الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                صفحة جزء
                                                                                                                1760 حدثنا يحيى بن يحيى قال قرأت على مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا يقتسم ورثتي دينارا ما تركت بعد نفقة نسائي ومئونة عاملي فهو صدقة حدثنا محمد بن يحيى بن أبي عمر المكي حدثنا سفيان عن أبي الزناد بهذا الإسناد نحوه

                                                                                                                التالي السابق


                                                                                                                قوله صلى الله عليه وسلم : لا تقسم ورثتي دينارا ، ما تركت بعد نفقة نسائي ومؤنة عاملي فهو صدقة قال العلماء : هذا التقييد بالدينار هو من باب التنبيه على ما سواه ، كما قال الله تعالى : فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره وقال تعالى : ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك قالوا : وليس المراد بهذا اللفظ النهي ; لأنه إنما ينهى عما يمكن وقوعه ، وإرثه صلى الله عليه وسلم غير ممكن ، وإنما هو بمعنى الإخبار ، ومعناه : لا يقتسمون شيئا لأني لا أورث ، هذا هو الصحيح المشهور من مذاهب العلماء في معنى الحديث ، وبه قال جماهيرهم ، وحكى القاضي عن ابن علية وبعض [ ص: 431 ] أهل البصرة أنهم قالوا : إنما لم يورث ; لأن الله تعالى خصه أن جعل ماله كله صدقة ، والصواب الأول ، وهو الذي يقتضيه سياق الحديث . ثم إن جمهور العلماء على أن جميع الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين لا يورثون ، وحكى القاضي عن الحسن البصري أنه قال : عدم الإرث بينهم مختص بنبينا صلى الله عليه وسلم : لقوله تعالى عن زكريا : يرثني ويرث من آل يعقوب وزعم أن المراد وراثة المال ، وقال : ولو أراد وراثة النبوة لم يقل : وإني خفت الموالي من ورائي إذ لا يخاف على النبوة ، ولقوله تعالى : وورث سليمان داود والصواب ما حكيناه عن الجمهور أن جميع الأنبياء لا يورثون ، والمراد بقصة زكريا وداود وراثة النبوة ، وليس المراد حقيقة الإرث بل قيامه مقامه ، وحلوله مكانه . والله أعلم .

                                                                                                                وأما قوله صلى الله عليه وسلم : ( ومؤنة عاملي ) فقيل : هو القائم على هذه الصدقات ، والناظر فيها ، وقيل : كل عامل للمسلمين من خليفة وغيره ; لأنه عامل النبي صلى الله عليه وسلم ونائب عنه في أمته . وأما مؤنة نسائه صلى الله عليه وسلم فسبق بيانها قريبا . والله أعلم . قال القاضي عياض - رضي الله عنه - في تفسير صدقات النبي صلى الله عليه وسلم المذكورة في هذه الأحاديث قال : صارت إليه بثلاثة حقوق :

                                                                                                                أحدها : ما وهب له صلى الله عليه وسلم وذلك وصية مخيريق اليهودي له عند إسلامه يوم أحد ، وكانت سبع حوائط في [ ص: 432 ] بني النضير ، وما أعطاه الأنصار من أرضهم وهو ما لا يبلغه الماء ، وكان هذا ملكا له صلى الله عليه وسلم .

                                                                                                                الثاني : حقه من الفيء من أرض بني النضير حين أجلاهم كانت له خاصة ، لأنها لم يوجف عليها المسلمون بخيل ولا ركاب ، وأما منقولات بني النضير فحملوا منها ما حملته الإبل غير السلاح كما صالحهم ، ثم قسم صلى الله عليه وسلم الباقي بين المسلمين ، وكانت الأرض لنفسه ، ويخرجها في نوائب المسلمين ، وكذلك نصف أرض فدك ، صالح أهلها بعد فتح خيبر على نصف أرضها ، وكان خالصا له ، وكذلك ثلث أرض وادي القرى ، أخذه في الصلح حين صالح أهلها اليهود . وكذلك حصنان من حصون خيبر ، وهما الوطيخ والسلالم ، أخذهما صلحا .

                                                                                                                الثالث : سهمه من خمس خيبر ، وما افتتح فيها عنوة فكانت هذه كلها ملكا لرسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة لا حق فيها لأحد غيره ، لكن صلى الله عليه وسلم كان لا يستأثر بها بل ينفقها على أهله والمسلمين ، وللمصالح العامة ، وكل هذه صدقات محرمات التملك بعده . والله أعلم .




                                                                                                                الخدمات العلمية