الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
الخامس : سبعة من الحفاظ في ساقتهم أحسنوا التصنيف، وعظم الانتفاع بتصانيفهم في أعصارنا :

أبو الحسن علي بن عمر الدارقطني البغدادي : مات بها في ذي القعدة سنة خمس وثمانين وثلاثمائة، ولد في ذي القعدة سنة ست وثلاثمائة .

ثم الحاكم أبو عبد الله بن البيع النيسابوري : مات بها في صفر سنة خمس وأربعمائة ، وولد بها في شهر ربيع الأول سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة .

ثم أبو محمد عبد الغني بن سعيد الأزدي حافظ مصر: ولد في ذي القعدة سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة ، ومات بمصر في صفر سنة تسع وأربعمائة .

ثم أبو نعيم أحمد بن عبد الله الأصبهاني الحافظ: ولد سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة، ومات في صفر سنة ثلاثين وأربعمائة بأصبهان .

ومن الطبقة الأخرى :

أبو عمر بن عبد البر النمري حافظ أهل المغرب: ولد في شهر ربيع الآخر سنة ثمان وستين وثلاثمائة، ومات بشاطبة من بلاد الأندلس في شهر ربيع الآخر سنة ثلاث وستين وأربعمائة .

ثم أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي : ولد سنة أربع وثمانين وثلاثمائة، ومات بنيسابور في جمادى الأولى سنة ثمان وخمسين وأربعمائة، ونقل إلى بيهق فدفن بها.

ثم أبو بكر أحمد بن علي الخطيب البغداذي : ولد في جمادى الآخرة سنة اثنتين وتسعين وثلاثمائة، ومات ببغداذ في ذي الحجة سنة ثلاث وستين وأربعمائة، رحمهم الله وإيانا والمسلمين أجمعين، والله أعلم .

النوع الحادي والستون

معرفة الثقات والضعفاء من رواة الحديث

هذا من أجل نوع وأفخمه، فإنه المرقاة إلى معرفة صحة الحديث وسقمه، ولأهل المعرفة بالحديث فيه تصانيف كثيرة :

منها ما أفرد في الضعفاء: ككتاب الضعفاء للبخاري ، والضعفاء للنسائي ، والضعفاء للعقيلي وغيرها .

ومنها في الثقات فحسب: ككتاب الثقات لأبي حاتم بن حبان.

ومنها ما جمع فيه بين الثقات والضعفاء كتاريخ البخاري ، و تاريخ ابن أبي خيثمة وما أغزر فوائده، وكتاب الجرح والتعديل لابن أبي حاتم الرازي .

روينا عن صالح بن محمد الحافظ جزرة قال: أول من تكلم في الرجال شعبة بن الحجاج، ثم تبعه يحيى بن سعيد القطان، ثم بعده أحمد بن حنبل ، ويحيى بن معين. وهؤلاء.

قلت : يعني أنه أول من تصدى لذلك وعني به، وإلا فالكلام فيهم جرحا وتعديلا متقدم ثابت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم عن كثير من الصحابة والتابعين فمن بعدهم، وجوز ذلك صونا للشريعة، ونفيا للخطأ والكذب عنها .

وكما جاز الجرح في الشهود جاز في الرواة ، ورويت عن أبي بكر بن خلاد قال: قلت ليحيى بن سعيد: أما تخشى أن يكون هؤلاء الذين تركت حديثهم خصماءك عند الله يوم القيامة؟ فقال : لأن يكونوا خصمائي أحب إلي من أن يكون خصمي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول لي: "لم لم تذب الكذب عن حديثي؟".

وروينا - أو بلغنا - أن أبا تراب النخشبي الزاهد سمع من أحمد بن حنبل شيئا من ذلك، فقال له : "يا شيخ! لا تغتاب العلماء ، فقال له : ويحك! هذا نصيحة ليس هذا غيبة ".

ثم إن على الآخذ في ذلك أن يتقي الله - تبارك وتعالى - ويتثبت ويتوقى التساهل، كيلا يجرح سليما ويسم بريئا بسمة سوء يبقى عليه الدهر عارها ، وأحسب أبا محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم - وقد قيل إنه كان يعد من الأبدال - من مثل ما ذكرناه خاف ، فيما رويناه أو بلغنا أن يوسف بن الحسين الرازي وهو الصوفي دخل عليه وهو يقرأ كتابه في الجرح والتعديل، فقال له : كم من هؤلاء القوم قد حطوا رواحلهم في الجنة منذ مائة سنة ومائتي سنة وأنت تذكرهم وتغتابهم؟ فبكى عبد الرحمن .

وبلغنا أيضا أنه حدث وهو يقرأ كتابه ذلك على الناس عن يحيى بن معين أنه قال: "إنا لنطعن على أقوام لعلهم قد حطوا رحالهم في الجنة منذ أكثر من مائتي سنة" فبكى عبد الرحمن ، وارتعدت يداه حتى سقط الكتاب من يده .

قلت : وقد أخطأ فيه غير واحد على غير واحد، فجرحوهم بما لا صحة له .

من ذلك : جرح أبي عبد الرحمن النسائي لأحمد بن صالح ، وهو حافظ ثقة إمام، لا يعلق به جرح، أخرج عنه البخاري في صحيحه ، وقد كان من أحمد إلى النسائي جفاء أفسد قلبه عليه .

وروينا عن أبي يعلى الخليلي الحافظ قال: اتفق الحفاظ على أن كلامه فيه تحامل، ولا يقدح كلام أمثاله فيه .

قلت : النسائي إمام حجة في الجرح والتعديل، وإذا نسب مثله إلى مثل هذا كان وجهه أن عين السخط تبدي مساوئ، لها في الباطن مخارج صحيحة تعمى عنها بحجاب السخط، لا أن ذلك يقع من مثله تعمدا لقدح يعلم بطلانه، فاعلم هذا فإنه من النكت النفيسة المهمة .

وقد مضى الكلام في أحكام الجرح والتعديل في النوع الثالث والعشرين، والله أعلم .

النوع الثاني والستون

معرفة من خلط في آخر عمره من الثقات

هذا فن عزيز مهم، لم أعلم أحدا أفرده بالتصنيف واعتنى به، مع كونه حقيقا بذلك جدا.

وهم منقسمون : فمنهم من خلط لاختلاطه وخرفه، ومنهم من خلط لذهاب بصره، أو لغير ذلك .

والحكم فيهم أنه يقبل حديث من أخذ عنهم قبل الاختلاط، ولا يقبل حديث من أخذ عنه بعد الاختلاط، أو أشكل أمره فلم يدر هل أخذ عنه قبل الاختلاط أو بعده .

فمنهم عطاء بن السائب : اختلط في آخر عمره، فاحتج أهل العلم برواية الأكابر عنه، مثل سفيان الثوري وشعبة ، لأن سماعهم منه كان في الصحة، وتركوا الاحتجاج برواية من سمع منه آخرا.

وقال يحيى بن سعيد القطان في شعبة : "إلا حديثين كان شعبة يقول : سمعتهما بأخرة عن زاذان ".

[ ص: 1391 ] [ ص: 1392 ] [ ص: 1393 ] [ ص: 1394 ] [ ص: 1395 ]

التالي السابق


[ ص: 1391 ] [ ص: 1392 ] [ ص: 1393 ] [ ص: 1394 ] [ ص: 1395 ] النوع الثاني والستون

معرفة من خلط في آخر عمره من الثقات.

ذكر المصنف -رحمه الله- في هذا النوع ستة عشر ترجمة ممن ذكر اختلاطهم، وذكر في بعضهم بعض من سمع منه في صحته، وفي بعضهم بعض من سمع منه في اختلاطه.

وذكر في آخر النوع أن ما كان من هذا النوع محتجا بروايته في الصحيحين أو أحدهما فإنا نعرف على الجملة أن ذلك مما تميز، وكان مأخوذا عنه قبل الاختلاط.

فرأيت أن أذكر ما عرف في تلك التراجم ممن سمع منهم قبل الاختلاط أو بعده، وأذكر من روايته عن المذكورين في الصحيح حتى يعرف أن ذلك من تحسين الظن بهما؛ لتلقي الأمة لهما بالقبول، كما قيل فيما وقع في كتابيهما أو أحدهما من حديث المدلسين بالعنعنة. والله أعلم.

253 - قوله: (فمنهم عطاء بن السائب: اختلط في آخر عمره، فاحتج أهل العلم برواية الأكابر عنه مثل سفيان وشعبة) إلى آخر كلامه.

وقد يفهم من كلامه في تمثيله بسفيان وشعبة من الأكابر أن غيرهما من الأكابر سمع منه في الصحة، وقد قال يحيى بن معين: "جميع من روى عن عطاء روى عنه في [ ص: 1396 ] الاختلاط إلا شعبة وسفيان" وقال أحمد بن حنبل: "سمع منه قديما شعبة وسفيان".

وقال أبو حاتم الرازي: "قديم السماع من عطاء سفيان وشعبة" وقد استثنى غير واحد من الأئمة مع شعبة وسفيان حماد بن زيد، قال يحيى بن سعيد القطان: "سمع حماد بن زيد من عطاء بن السائب قبل أن يتغير" وقال النسائي: "رواية حماد بن زيد وشعبة وسفيان عنه جيدة" انتهى.

وقال في موضع آخر: "حديثه عنه صحيح" وصحح أيضا حديثه عنه أبو داود، والطحاوي كما سيأتي. ونقل الحافظ أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن خلف بن المواق في كتاب (بغية النقاد) الاتفاق على أن حماد بن زيد إنما سمع منه قديما.

واستثنى الجمهور أيضا رواية حماد بن سلمة عنه أيضا، فممن قاله [ ص: 1397 ] يحيى بن معين، وأبو داود، والطحاوي، وحمزة الكناني، فروى ابن عدي في (الكامل) عن عبد الله بن الدورقي، عن يحيى بن معين قال: "حديث سفيان وشعبة وحماد بن سلمة عن عطاء بن السائب مستقيم".

هكذا روى عباس الدوري عن يحيى بن معين، وكذلك ذكر أبو بكر بن أبي خيثمة، عن ابن معين تصحيح رواية حماد بن سلمة، عن عطاء، وسيأتي نقل كلام أبي داود في ذلك.

وقال الطحاوي: "وإنما حديث عطاء الذي كان منه قبل تغيره يؤخذ من [ ص: 1398 ] أربعة لا من سواهم، وهم: شعبة وسفيان الثوري وحماد بن سلمة وحماد بن زيد" وقال حمزة بن محمد الكناني في أماليه: "حماد بن سلمة قديم السماع من عطاء بن السائب" نعم قال عبد الحق في (الأحكام): "إن حماد بن سلمة ممن سمع منه بعد الاختلاط حسبما قاله العقيلي في قوله: إنما ينبغي أن يقبل من حديثه ما روى عنه مثل شعبة وسفيان، فأما جرير وخالد بن عبد الله وابن علية وعلي بن عاصم وحماد بن سلمة، وبالجملة أهل البصرة، فأحاديثهم عنه مما سمع منه بعد الاختلاط؛ لأنه إنما قدم عليهم في آخر عمره" انتهى.

وقد تعقب الحافظ أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن المواق كلام [ ص: 1399 ] عبد الحق هذا بأن قال: "لا يعلم من قاله غير العقيلي" والمعروف عن غيره خلاف ذلك.

قال: وقوله: "لأنه إنما قدم عليهم في آخر عمره" غلط، بل قدم عليهم مرتين، فمن سمع منه في القدمة الأولى صح حديثه عنه، قال: "وقد نص على ذلك أبو داود" فذكر كلامه الآتي نقله آنفا.

واستثنى أبو داود أيضا هشاما الدستوائي، فقال: "وقال أحمد: قدم عطاء البصرة قدمتين، فالقدمة الأولى سماعهم صحيح، سمع منه في القدمة الأولى حماد بن سلمة، وحماد بن زيد، وهشام الدستوائي، والقدمة الثانية كان تغير فيها، سمع منه وهيب، وإسماعيل، يعني ابن علية، وعبد الوارث، سماعهم منه فيه ضعف".

قلت: وينبغي استثناء سفيان بن عيينة أيضا؛ فقد روى الحميدي عنه قال: "كنت سمعت من عطاء بن السائب قديما، ثم قدم علينا قدمته فسمعته يحدث ببعض ما كنت سمعت، فخلط فيه، فاتقيته، واعتزلته" انتهى.

فأخبر ابن عيينة أنه اتقاه بعد اختلاطه واعتزله، فينبغي أن تكون روايته عنه صحيحة. والله أعلم.

وأما من سمع منه في الحالين فقال يحيى بن معين فيما رواه عباس الدوري عنه: "سمع أبو عوانة من عطاء في الصحة وفي الاختلاط جميعا، [ ص: 1400 ] ولا يحتج بحديثه".

وأما من صرحوا بأن سماعه منه بعد الاختلاط فجرير بن عبد الحميد، وإسماعيل بن علية، وخالد بن عبد الله الوسطي، وعلي بن عاصم، قاله أحمد بن حنبل، والعقيلي، كما تقدم، وكذلك وهيب بن خالد، كما [ ص: 1401 ] تقدم نقله عن أبي داود.

وكذلك ما روى عنه محمد بن فضيل بن غزوان، قال أبو حاتم فيه: "غلط واضطرب" وقال العجلي: "ممن سمع منه بآخرة هشيم وخالد بن عبد الله الوسطي" قلت: قد روى البخاري حديثا من رواية هشيم، عن عطاء بن السائب، وليس له عند البخاري غيره، إلا أنه قرنه فيه بأبي بشر جعفر بن إياس، رواه عن عمرو الناقد، عن هشيم، عن أبي بشر، وعطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: "الكوثر الخير الكثير الذي أعطاه الله إياه".

[ ص: 1402 ] وممن ذكر أنه سمع أيضا بآخرة البصريون: كجعفر بن سليمان الضبعي، وروح بن القاسم، وعبد العزيز بن عبد الصمد العمي، وعبد الوارث بن سعيد. قال أبو حاتم الرازي: "وفي حديث البصريين الذين يحدثون عنه تخاليط كثيرة؛ لأنه قدم عليهم في آخر عمره".

وهذا يوافق ما قاله العقيلي، إلا أن أبا حاتم لم يقل: إن أحاديث أهل البصرة عنه مما سمع بعد الاختلاط كما قال العقيلي، بل ذكر أن في حديثهم عنه تخليطا، وهو كذلك. وقد صرح أبو داود بأنه قدمها مرتين، والتخليط إنما كان في الثانية. والله أعلم.




الخدمات العلمية