الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

باب غزوة أنمار

3909 حدثنا آدم حدثنا ابن أبي ذئب حدثنا عثمان بن عبد الله بن سراقة عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة أنمار يصلي على راحلته متوجها قبل المشرق متطوعا

التالي السابق


ثم ذكر بعد هذه ترجمة غزوة أنمار ذكر فيها حديث جابر " رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - في غزوة أنمار يصلي على راحلته " وهذا الحديث قد تقدم في " باب قصر الصلاة " وكان محل هذا قبل غزوة بني المصطلق ؛ لأنه عقبه بترجمة حديث الإفك والإفك كان في غزوة بني المصطلق فلا معنى لإدخال غزوة أنمار بينهما ، بل غزوة أنمار يشبه أن تكون هي غزوة محارب وبني ثعلبة ، لما تقدم من قول أبي عبيد : إن الماء لبني أشجع وأنمار وغيرهما من قيس ، والذي يظهر أن التقديم والتأخير في ذلك من النساخ والله أعلم . ولم يذكر أهل المغازي غزوة أنمار ، وذكر مغلطاي أنها غزوة أمر بفتح الهمزة وكسر الميم ، فقد ذكر ابن إسحاق أنها كانت في صفر ، وعند ابن سعد " قدم قادم بجلب فأخبر أن أنمار وثعلبة قد جمعوا لهم ، فخرج لعشر خلون من المحرم فأتى محلهم بذات الرقاع " وقيل : إن غزوة أنمار وقعت في أثناء غزوة بني المصطلق لما روى أبو الزبير عن جابر " أرسلني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو [ ص: 495 ] منطلق إلى بني المصطلق ، فأتيته وهو يصلي على بعير " الحديث . ويؤيده رواية الليث عن القاسم بن محمد " أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى في غزوة بني أنمار صلاة الخوف " ويحتمل أن رواية جابر لصلاته - صلى الله عليه وسلم - تعددت .

قوله : ( غزوة بني المصطلق من خزاعة وهي غزوة المريسيع ) أما المصطلق فهو بضم الميم وسكون المهملة وفتح الطاء المهملة وكسر اللام بعدها قاف ، وهو لقب ، واسمه جذيمة بن سعد بن عمرو بن ربيعة بن حارثة ، بطن من بني خزاعة . وقد تقدم بيان نسب خزاعة في أوائل السيرة النبوية . وأما المريسيع فبضم الميم وفتح الراء وسكون التحتانيتين بينهما مهملة مكسورة وآخره عين مهملة ، هو ماء لبني خزاعة بينه وبين الفرع مسيرة يوم . وقد روى الطبراني من حديث سفيان بن وبرة قال : " كنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في غزوة المريسيع غزوة بني المصطلق " .

قوله : ( قال ابن إسحاق : وذلك سنة ست ) كذا هو في مغازي ابن إسحاق رواية يونس بن بكير وغيره عنه وقال : في شعبان وبه جزم خليفة والطبري ، وروى البيهقي من رواية قتادة وعروة وغيرهما أنها كانت في شعبان سنة خمس ، وكذا ذكرها أبو معشر قبل الخندق .

قوله : ( وقال موسى بن عقبة : سنة أربع ) كذا ذكره البخاري ، وكأنه سبق قلم أراد أن يكتب سنة خمس فكتب سنة أربع . والذي في مغازي موسى بن عقبة من عدة طرق أخرجها الحاكم وأبو سعيد النيسابوري والبيهقي في الدلائل وغيرهم سنة خمس ، ولفظه عن موسى بن عقبة عن ابن شهاب " ثم قاتل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بني المصطلق وبني لحيان في شعبان سنة خمس " ويؤيده ما أخرجه البخاري في الجهاد " عن ابن عمر أنه غزا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - بني المصطلق في شعبان سنة أربع " ولم يؤذن له في القتال ؛ لأنه إنما أذن له فيه في الخندق كما تقدم وهي بعد شعبان سواء قلنا : إنها كانت سنة خمس أو سنة أربع ، وقال الحاكم في " الإكليل " : قول عروة وغيره إنها كانت في سنة خمس أشبه من قول ابن إسحاق . قلت : ويؤيده ما ثبت في حديث الإفك أن سعد بن معاذ تنازع هو وسعد بن عبادة في أصحاب الإفك كما سيأتي ، فلو كان المريسيع في شعبان سنة ست مع كون الإفك كان فيها لكان ما وقع في الصحيح من ذكر سعد بن معاذ غلطا ؛ لأن سعد بن معاذ مات أيام قريظة وكانت سنة خمس على الصحيح كما تقدم تقريره ، وإن كانت كما قيل سنة أربع فهي أشد ، فيظهر أن المريسيع كانت سنة خمس في شعبان لتكون قد وقعت قبل الخندق لأن الخندق كانت في شوال من سنة خمس أيضا فتكون بعدها فيكون سعد بن معاذ موجودا في المريسيع ورمي بعد ذلك بسهم في الخندق ومات من جراحته في قريظة . وسأذكر ما وقع لعياض من ذلك في أثناء الكلام على حديث الإفك إن شاء الله تعالى .

ويؤيده أيضا أن حديث الإفك كان سنة خمس إذ الحديث فيه التصريح بأن القصة وقعت بعد نزول الحجاب ، والحجاب كان في ذي القعدة سنة أربع عند جماعة فيكون المريسيع بعد ذلك فيرجح أنها سنة خمس ، أما قول الواقدي : إن الحجاب كان في ذي القعدة سنة خمس فمردود ، وقد جزم خليفة وأبو عبيدة وغير واحد بأنه كان سنة ثلاث ، فحصلنا في الحجاب على ثلاثة أقوال أشهرها سنة أربع والله أعلم .

[ ص: 496 ] قوله : ( وقال النعمان بن راشد عن الزهري : كان حديث الإفك في غزوة المريسيع ) وصله الجوزقي والبيهقي في " الدلائل " من طريق حماد بن زيد عن النعمان بن راشد ومعمر عن الزهري عن عائشة فذكر قصة الإفك في غزوة المريسيع ، وبهذا قال ابن إسحاق وغير واحد من أهل المغازي إن قصة الإفك كانت في رجوعهم من غزوة المريسيع . وذكر ابن إسحاق عن مشايخه عاصم بن عمر بن قتادة وغيره أنه - صلى الله عليه وسلم - بلغه أن بني المصطلق يجمعون له وقائدهم الحارث بن أبي ضرار فخرج إليهم حتى لقيهم على ماء من مياههم يقال له : المريسيع قريبا من الساحل ، فزاحف الناس واقتتلوا ، فهزمهم الله ، وقتل منهم ، ونفل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نساءهم وأبناءهم وأموالهم . كذا ذكر ابن إسحاق بأسانيد مرسلة ، والذي في الصحيح كما تقدم في كتاب العتق من حديث ابن عمر يدل على أنه أغار عليهم على حين غفلة منهم فأوقع بهم ولفظه " أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أغار على بني المصطلق وهم غارون وأنعامهم تسقى على الماء ، فقتل مقاتلتهم وسبى ذراريهم " الحديث ، فيحتمل أن يكون حين الإيقاع بهم ثبتوا قليلا ، فلما كثر فيهم القتل انهزموا بأن يكون لما دهمهم وهم على الماء ثبتوا وتصافوا ووقع القتال بين الطائفتين ثم بعد ذلك وقعت الغلبة عليهم ، وقد ذكر هذه القصة ابن سعد نحو ما ذكر ابن إسحاق ، وأن الحارث كان جمع جموعا وأرسل عينا تأتيه بخبر المسلمين فظفروا به فقتلوه ، فلما بلغه ذلك هلع وتفرق الجمع وانتهى النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى الماء وهو المريسيع فصف أصحابه للقتال ورموهم بالنبل ثم حملوا عليهم حملة واحدة فما أفلت منهم إنسان بل قتل منهم عشرة وأسر الباقون رجالا ونساء ، وساق ذلكاليعمري في " عيون الأثر " ثم ذكر حديث ابن عمر ثم قال : أشار ابن سعد إلى حديث ابن عمر ثم قال : الأول أثبت . قلت : آخر كلام ابن سعد ، والحكم بكون الذي في السير أثبت مما في الصحيح مردود ، ولا سيما مع إمكان الجمع والله أعلم . ثم ذكر المصنف حديث ابن محيريز واسمه عبد الله ومحيريز بمهملة وراء ثم زاي بصيغة التصغير عن أبي سعيد في قصة العزل ، وسيأتي شرحه في كتاب النكاح إن شاء الله تعالى ، والغرض منه هنا ذكر غزوة بني المصطلق في الجملة ، وقد أشرت إلى قصتها مجملا ولله الحمد .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث