الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

888 (53) باب

فيمن لم يدر كم صلى ؟

[ 460 ] عن أبي سعيد الخدري ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر كم صلى ثلاثا أم أربعا ، فليطرح الشك ، وليبن على ما استيقن ، ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم ، فإن كان صلى خمسا شفعن له صلاته ، وإن كان صلى إتماما لأربع كانتا ترغيما للشيطان .

رواه أحمد (3 \ 87)، ومسلم (571)، وأبو داود (1024 و 1026 و 1027 و 1029)، والترمذي (396)، والنسائي (3 \ 27)، وابن ماجه (1210) .

[ ص: 180 ]

التالي السابق


[ ص: 180 ] (53) ومن باب : فيمن لم يدر كم صلى

قوله في حديث أبي سعيد : إذا شك أحدكم في صلاته ، فليطرح الشك وليبن على ما استيقن : تمسك بظاهره جمهور أهل العلم في إلغاء المشكوك فيه ، والعمل على المتيقن ، وألحقوا المظنون بالمشكوك في الإلغاء ، وردوا قوله - صلى الله عليه وسلم - في حديث ابن مسعود : فليتحر الصواب من ذلك إلى حديث أبي سعيد هذا ، ورأوا أن هذا التحري هو القصد إلى طرح الشك ، والعمل على المتيقن . وقال أهل الرأي من أهل الكوفة وغيرهم : إن التحري هنا هو البناء على غلبة الظن . وأما أبو حنيفة فقال : ذلك لمن اعتراه ذلك مرة بعد مرة ، فأما لأول ما ينوبه ، فليبن على اليقين ، وكأن أبا حنيفة جمع بين الحديثين باعتبار حالين للشاك .

وقوله : ثم ليسجد سجدتين قبل أن يسلم : احتج بظاهره الشافعي لأصل مذهبه على أن سجود السهو كله قبل السلام . وقال الداودي : اختلف قول مالك في الذي لا يدري ثلاثا صلى أم أربعا ؟ فقال : يسجد قبل السلام ، وقال : بعد السلام ، والصحيح من مذهبه في هذه الصورة : السجود بعد السلام . وقد اعتل أصحابنا لهذا الحديث بأوجه :

أحدها : أنه يعارضه حديث ذي اليدين ; حيث زاد النبي - صلى الله عليه وسلم - ، ثم سجد بعد [ ص: 181 ] السلام ، وهو حديث لا علة له ، وحديث أبي سعيد أرسله مالك عن عطاء ، وأسنده غيره ، فكان هذا اضطرابا فيه ، والتسليم عن ذلك أرجح .

وثانيها : أن قوله : قبل أن يسلم ; يحتمل أن يريد به السلام على النبي - صلى الله عليه وسلم - الذي في التشهد ، وهو قوله : السلام عليك أيها النبي ورحمة الله . فكأنه سجد ولم يستوف التشهد .

وثالثها : أنه يحتمل أن يكون النبي - صلى الله عليه وسلم - سها عن إيقاعه بعد السلام ، فأوقعه قبله واكتفى به ; إذ قد فعله ، ولا يتكرر سجود السهو ، ولا يعاد .

ورابعها : يحتمل أن يكون شك في قراءة السورة ، في إحدى الأوليين ، فيكون معه زيادة الركعة ونقصان قراءة السورة ، فغلب النقصان .

وخامسها : أن السجود في هذه الصورة قبل السلام ; لأن الزيادة متوهمة مقدورة ، بخلاف الزيادة المحققة ; كما في حديث ذي اليدين ; فإنه لما تحققت الزيادة سجد بعد السلام ، وهذا إنما يتمشى على ما رواه الداودي عن مالك على ما تقدم ، وعليه حمله ابن لبابة .

وسادسها : أن حديث أبي سعيد محمول على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قصد بذلك بيان جواز سجود ما بعد و [ما] قبل ، وهذا إنما يتمشى على رواية من روى أن الترتيب في سجود السهو إنما هو من باب الأولى على ما تقدم ، وهذا أشبهها ، فإنه جمع بين الأحاديث على وجه حسن ، وعلى مذهب الطبري وغيره - ممن قال بالتخيير ، فيسجد للنقص والزيادة قبل أو بعد ، أي ذلك شاء فعل ، وفي المجموعة عن مالك نحوه ، والله تعالى أعلم .

وقوله : فإن كان صلى خمسا شفعن له صلاته ; يعني : أنه لما شك هل [ ص: 182 ] صلى ثلاثا أو أربعا ، وبنى على الثلاث ، فقد اطرح الرابعة ، مع إمكان أن يكون فعلها ، فإن كان قد فعلها فهي خمس ، وموضوع تلك الصلاة شفع ، فلو لم يسجد لكانت الخامسة لا تناسب أصل المشروعية ، فلما سجد سجدتي السهو ارتفعت الوترية ، وجاءت الشفعية المناسبة للأصل ، والله أعلم .

والنون في شفعن هي نون جماعة المؤنث ، وعادت على معنى فعلات السجدتين ، مشيرا إلى ما فيها من الأحكام المتعددة .

وقوله : وإن كان صلى إتماما لأربع كانتا ترغيما للشيطان ; معناه : غيظا للشيطان ، ومذلة له ; لأنه لما فعل أربع ركعات أتى بما طلب منه ، ثم لما انفصل زاد سجودا لله تعالى ; لأجل ما أوقع الشيطان في قلبه من التردد ، فحصل للشيطان نقيض مقصوده ; إذ كان إبطال الصلاة ، فقد صحت ، وعادت وسوسته بزيادة خير وأجر . والترغيم : مأخوذ من الرغام ; وهو التراب كما تقدم .

وقوله في حديث ابن بحينة : فلما قضى صلاته ونظرنا تسليمه كبر فسجد ; أي : فرغ من أركانها عدا السلام . ونظرنا : انتظرنا ، ومنه : انظرونا نقتبس من نوركم [ الحديد :13 ] ; أي : انتظرونا . وهذا التكبير المعقب بالسجود لسجود السهو قولا واحدا ، لا للإحرام ; لأنه لم ينفصل عن حكم الإحرام الأول . واختلف في التكبير للتبيين بعد السلام ، هل هو للإحرام أو للسجود ؟ روايتان عن مالك . والأولى أنه للإحرام ، ولا بد من نيته ; لأنه قد انفصل عن حكم الصلاة ; ولأنه [ ص: 183 ] لا بد لهما من سلام ينفصل به ، كما يحرم به قياسا على سائر الصلوات ، وإلى هذا أشار في حديث ذي اليدين ، حيث قال : فصلى ركعتين ، ثم كبر ، ثم سجد ، ثم كبر . فإنه عطف السجود على التكبير بثم التي تقتضي التراخي ، ولو كان التكبير للسجود لكان معه ، ومصاحبا له ، ألا تراه كيف قال في بقية الحديث : ثم كبر وركع ، ثم كبر وسجد ، ثم كبر وسجد ، ثم كبر فرفع ، فعدل عن ثم في مواضع المقارنة ، وهذا ظاهر .

وقوله : فسجد سجدتين قبل السلام ، ثم سلم حجة لمالك في قوله : إن السجود للنقص قبل ، وعلى أبي حنيفة في قوله : إن السجود للسهو كله بعد ، وحمل أبي حنيفة هذا السلام على سلام التشهد فاسد قطعا بمساق الحديث ، فتأمله .

وقوله : مكان ما نسي من الجلوس : دليل على أن الذي يجبر بسجود السهو إنما هو ما كان من قبيل سنن الصلاة ، أما أركانها وواجباتها فلا بد من الإتيان بها ; إذ لا تصح بدون ذلك ، أما فضائلها : فغايتها تكميل الثواب ، فلو أسقطها المصلي ابتداء لصحت صلاته اتفاقا ، وليس كذلك السنن ، فقد قيل : إن من تركها متعمدا أعاد الصلاة .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث