الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

القول في تأويل قوله تعالى " لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن "

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

القول في تأويل قوله ( لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن )

قال أبو جعفر : يعني - تعالى ذكره - بقوله : " لا جناح عليكم " لا حرج عليكم إن طلقتم النساء .

يقول : لا حرج عليكم في طلاقكم نساءكم وأزواجكم ، [ ص: 118 ] " ما لم تماسوهن " يعني بذلك : ما لم تجامعوهن .

" والمماسة " في هذا الموضع ، كناية عن اسم الجماع ، كما : -

5190 - حدثنا حميد بن مسعدة قال : حدثنا يزيد بن زريع وحدثنا محمد بن بشار قال : حدثنا محمد بن جعفر قالا جميعا ، حدثنا شعبة ، عن أبي بشر ، عن سعيد بن جبير قال : قال ابن عباس : المس الجماع ، ولكن الله يكني ما يشاء بما شاء .

5191 - حدثني المثنى قال : حدثنا أبو صالح قال : حدثني معاوية ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس قال : المس : النكاح .

قال أبو جعفر : وقد اختلف القرأة في قراءة ذلك . فقرأته عامة قرأة أهل الحجاز والبصرة : " ما لم تمسوهن " بفتح " التاء " من " تمسوهن " بغير " ألف " من قولك : مسسته أمسه مسا ومسيسا ومسيسى " مقصور مشدد غير مجرى . وكأنهم اختاروا قراءة ذلك ، إلحاقا منهم له بالقراءة المجتمع عليها في قوله : ( ولم يمسسني بشر ) [ سورة آل عمران : 47 ، سورة مريم : 20 ] .

وقرأ ذلك آخرون : " ما لم تماسوهن " بضم " التاء والألف " بعد " الميم " إلحاقا منهم ذلك بالقراءة المجمع عليها في قوله : ( فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا ) [ سورة المجادلة : 3 ] ، وجعلوا ذلك بمعنى فعل كل واحد من الرجل والمرأة بصاحبه من قولك : " ماسست الشيء أماسه مماسة ومساسا .

[ ص: 119 ]

قال أبو جعفر : والذي نرى في ذلك ، أنهما قراءتان صحيحتا المعنى ، متفقتا التأويل ، وإن كان في إحداهما زيادة معنى ، غير موجبة اختلافا في الحكم والمفهوم .

وذلك أنه لا يجهل ذو فهم إذا قيل له : " مسست زوجتي " أن الممسوسة قد لاقى من بدنها بدن الماس ، ما لاقاه مثله من بدن الماس . فكل واحد منهما وإن أفرد الخبر عنه بأنه الذي ماس صاحبه ، معقول بذلك الخبر نفسه أن صاحبه الممسوس قد ماسه . فلا وجه للحكم لإحدى القراءتين مع اتفاق معانيهما ، وكثرة القرأة بكل واحدة منهما بأنها أولى بالصواب من الأخرى ، بل الواجب أن يكون القارئ ، بأيتهما قرأ ، مصيب الحق في قراءته .

قال أبو جعفر : وإنما عنى الله - تعالى ذكره - بقوله : " لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن " المطلقات قبل الإفضاء إليهن في نكاح قد سمي لهن فيه الصداق . وإنما قلنا أن ذلك كذلك ، لأن كل منكوحة فإنما هي إحدى اثنتين : إما مسمى لها الصداق ، أو غير مسمى لها ذلك . فعلمنا بالذي يتلو ذلك من قوله - تعالى ذكره - أن المعنية بقوله : " لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن " إنما هي المسمى لها . لأن المعنية بذلك ، لو كانت غير المفروض لها الصداق ، لما كان لقوله : " أو تفرضوا لهن فريضة " معنى معقول . إذ كان لا معنى لقول قائل : " لا جناح عليكم إذا طلقتم النساء ما لم تفرضوا لهن فريضة في نكاح لم تماسوهن فيه ، أو ما لم تفرضوا لهن فريضة " . فإذا كان لا معنى لذلك ، فمعلوم أن الصحيح من التأويل في ذلك : لا جناح عليكم إن طلقتم المفروض لهن من نسائكم الصداق قبل أن تماسوهن ، وغير المفروض لهن قبل الفرض .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث