الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
وانضم إلى ذلك أمور، منها: أنه ثبت عن أنس: أنه سئل عن الافتتاح بالتسمية، فذكر أنه لا يحفظ فيه شيئا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والله أعلم.

[ ص: 518 ]

التالي السابق


[ ص: 518 ] 71 - قوله: (وانضم إلى ذلك أمور، منها: أنه ثبت عن أنس: أنه سئل عن الافتتاح بالتسمية، فذكر أنه لا يحفظ فيه شيئا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم) انتهى.

وقد اعترض ابن عبد البر في الإنصاف على هذا الحديث بأن قال: "من حفظه عنه حجة على من سأله في حال نسيانه" واعترض ابن الجوزي في التحقيق على هذا الحديث بأنه ليس في الصحاح، فلا يعارض ما في الصحاح. انتهى.

والجواب عن الأول: ما أجاب به أبو شامة في تصنيفه في البسملة بأنهما مسألتان، فسؤال قتادة عن الاستفتاح بأي سورة؟ وفي صحيح مسلم أن قتادة قال: نحن سألناه عنه. قال أبو شامة: "وسؤال أبي مسلمة لأنس وهو هذا السؤال الأخير عن البسملة وتركها" انتهى.

ولو تمسكنا بما اعترض به ابن عبد البر من أن حفظه عنه حجة على من سأله في حالة نسيانه - لقلنا: قد حفظ عنه قتادة وصفه لقراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم [ ص: 519 ] البسملة، كما رواه البخاري في صحيحه من طريقين، عن قتادة، عن أنس، قال: سئل أنس بن مالك كيف كانت قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: كانت مدا، ثم قرأ: "بسم الله الرحمن الرحيم" يمد "بسم الله" ويمد "الرحمن" ويمد "الرحيم" وهذا إسناد لا شك في صحته.

وقال الدارقطني بعد تخريجه: "هذا حديث صحيح، وكلهم ثقات" وقال الحازمي: "هذا حديث صحيح لا نعرف له علة، وفيه دلالة على الجهر مطلقا، وإن لم نقيد بحالة الصلاة، فيتناول الصلاة وغير الصلاة".

قال أبو شامة: "وتقرير هذا أن يقال: لو كانت قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم تختلف [ ص: 520 ] في الصلاة وخارج الصلاة لقال أنس لمن سأله: عن أي قراءتيه تسأل؟ عن التي في الصلاة أم التي خارج الصلاة؟ فلما أجاب مطلقا علم أن الحال لم يختلف في ذلك، وحيث أجاب بالبسملة دون غيرها من آيات القرآن دل على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجهر بالبسملة في قراءته، ولولا ذلك كان أنس أجاب الحمد لله رب العالمين أو غيرها من الآيات" قال: وهذا واضح.

قال: ولنا أن نقول: "الظاهر أن السؤال لم يكن إلا عن قراءته في الصلاة؛ فإن الراوي قتادة - وهو راوي حديث أنس ذاك - وقال فيه: نحن سألناه عنه" انتهى.

ولم يختلف على قتادة في حديث البخاري هذا، بخلاف حديث مسلم، فاختلف فيه عليه، كما بيناه وما لم يختلف فيه أولى عند الترجيح بحصول الضبط فيه. والله أعلم.

والجواب عن الثاني وهو قول ابن الجوزي: "ليس في الصحاح" أنه إن كان [ ص: 521 ] المراد أنه ليس في واحد من الصحيحين فهو كما ذكر ليس في واحد منهما، ولكن لا يلزم من كونه ليس في واحد من الصحيحين أن لا يكون صحيحا؛ لأنهما لم يستوعبا إخراج الصحيح في كتابيهما. وإن أراد ليس في كتاب التزم مخرجه الصحة فليس بجيد؛ فقد أخرجه ابن خزيمة في صحيحه من رواية أبي مسلمة سعيد بن يزيد، قال: "سألت أنس بن مالك: أكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستفتح بـ الحمد لله رب العالمين أو بسم الله الرحمن الرحيم ؟ فقال: إنك لتسألني عن شيء ما أحفظه وما سألني عنه أحد قبلك".

وقال الدارقطني بعد تخريجه: "هذا إسناد صحيح" قال البيهقي في المعرفة: "في هذا دلالة على أن مقصود أنس ما ذكره الشافعي" انتهى.

وإن أراد ابن الجوزي بقوله: "إنه ليس في الصحاح" أي ليس في أحد الصحيحين فلا يكون فيه قوة المعارضة لما في أحد الصحيحين، وإن كان أيضا صحيحا في نفسه؛ لأنه يرجح عند التعارض بالأصح منهما، فيقدم ما في الصحيحين.

[ ص: 522 ] فالجواب عن هذا - إن كان أراده - من وجهين:

أحدهما: أن هذا إذا اتضحت المعارضة ولم يمكن الجمع، فأما مع إمكان الجمع فلا يهمل واحد من الحديثين الصحيحين، وقد تقدم حمل من حمله من الحفاظ على أن المراد بحديث الصحيحين الابتداء بالفاتحة لا نفي البسملة، وبه يصح الجمع.

الوجه الثاني: أنه إنما يرجح بما في أحد الصحيحين على ما في غيرهما من الصحيح؛ حيث كان ذلك الصحيح مما لم تضعفه الأئمة، فأما ما ضعفوه كهذا الحديث فلا يقدم على غيره لخطإ وقع من بعض رواته. والله أعلم.




الخدمات العلمية