الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
صفحة جزء
[ ص: 874 ] تنبيه آخر:

127 - قول ابن الصلاح عند ذكر هذا المثال: "ويصلح مثالا للمعلل".

لا يختص هذا بهذا المثال، بل كل مقلوب لا يخرج عن كونه معللا أو شاذا ; لأنه إنما يظهر أمره بجمع الطرق واعتبار بعضها ببعض ومعرفة من يوافق ممن يخالف فصار المقلوب أخص من المعلل والشاذ والله أعلم.

ومن أمثلته في الإسناد ما رواه ابن حبان في صحيحه من طريق مصعب بن المقدام عن سفيان الثوري عن أبي الزبير عن جابر - رضي الله تعالى عنه - قال: "نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يمس الرجل ذكره بيمينه".

قال أبو حاتم في العلل: "هذا وهم فيه مصعب ، وإنما حدث به الثوري عن هشام عن يحيى بن أبي كثير عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه.

[ ص: 875 ] ومنها ما رواه من طريق يعلى بن عبيد عن سفيان الثوري عن منصور ، عن مقسم عن ابن عباس رضي الله عنهما: قال: ساق النبي - صلى الله عليه وسلم - مائة بدنة فيها جمل لأبي جهل " .

قال ابن أبي حاتم : "سألت أبا زرعة عنه فقال: هذا خطأ إنما هو الثوري عن ابن أبي ليلى عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس -رضي الله عنهما- فالخطأ فيه من يعلى بن عبيد ".

فإن قيل: إذا كان الراوي ثقة، فلم لا يجوز أن يكون للحديث إسنادان عند شيخه حدث بأحدهما (مرويا وبالآخر مرارا)؟

قلنا هذا التجويز لا ننكره; لكن مبنى هذا العلم على غلبة الظن [ ص: 876 ] وللحفاظ طريق معروفة في الرجوع إلى القرائن في مثل هذا وإنما يعول في ذلك منهم على النقاد المطلعين منهم كما مضى ويأتي ولهذا كان كثير منهم يرجعون عن الغلط إذا نبهوا عليه كما روينا في "تاريخ العباس بن محمد الدوري " عن يحيى بن معين قال: حضرت مجلس نعيم بن حماد بمصر ، فجعل يقرأ كتابا من تصنيفه، قال فقرأ ساعة، ثم قال: ثنا ابن المبارك عن ابن عون ، فذكر أحاديث، فقلت له: ليس هذا عن ابن المبارك فغضب وقال: ترد علي؟

قلت: نعم أريد بذلك زينك، فأبى أن يرجع.

فقلت: والله ما سمعت أنت هذه الأحاديث من ابن المبارك من ابن عون ، فغضب هو وكل من كان عنده، وقام، فدخل البيت فأخرج صحائف، فجعل يقول: (نعم يا مبارك ما غلطت) وكانت هذه صحائف يعني مجموعة، فغلطت، فجعلت أكتب من حديث ابن المبارك عن ابن عون وإنما رواها لي عن ابن عون غير ابن المبارك . قال فرجع عنها.

وكما روينا في ترجمة البخاري تصنيف وراقه محمد بن أبي حاتم أنه سمعه يقول:

[ ص: 877 ] "خرجت من الكتاب ولي عشر سنين، فجعلت أختلف إلى الداخلي يعني فقال يوما وهو يقرأ للناس: سفيان عن أبي الزبير [عن إبراهيم ] فقلت له: يا أبا فلان إن أبا الزبير لم يروه عن إبراهيم فانتهرني، فقلت له: ارجع إلى الأصل إن كان عندك.

فدخل ونظر فيه، ثم خرج فقال لي: كيف قلت يا غلام؟ فقلت: هم الزبير بن عدي عن إبراهيم . فقال: صدقت وأخذ القلم مني فأحكم كتابه قال: وكان للبخاري يومئذ إحدى عشرة سنة.

ومن أمثلته في المتن ما رواه الحاكم من طريق محمد بن محمد بن حبان ، عن أبي الوليد عن مالك عن الزهري عن عروة عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: "ما عاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - طعاما قط ..." الحديث. قال الحاكم : "انقلب على ابن حبان ، وإنما روى أبو الوليد بهذا الإسناد حديث: "ما ضرب النبي - صلى الله عليه وسلم – بيده" .

[ ص: 878 ] ومما وقع فيه القلب في المتن دون الإسناد ما رواه أبو داود في "السنن" من حديث أبي عثمان عن بلال - رضي الله عنه - أنه قال: يا رسول الله! لا تسبقني بآمين .

فإن الحاكم رواه في مستدركه من هذا الوجه بلفظ: "إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: لا تسبقني بآمين" . والمحفوظ الأول.

وذكر شيخنا شيخ الإسلام في "محاسن الاصطلاح" له، من أمثلته ما رواه ابن خزيمة من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:

[ ص: 879 ] "إن ابن أم مكتوم يؤذن بليل، فكلوا واشربوا حتى يؤذن بلال". وكان بلال لا يؤذن حتى يرى الفجر.

قال شيخنا: "هذا مقلوب والصحيح من حديث عائشة رضي الله عنها": أن بلالا - رضي الله عنه - يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى تسمعوا أذان ابن أم مكتوم ، وكان رجلا أعمى لا ينادي حتى يقال له: أصبحت أصبحت .

قال شيخنا: وما تأوله ابن خزيمة من أنه يجوز أن يكون النبي - صلى الله عليه وسلم - جعل الأذان نوبا بين بلال وابن أم مكتوم رضي الله عنهما بعيد وأبعد منه جزم ابن حبان بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - فعل ذلك.

قلت: وهذا الحديث بالسياق الأول أخرجه ابن خزيمة من طريق.

وله طريق أخرى أخرجها أحمد في مسنده وابن خزيمة - أيضا -

[ ص: 880 ] وابن حبان من طريق.

خبيب بن عبد الرحمن عن عمته أنيسة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا أذن ابن أم مكتوم ، فكلوا واشربوا، وإذا أذن بلال فلا تأكلوا ولا تشربوا"، فإن كانت المرأة منا ليبقى عليها شيء من سحورها، فتقول لبلال: أمهل حتى أفرغ من سحوري.

قال ابن الجوزي في جامع المسانيد: "كأن هذا مقلوب".

قلت: ورواه شعبة عن خبيب بن عبد الرحمن على الشك قال: عن أنيسة أن ابن أم مكتوم أو بلال .

[ ص: 881 ] وإذا كان شعبة وهو أتقن من غيره - حفظ عن خبيب فيه الشك فذاك دليل على أن خبيبا لم يضبطه، فلا يحتاج إلى تكلف الجمع الذي جمعه ابن خزيمة ، ثم هجم ابن حبان فجزم به، والله الموفق للصواب.

ومن هذا الباب ما رواه البزار من طريق ابن عيينة ، عن سالم أبي النضر ، عن بسر بن سعيد قال: "أرسلني أبو جهيم إلى زيد بن خالد أسأله، عن المار بين يدي المصلي".

[ ص: 882 ] فإن الحديث في الصحيحين وغيرهما من طريق مالك عن أبي النضر بلفظ: "أرسلني زيد بن خالد إلى أبي جهيم " .

ومنها ما وقع في الصحيح من رواية يحيى بن سعيد ، عن هشام عن محمد ، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - في السبعة الذين يظلهم الله في عرشه..

فذكر منهم: "ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم يمينه ما تنفق شماله" . كذا رواه، والمحفوظ من طرق أخرى في الصحيح "حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه" .

[ ص: 883 ] فاليمين آلة الإنفاق لا الشمال، لكن حمل بعضهم هذا على ما إذا كان الإنفاق باليمين مستلزما إظهار الصدقة، والإنفاق بالشمال يستلزم إخفاءها، فإن الإنفاق بالشمال والحالة هذه يكون أفضل من الإنفاق باليمين.

ومن ذلك ما وقع في صحيح ابن حبان .

"مستقبل الكعبة مستدبر الشام " .

ومن ذلك ما روى مسلم في صحيحه قال: ثنا محمد بن عبد الله بن نمير ثنا أبي ووكيع عن الأعمش عن شقيق عن عبد الله - رضي الله تعالى عنه - قال [ وكيع ] قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وقال ابن نمير في حديثه سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول:

[ ص: 884 ] "من مات يشرك بالله شيئا دخل النار" .

وقلت أنا: "من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة" .

فرواه أبو عوانة في صحيحه المستخرج على مسلم قال: حدثنا علي بن حرب ثنا وكيع وأبو معاوية عن الأعمش بهذا الإسناد قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة، وقلت أنا: "من مات يشرك بالله شيئا دخل النار" .

قال أبو عوانة : "لفظ أبي معاوية ".

وهذا مقلوب، فإن الحديث في "صحيح البخاري " من طريق حفص بن غياث وأبي حمزة السكري ، وكذا رواه النسائي من طريق شعبة وابن خزيمة أيضا من حديث ابن نمير كلهم عن الأعمش ، وأخرجه ابن خزيمة أيضا عن سلم بن جنادة وأبي موسى محمد بن المثنى كلاهما عن أبي معاوية كما ساق أبو عوانة . قال ابن خزيمة :

[ ص: 885 ] "قلبه أبو معاوية والصواب حديث شعبة ".

قلت: وقد رواه ابن خزيمة وابن حبان من طريقين آخرين غير طريق الأعمش .

وأما ابن خزيمة فمن طريق سيار أبي الحكم .

وأما ابن حبان فمن طريق المغيرة بن مقسم كلاهما عن أبي وائل شقيق بن سلمة وهو الصواب.

ومثال ما وقع فيه القلب في الإسناد والمتن معا . ما رواه الحاكم من طريق المنذر بن عبد الله الحزامي ، عن عبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون ، عن عبد الله بن دينار ، عن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: "إن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا افتتح الصلاة قال: "سبحانك اللهم وبحمدك تبارك اسمك ..." الحديث.

[ ص: 886 ] قال الحاكم : "وهم فيه المنذر ، والصحيح ما رواه الجماعة عن عبد العزيز بن أبي سلمة عن عبد الله بن الفضل عن الأعرج ، عن عبيد الله بن أبي رافع ، عن علي - رضي الله تعالى عنه - قال: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا افتتح الصلاة قال: "وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض .." الحديث.

قلت: وهو في صحيح مسلم وغيره من هذا الوجه على الصواب.

فهذه أمثلة أقسام المقلوب، فقد أتيت على شرحها بحمد الله تعالى، والله الموفق.

التالي السابق


الخدمات العلمية