الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا

جزء التالي صفحة
السابق

قوله تعالى : وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا

، أمر جل وعلا في هذه الآية الكريمة بإخلاص العبادة له وحده ، وقرن بذلك الأمر بالإحسان إلى الوالدين .

وجعله بر الوالدين مقرونا بعبادته وحده جل وعلا المذكور هنا ذكره في آيات أخر ; كقوله في سورة " النساء " : واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا الآية [ 4 \ 36 ] ، وقوله في البقرة : وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله وبالوالدين إحسانا الآية [ 2 \ 83 ] ، وقوله في سورة لقمان : أن اشكر لي ولوالديك إلي المصير [ 31 \ 14 ] ، وبين في موضع آخر أن برهما لازم ولو كانا مشركين داعيين إلى شركهما ; كقوله في " لقمان " : وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا [ 31 \ 15 ] ، وقوله في " العنكبوت " : ووصينا الإنسان بوالديه حسنا وإن جاهداك لتشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما إلي مرجعكم الآية [ 29 \ 8 ] .

وذكره جل وعلا في هذه الآيات بر الوالدين مقرونا بتوحيده جل وعلا في عبادته ، يدل على شدة تأكد وجوب بر الوالدين . وجاءت عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك أحاديث كثيرة .

وقوله جل وعلا في الآيات المذكورة : وبالوالدين إحسانا [ 17 \ 23 ] بينه بقوله تعالى : إلا إياه وبالوالدين إحسانا إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل ربي ارحمهما كما ربياني صغيرا [ 17 \ 23 - 24 ] ; لأن هذا من الإحسان إليهما المذكور في الآيات ، وسيأتي إن شاء الله تعالى إيضاح معنى خفض الجناح ، وإضافته إلى الذل في سورة " الشعراء " ، وقد أوضحنا ذلك غاية الإيضاح في رسالتنا المسماة " منع جواز المجاز في المنزل للتعبد والإعجاز " .

[ ص: 86 ] وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة : وقضى ربك [ 17 \ 23 ] معناه : أمر وألزم ، وأوجب ووصى ألا تعبدوا إلا إياه .

وقال الزمخشري : وقضى ربك [ 17 \ 23 ] ، أي أمر أمرا مقطوعا به ، واختار أبو حيان في " البحر المحيط " أن إعراب قوله : إحسانا أنه مصدر نائب عن فعله ، فهو بمعنى الأمر ، وعطف الأمر المعنوي أو الصريح على النهي معروف ; كقوله :


وقوفا بها صحبي على مطيهم يقولون لا تهلك أسى وتجمل



وقال الزمخشري في الكشاف : وبالوالدين إحسانا أي : وأحسنوا بالوالدين إحسانا ، أو بأن تحسنوا بالوالدين إحسانا .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث