الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

مسألة ومن حلف فهو مخير في الكفارة قبل الحنث وبعده

جزء التالي صفحة
السابق

( 7990 ) مسألة ; قال : ومن حلف فهو مخير في الكفارة قبل الحنث وبعده ، وسواء كانت الكفارة صوما ، أو غيره ، إلا في الظهار والحرام ، فعليه الكفارة قبل الحنث الظهار والحرام شيء واحد ، وإنما عطف أحدهما على الآخر لاختلاف اللفظين ، ولا خلاف بين العلماء ، فيما علمناه ، في وجوب تقديم كفارته على الوطء ، والأصل فيه قول الله تعالى : { فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا } . فأما كفارة سائر الأيمان ، فإنها تجوز قبل الحنث وبعده ، صوما كانت أو غيره ، في قول أكثر أهل العلم . وبه قال مالك وممن روي عنه جواز تقديم التكفير عمر بن الخطاب ، وابنه ، وابن عباس وسلمان الفارسي ، ومسلمة بن مخلد رضي الله عنهم ، وبه قال الحسن ، وابن سيرين ، وربيعة ، والأوزاعي ، والثوري ، وابن المبارك ، وإسحاق ، وأبو عبيد ، وأبو خيثمة ، وسليمان بن داود . وقال أصحاب الرأي : لا تجزئ الكفارة قبل الحنث ; لأنه تكفير [ ص: 411 ] قبل وجود سببه ، فأشبه ما لو كفر قبل اليمين ، ودليل ذلك أن سبب التكفير الحنث ، إذ هو هتك الاسم المعظم المحترم ، ولم يوجد .

وقال الشافعي كقولنا في الإعتاق والإطعام والكسوة ، وكقولهم في الصيام ، من أجل أنه عبادة بدنية . فلم يجز فعله قبل وجوبه لغير مشقة ، كالصلاة . ولنا ، ما روى عبد الرحمن بن سمرة ، قال : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم { إذا حلفت على يمين ، فرأيت غيرها خيرا منها ، فكفر عن يمينك ، ثم ائت الذي هو خير } رواه أبو داود . وفي لفظ : { وأت الذي هو خير } رواه البخاري ، والأثرم وروى أبو هريرة ، وأبو الدرداء ، وعدي بن حاتم ، عن النبي صلى الله عليه وسلم نحو ذلك . رواه الأثرم .

وعن أبي موسى ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : { إني إن شاء لا أحلف على يمين ، فأرى غيرها خيرا منها ، إلا كفرت عن يميني ، وأتيت الذي هو خير . أو أتيت الذي هو خير ، وكفرت عن يميني } رواه البخاري . ولأنه كفر بعد وجود السبب ، فأجزأ ، كما لو كفر بعد الجرح ، وقبل الزهوق ، والسبب هو اليمين بدليل قوله تعالى { ذلك كفارة أيمانكم } . وقوله سبحانه { قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم } .

وقول النبي صلى الله عليه وسلم { وكفرت عن يميني وكفر عن يمينك } . وتسمية الكفارة كفارة اليمين ، وبهذا ينفصل عما ذكروه ، فإن الحنث شرط وليس بسبب ، وتعجيل حق المال بعد وجود سببه وقبل وجود شرطه جائز ، بدليل تعجيل الزكاة بعد وجود النصاب وقبل الحول ، وكفارة القتل بعد الجرح وقبل الزهوق . قال ابن عبد البر : العجب من أصحاب أبي حنيفة ، أجازوا تقديم الزكاة من غير أن يرووا فيها مثل هذه الآثار الواردة في تقديم الكفارة ، ويأبون تقديم الكفارة مع كثرة الرواية الواردة فيها ، والحجة في السنة ، ومن خالفها محجوج بها .

فأما أصحاب الشافعي فهم محجوجون بالأحاديث ، مع أنهم قد احتجوا بها في البعض ، وخالفوها في البعض ، وفرقوا بين ما جمع بينه النص ولأن [ ص: 412 ] الصيام نوع تكفير ، فجاز قبل الحنث ، كالتكفير بالمال ، وقياس الكفارة على الكفارة أولى من قياسها على الصلاة المفروضة بأصل الوضع .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث