الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا

جزء التالي صفحة
السابق

وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة : إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا [ 17 \ 36 ] فيه وجهان من التفسير :

الأول : أن معنى الآية أن الإنسان يسأل يوم القيامة عن أفعال جوارحه ، فيقال له : لم سمعت ما لا يحل لك سماعه ؟ ولم نظرت إلى ما لا يحل لك النظر إليه ؟ ولم عزمت على ما لم يحل لك العزم عليه ؟

ويدل لهذا المعنى آيات من كتاب الله تعالى ; كقوله : ولتسألن عما كنتم تعملون [ 16 \ 93 ] ، وقوله : فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون [ 15 \ 92 - 93 ] ، ونحو ذلك من الآيات .

والوجه الثاني : أن الجوارح هي التي تسأل عن أفعال صاحبها ، فتشهد عليه جوارحه بما فعل .

قال القرطبي في تفسيره : وهذا المعنى أبلغ في الحجة ; فإنه يقع تكذيبه من جوارحه ، وتلك غاية الخزي ، كما قال : اليوم نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون [ 36 \ 65 ] ، وقوله : شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم بما كانوا يعملون [ 41 \ 20 ] .

قال مقيده عفا الله عنه : والقول الأول أظهر عندي ، وهو قول الجمهور .

وفي الآية الكريمة نكتة نبه عليها في مواضع أخر ; لأن قوله تعالى : إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا [ 17 \ 36 ] ، يفيد تعليل النهي في قوله : ولا تقف ما ليس لك به علم [ 17 \ 36 ] بالسؤال عن الجوارح المذكورة ، لما تقرر في الأصول في مسلك الإيماء والتنبيه : أن " إن " المكسورة من حروف التعليل . وإيضاحه : أن المعنى : انته عما لا يحل لك ; لأن الله أنعم عليك بالسمع والبصر والعقل لتشكره ، وهو مختبرك بذلك وسائلك عنه ، فلا تستعمل نعمه في معصية .

ويدل لهذا المعنى قوله تعالى : والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون [ ص: 156 ] [ 16 \ 78 ] ، ونحوها من الآيات . والإشارة في قوله تعالى في هذه الآية الكريمة بقوله : أولئك راجعة إلى السمع والبصر والفؤاد ، وهو دليل على الإشارة " أولئك " لغير العقلاء وهو الصحيح ، ومن شواهده في العربية قول الشاعر وهو العرجي :


يا ما أميلح غزلانا شدن لنا من هاؤليائكن الضال والسمر



وقول جرير :


ذم المنازل بعد منزلة اللوى     والعيش بعد أولئك الأيام



خلافا لمن زعم أن بيت جرير لا شاهد فيه ، وأن الرواية فيه " بعد أولئك الأقوام " والعلم عند الله تعالى .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث