الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

حرية الرأي في الاسلام (مقاربة في التصور والمنهجية)

الدكتور / محمد عبد الفتاح الخطيب

المقدمة

الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم النبيين من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه الذين حفظوا للإسلام عزه ومجده وعلى حملة العلم الذين ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين، فبلغ فيه كل جهده.

وبعد،

فقد يتوهم كثيرون أن الإسلام لا يقبل الرأي الآخر، ولا يحب النقاش، بل لا يبيحه وفقا للقاعدة المشهورة: " لا إجتهاد مع النص " ولذلك لا يمكن أن تكون هـناك حرية رأي في ظلال الدين!! لكن المتأمل في أبعاد العقيدة الإسلامية، وما أوجبته ومارسه الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة، رضوان الله عليهم، من ( شورى ) و ( أمر بالمعروف ونهي عن المنكر ) محددة مجالات الممارسة والحركة، في إطار قيم ضابطة لذلك، منهجا وتنظيرا، يدرك إن حرية الرأي ركن من أركان العقيدة الإسلامية، وكل قيد على هـذه الحرية، بعيدا عن قيمها، مخالف لجوهرها ومنطقها، ومخالف لمكانة الإنسان ومنهجية استخلافه في الإسلام!! وذلك ما يقوم على بيانه هـذا البحث ( حرية الرأي في [ ص: 29 ] الإسلام.. مقاربة في التصور والمنهجية ) في محاولة للوقوف على مظاهر تلك الحرية في التصور الإسلامي ( وأعني به: ذلك الجهد الفكري والتنظيري، للظواهر والوقائع، المستمد من الوحي ( قرآنا وسنة ) والمحكوم به ممارسة وحركة، ومقصدا وغاية ) ومجالاتها، وآثارها، والضوابط المتحكمة في ممارستها.

وقد قسمت البحث قسمين: فتحدثت في القسم الأول عن: ( التصور الإسلامي لحقوق الإنسان وحرياته... المنظور والمرتكزات ) ممهدا الحديث فيه عن حقوق الإنسان، وكونها -في التصور الإسلامي- منحا إلهية، وما يترتب على هـذا التصور الإسلامي، والتي تتمثل في مرتكزات ثلاثة: تحرير الوجدان من العبودية لغير الله عز وجل ، وتحرير العقل من الخرافات والأوهام، وتحديد المسئولية والتبعة الفردية، وتحدثت فيه -أيضا- عن مفهوم حرية الرأي ، ومنزلتها في الإسلام، والأساس الفكري لحرية الرأي في التصور الإسلامي، الذي يرتكز على أمرين، أولهما: أن التنوع والاختلاف منطق الحياة، وثانيهما: أنه لا عصمة، بعد الأنبياء، لأحد، مبينا ما يترتب على هـذا الأساس الفكري بمرتكزيه من حقائق. [ ص: 30 ]

أما القسم الثاني: فقد تحدثت فيه عن: ( منهجية حرية الرأي في التصور الإسلامي.... المجالات والآثار والضوابط ) وقد ذكرت فيه أبرز مجالات حرية الرأي التي أوجبها الإسلام، والمتمثلة في مبدأي: ( الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ) و ( الشورى ) ، حيث تأتي ( حرية الرأي ) فيهما بأوسع مداها، وفي أنبل صورها فتتسع فيها لتشمل الحفاظ على أمور الدين كافة، وحق المناصحة، وحرية النقد، والحرية السياسية، وتبادل الرأي في تنظيم شئون الحياة على مستوى الفرد والجماعة والدولة، ثم تحدثت عن آثار تلك الحرية، مبينا دورها في ( البعد التربوي للإنسان ) وأثرها في ( الشهود الحضاري للأمة ) ، وقد ختمت هـذا البحث بالحديث عن ( القيم، أو الآداب الشرعية الضابطة لحرية الرأي في التصور الإسلامي ) .

ويقيني -الذي لا يخالجه شك- أن هـذه الدراسة، مع كل ما بذلت من جهد في تتبع ظاهرة حرية الرأي وتلمس مجالاتها في التصور الإسلامي، والضوابط المتحكمة في ممارستها، منهجا وتنظيرا، أقول: مع كل هـذا، فإن كثيرا من ( النصوص ) التي أرادت أن تستنطقها، بقيت غفلا، منطوية على أجل ودائعها، وإنما يبلغ الإنسان طاقته، ولا حول ولا قوة إلا بالله. [ ص: 31 ]

وأخيرا، فإنني أستغفر الله العظيم من كل زلة، وأبرأ إليه من كل حول وقوة، وأقول، كما قال الإمام الفخر الرازي في وصيته: يا إله العالمين: إنى أرى الخلق مطبقين على إنك أكرم الأكرمين، وأرحم الراحمين، فكل ما مر به قلمي أو خطر ببالي، فاستشهد علمك، وأقول: إن علمت منى أني أردت به تحقيق باطل، أو إبطال حق، فافعل بى ما أنا أهله؛ وإن علمت مني أني ما سعيت إلا في تقرير ما أعتقدت أنه هـو الحق، وتصورت أنه الصدق، فلتكن رحمتك مع قصدي لا مع حاصلي. فذاك جهد المقل، وأنت أكرم من أن تضايق الضعيف الواقع في الزلة، فأغثني، وارحمني، واستر زلتي، وامح حوبتي

[1] .وصلى الله على سيدنا محمد، خاتم الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، والحقنا بهم قرة عين، وكرامة نفس. اللهم آمين. والحمد لله رب العالمين [ ص: 32 ]

التالي السابق


الخدمات العلمية