الله أوثق ما بال رجال منكم يقول أحدهم : أعتق يا فلان ولي الولاء إنما الولاء لمن أعتق " ، انتهى .

( إنما الولاء لمن أعتق ) ويستفاد من التعبير بإنما إثبات الحكم للمذكور ونفيه عما عداه فلا ولاء لمن أسلم على يديه رجل . وفيه جواز سعي المكاتب وسؤاله واكتسابه وتمكين السيد له من ذلك لكن محل الجواز إذا عرفت جهة حل كسبه وأن للمكاتب أن يسأل من حين الكتابة ولا يشترط في ذلك عجزه خلافا لمن شرطه وأنه لا بأس بتعجيل مال الكتابة .

قال الخطابي : في خبر بريرة دليل على أن بيع المكاتب جائز لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد أذن لعائشة في ابتياعها بعد أن جاءتها تستعين بها في ذلك ولا دلالة في الحديث على أنها قد عجزت عن أداء نجومها .

وتأول الخبر من منع من بيع المكاتب . وفيه دليل على أنه لا ولاء لغير المعتق وأن من [ ص: 351 ] أسلم على يد رجل لم يكن له ولاؤه لأنه غير معتق . وكلمة إنما تعمل في الإيجاب والسلب جميعا ، انتهى .

قال المنذري : وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث