الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

بيان الأحكام المتعلقة بشعر الرأس واللحى والشوارب

[ ص: 498 ] بيان الأحكام المتعلقة بشعر الرأس واللحى والشوارب

وفي باب تزيين الشعر: ما روي عن ابن عمر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "خالفوا المشركين، أوفروا اللحى، وأعفوا الشوارب".

وفي رواية: "أنهكوا الشوارب، وأعفوا اللحى" متفق عليه.

معنى "أوفروا": أكثروا، و"أحفوا"؛ أي: بالغوا في جزه، و"أنهكوا"؛ أي:

بالغوا في قصه.

والمراد بالخلاف: أنهم يقصون اللحى، ويتركون الشوارب حتى تطول، والأمر يفيد الوجوب.

ولكن الناس خالفوا هذا الخلاف، فأحفوا اللحى، وأوفروا الشوارب، لا سيما رافضة الهند وعوامها من الرذالة، وهم يدعون أنهم على سيرة أمير المؤمنين علي - عليه السلام -، وعلى طريقة الإسلام، وشتان ما بينه وبينهم، ولا غرو، فإن البدعة وترك السنة تأتي بمفاسد كثيرة، إنما العجب من العرب الساكنين بالحرمين الشريفين؛ فإنا رأيناهم خالفوا هذه السنة خلافا ظاهرا، وفعلوا باللحى ما لم نر مثله في مملكة أخرى، وأحدثوا لها أشكالا غرائب، بالقصر، والقطع، وتخفيفها في العرض والطول، وتحليقها من أطرافها العالية والسافلة، مع أنهم في محل ينبغي لأهله غاية التيقظ لإيثار شرائع الدين، والتحفظ لشعائر الإسلام، ولكن تم دست الشيطان، واستتب في كل موضع مقدس ومكان، ولم ينج منه إلا من قال سبحانه فيه: إن عبادي ليس لك عليهم سلطان .

وعن عبد الله بن مغفل، قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الترجل والأغباب. رواه الترمذي، وأبو داود، والنسائي، و"الغب": أن يفعل يوما، ويترك يوما، والنهي للمبالغة في التزيين، والتهالك في التحسين.

[ ص: 499 ] ولكن الضرورة خارجة عن هذا النهي، ومع هذا، إن اتبع السنة الصريحة المحكمة الصحيحة، فالأجر على قدر النصب.

وعن عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تنتفوا الشيب؛ فإنه نور المسلم".

فيه: النهي عن نتف الشيب؛ استحصالا لهيئة الشباب وغيره، وعلله بأنه ضياء للمسلم، ونور له في الإسلام.

"من شاب شيبة في الإسلام، كتب الله له بها حسنة، وكفر عنه بها خطيئة، ورفعه بها درجة" رواه أبو داود.

فيه: بيان فضيلة الشيب في الإسلام، وما أعظم هذه الفضيلة !!وعن ابن عمر: أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى صبيا قد حلق بعض رأسه، وترك بعضه، فنهاهم عن ذلك، وقال: "احلقوا كله، أو اتركوا كله" رواه مسلم.

أفاد الحديث أن حلق بعض الرأس، وترك بعضه على أي شكل كان، من قبل ودبر، منهي عنه، وأن الجائز في حق الصبيان أن يحلق رؤوسهم كلها، أو يترك كلها.

وهذا الحديث كالمخصص لحديث فيه: أن حلق الرأس من علامات الخوارج وسيماهم؛ لأن ذلك في حق الشباب والشيوخ، وهذا في حق الصبي، وعلم منه: أن إبقاء الشعور على رؤوس الغلمان جائز، وإن أدى إلى الزينة، لكن ما لم يوصل إلى الفتنة بهم، فإن أوصل إليها، فالترك وحلقها مستحب، بل لازم، إزالة للمنكر والفحشاء، وإماطة للفتنة الظلماء العمياء، كيف والفسق بهم شاع في الفساق وعبيد الأهواء؟!.

وعن الحجاج بن حسان، قال: دخلنا على أنس بن مالك، فحدثتني أختي المغيرة، قالت: وأنت يومئذ غلام، ولك قرنان أو قصتان، فمسح رأسك، وبرك عليك، وقال: "احلقوا هذين، أو قصوهما؛ فإن هذا زي اليهود" رواه أبو داود.

والحديث دل على أن التلوين في شعور الرأس من شيمة اليهود، وليس من [ ص: 500 ] سنة الإسلام، وينبغي اجتناب الصبيان عنه بحلق رؤوسهم.

وقد أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بحلق رؤوس أبناء جعفر الطيار، كما ثبت في بعض الأخبار.

فالأفضل للصبي الحلق، والإبقاء يجوز كما تقدم.

وعن ابن الحنظلية - رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم -، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: نعم الرجل خريم الأسدي، لولا طول جمته، وإسبال إزاره"، فبلغ ذلك خريما، فأخذ شفرة، فقطع بها جمته إلى أذنيه، ورفع إزاره إلى أنصاف ساقيه. رواه أبو داود.

وفيه: دليل على أن طول الجمة مذموم مكروه، وإذا لم يجز ذلك، لم يجز ما يزيد عليها بالأولى.

وقد تسامح الناس في ذلك إلى أن اختار بعضهم لرأسه ضفائر كالنساء، وأطال شعوره إلى نصف الظهر، وهذا أشد في الكراهة، بل يدخل في باب التشبه بهن، والمتشبه بهن ملعون على لسان الشارع، كما تقدم.

لله در أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، كيف كانوا يمتثلون أمره - عليه السلام - بلا تأن وتأخير، ويسارعون إليه بإيماء، وإشارة.

وهكذا ينبغي لكل مسلم إذا بلغه حديث من أحاديثه، فيه أمر من أوامره صلى الله عليه وسلم، ونهي من نواهيه، سابق إليه في الساعة، وسارع إلى إيثاره على مراد الطبيعة، حبا وكرامة للإسلام، وسمعا وطاعة لسنة خير الأنام. اللهم ارزقنا.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث