الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

القسم الثاني والثالث هديه صلى الله عليه وسلم في العلاج بالأدوية الروحانية الإلهية المفردة والمركبة منها ومن الأدوية الطبيعية

فصل

فصول في هديه - صلى الله عليه وسلم - في العلاج بالأدوية الروحانية الإلهية المفردة ، والمركبة منها ، ومن الأدوية الطبيعية

فصل

في هديه - صلى الله عليه وسلم - في علاج المصاب بالعين

روى مسلم في " صحيحه " عن ابن عباس قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( العين حق ولو كان شيء سابق القدر لسبقته العين ) .

وفي " صحيحه " أيضا عن أنس ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( رخص في الرقية من الحمة والعين والنملة )

وفي " الصحيحين " من حديث أبي هريرة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( العين حق ) .

وفي سنن أبي داود " عن عائشة رضي الله عنها قالت : ( كان يؤمر العائن فيتوضأ ، ثم يغتسل منه المعين ) .

[ ص: 150 ] وفي " الصحيحين " عن عائشة قالت : ( أمرني النبي - صلى الله عليه وسلم - ، أو أمر أن نسترقي من العين ) .

وذكر الترمذي ، من حديث سفيان بن عيينة ، عن عمرو بن دينار ، عن عروة بن عامر ، عن عبيد بن رفاعة الزرقي ( أن أسماء بنت عميس ، قالت : يا رسول الله إن بني جعفر تصيبهم العين أفأسترقي لهم ؟ فقال : " نعم فلو كان شيء يسبق القضاء لسبقته العين ) قال الترمذي : حديث حسن صحيح .

وروى مالك - رحمه الله - عن ابن شهاب عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف قال : ( رأى عامر بن ربيعة سهل بن حنيف يغتسل ، فقال : والله ما رأيت كاليوم ولا جلد مخبأة ، قال : فلبط سهل ، فأتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عامرا فتغيظ عليه ، وقال : " علام يقتل أحدكم أخاه ألا بركت اغتسل له " ، فغسل له عامر : وجهه ويديه ، ومرفقيه ، وركبتيه ، وأطراف رجليه ، وداخلة إزاره في قدح ، ثم صب عليه ، فراح مع الناس ).

وروى مالك - رحمه الله - أيضا عن محمد بن أبي أمامة بن سهل ، عن أبيه هذا الحديث وقال فيه : " إن العين حق توضأ له "فتوضأ له .

وذكر عبد الرزاق ، عن معمر ، عن ابن طاووس ، عن أبيه مرفوعا : ( العين حق ولو كان شيء سابق القدر ، لسبقته العين ، وإذا استغسل أحدكم [ ص: 151 ] فليغتسل ) ووصله صحيح .

قال الزهري : يؤمر الرجل العائن بقدح ، فيدخل كفه فيه ، فيتمضمض ، ثم يمجه في القدح ، ويغسل وجهه في القدح ، ثم يدخل يده اليسرى فيصب على ركبته اليمنى في القدح ، ثم يدخل يده اليمنى فيصب على ركبته اليسرى ، ثم يغسل داخلة إزاره ، ولا يوضع القدح في الأرض ، ثم يصب على رأس الرجل الذي تصيبه العين من خلفه صبة واحدة .

والعين عينان عين إنسية ، وعين جنية ، فقد صح عن أم سلمة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رأى في بيتها جارية في وجهها سفعة ، فقال : ( استرقوا لها ، فإن بها النظرة ) .

قال الحسين بن مسعود الفراء : وقوله " سفعة " أي نظرة يعني : من الجن ، يقول بها عين أصابتها من نظر الجن أنفذ من أسنة الرماح .

ويذكر عن جابر يرفعه ( إن العين لتدخل الرجل القبر والجمل القدر ) .

[ ص: 152 ] وعن أبي سعيد ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( كان يتعوذ من الجان ، ومن عين الإنسان ) .

فأبطلت طائفة ممن قل نصيبهم من السمع والعقل أمر العين ، وقالوا : إنما ذلك أوهام لا حقيقة له ، وهؤلاء من أجهل الناس بالسمع والعقل ، ومن أغلظهم حجابا ، وأكثفهم طباعا ، وأبعدهم معرفة عن الأرواح والنفوس . وصفاتها وأفعالها وتأثيراتها ، وعقلاء الأمم على اختلاف مللهم ونحلهم لا تدفع أمر العين ، ولا تنكره ، وإن اختلفوا في سبب وجهة تأثير العين .

فقالت طائفة : إن العائن إذا تكيفت نفسه بالكيفية الرديئة انبعث من عينه قوة سمية تتصل بالمعين ، فيتضرر . قالوا : ولا يستنكر هذا ، كما لا يستنكر انبعاث قوة سمية من الأفعى تتصل بالإنسان ، فيهلك ، وهذا أمر قد اشتهر عن نوع من الأفاعي أنها إذا وقع بصرها على الإنسان هلك ، فكذلك العائن .

وقالت فرقة أخرى : لا يستبعد أن ينبعث من عين بعض الناس جواهر لطيفة غير مرئية ، فتتصل بالمعين ، وتتخلل مسام جسمه ، فيحصل له الضرر .

وقالت فرقة أخرى : قد أجرى الله العادة بخلق ما يشاء من الضرر عند مقابلة عين العائن لمن يعينه من غير أن يكون منه قوة ، ولا سبب ، ولا تأثير أصلا ، وهذا مذهب منكري الأسباب والقوى والتأثيرات في العالم ، وهؤلاء قد سدوا على أنفسهم باب العلل والتأثيرات ، والأسباب وخالفوا العقلاء أجمعين .

ولا ريب أن الله سبحانه خلق في الأجسام والأرواح قوى وطبائع مختلفة ، [ ص: 153 ] وجعل في كثير منها خواص وكيفيات مؤثرة ولا يمكن لعاقل إنكار تأثير الأرواح في الأجسام ، فإنه أمر مشاهد محسوس ، وأنت ترى الوجه كيف يحمر حمرة شديدة ، إذا نظر إليه من يحتشمه ويستحي منه ، ويصفر صفرة شديدة عند نظر من يخافه إليه ، وقد شاهد الناس من يسقم من النظر وتضعف قواه ، وهذا كله بواسطة تأثير الأرواح ، ولشدة ارتباطها بالعين ينسب الفعل إليها ، وليست هي الفاعلة ، وإنما التأثير للروح ، والأرواح مختلفة في طبائعها وقواها وكيفياتها وخواصها ، فروح الحاسد مؤذية للمحسود أذى بينا .

ولهذا أمر الله - سبحانه - رسوله أن يستعيذ به من شره ، وتأثير الحاسد في أذى المحسود أمر لا ينكره إلا من هو خارج عن حقيقة الإنسانية ، وهو أصل الإصابة بالعين ، فإن النفس الخبيثة الحاسدة تتكيف بكيفية خبيثة ، وتقابل المحسود فتؤثر فيه بتلك الخاصية ، وأشبه الأشياء بهذا الأفعى ، فإن السم كامن فيها بالقوة ، فإذا قابلت عدوها انبعثت منها قوة غضبية ، وتكيفت بكيفية خبيثة مؤذية .

فمنها : ما تشتد كيفيتها وتقوى حتى تؤثر في إسقاط الجنين .

ومنها : ما تؤثر في طمس البصر كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - في الأبتر وذي الطفيتين من الحيات : ( إنهما يلتمسان البصر ، ويسقطان الحبل ) .

ومنها : ما تؤثر في الإنسان كيفيتها بمجرد الرؤية من غير اتصال به ، لشدة خبث تلك النفس ، وكيفيتها الخبيثة المؤثرة ، والتأثير غير موقوف على الاتصالات الجسمية ، كما يظنه من قل علمه ومعرفته بالطبيعة والشريعة ، بل التأثير يكون تارة بالاتصال ، وتارة بالمقابلة ، وتارة بالرؤية ، وتارة بتوجه الروح نحو من يؤثر فيه ، وتارة بالأدعية ، والرقى ، والتعوذات ، وتارة بالوهم والتخيل ، ونفس العائن لا يتوقف [ ص: 154 ] تأثيرها على الرؤية ، بل قد يكون أعمى ، فيوصف له الشيء فتؤثر نفسه فيه ، وإن لم يره ، وكثير من العائنين يؤثر في المعين بالوصف من غير رؤية ، وقد قال تعالى لنبيه ( وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم لما سمعوا الذكر ) [ القلم :51 ] . وقال : ( قل أعوذ برب الفلق من شر ما خلق ومن شر غاسق إذا وقب ومن شر النفاثات في العقد ومن شر حاسد إذا حسد ) ، فكل عائن حاسد ، وليس كل حاسد عائنا ، فلما كان الحاسد أعم من العائن ، كانت الاستعاذة منه استعاذة من العائن ، وهي سهام تخرج من نفس الحاسد والعائن نحو المحسود والمعين تصيبه تارة ، وتخطئه تارة ، فإن صادفته مكشوفا لا وقاية عليه ، أثرت فيه ، ولا بد وإن صادفته حذرا شاكي السلاح لا منفذ فيه للسهام لم تؤثر فيه ، وربما ردت السهام على صاحبها ، وهذا بمثابة الرمي الحسي سواء ، فهذا من النفوس والأرواح وذاك من الأجسام والأشباح .

وأصله من إعجاب العائن بالشيء ، ثم تتبعه كيفية نفسه الخبيثة ، ثم تستعين على تنفيذ سمها بنظرة إلى المعين ، وقد يعين الرجل نفسه ، وقد يعين بغير إرادته ، بل بطبعه ، وهذا أردأ ما يكون من النوع الإنساني ، وقد قال أصحابنا وغيرهم من الفقهاء : إن من عرف بذلك ، حبسه الإمام ، وأجرى له ما ينفق عليه إلى الموت ، وهذا هو الصواب قطعا .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث