الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
صفحة جزء
وأما الثاني:

" فأخبرنا عبد الوهاب ، قال: أبنا أبو الفضل بن خيرون ، وأبو طاهر الباقلاوي ، قالا: أخبرنا أبو علي بن شاذان ، قال أبنا أحمد بن كامل ، قال: أبنا محمد بن سعد ، قال: حدثنا أبي ، قال: حدثني عمي الحسين بن الحسن بن عطية ، قال: حدثني أبي ، عن جدي ، عن ابن عباس رضي الله [ ص: 235 ] عنهما " كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم ، فكان ثلاثة أيام في كل شهر ، ثم نسخ ذلك ما أنزل من صيام رمضان .

وقال قتادة : كتب الله عز وجل على الناس قبل نزول شهر رمضان ثلاثة أيام من كل شهر .

وأما الثالث: فقد روى النزال بن سبرة ، عن ابن مسعود ، أنه قال: ثلاثة أيام من كل شهر ، ويوم عاشوراء وقد زعم أرباب هذا القول ، أن الآية منسوخة بقوله: شهر رمضان وفي هذا بعد كثير ، لأن قوله: شهر رمضان جاء عقيب قوله: كتب عليكم الصيام فهو كالتفسير للصيام والبيان له .

[ ص: 236 ] القول الثالث: إن التشبيه راجع إلى نفس الصوم لا إلى صفته ولا إلى عدده ، وبيان ذلك ، أن قوله تعالى: كما كتب على الذين من قبلكم لا يدل على عدد ولا صفة ، ولا وقت ، وإنما يشير إلى نفس الصيام ، كيف وقد عقبه الله بقوله تعالى: أياما معدودات فتلك يقع على يسير الأيام وكثيرها ، فلما قال تعالى: في نسق التلاوة شهر رمضان ، بين عدد الأيام المعدودات ووقتها ، وأمر بصومها فكان التشبيه الواقع في نفس الصوم ، والمعنى كتب عليكم أن تصوموا كما كتب عليهم ، وأما صفة الصوم وعدده فمعلوم من وجوه أخر لا من نفس الآية ، وهذا المعنى مروي عن ابن أبي ليلى ، وقد أشار إليه السدي والزجاج ، والقاضي أبو يعلى ، وما رأيت مفسرا يميل إلى التحقيق إلا [ ص: 237 ] وقد أومى إليه ، وهو الصحيح وما ذكره المفسرون فإنه شرح حال صوم المتقدمين ، وكيف كتب عليهم لأنه تفسير للآية وعلى هذا البيان لا تكون الآية منسوخة أصلا .

ذكر الآية الخامسة عشرة .

قوله تعالى: وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين اختلف المفسرون في معنى الآية على قولين:

أحدهما: أنه يقتضي التخيير بين الصوم وبين الإفطار مع الإطعام ، لأن معنى الكلام وعلى الذين يطيقونه ولا يصومونه فدية ، فعلى هذا يكون الكلام منسوخا ، بقوله تعالى: فمن شهد منكم الشهر فليصمه .

[ ص: 238 ] أخبرنا إسماعيل بن أحمد ، قال: أبنا أبو الفضل البقال ، قال: أبنا ابن بشران ، قال: أبنا الكاذي ، قال: أبنا عبد الله بن أحمد ، قال: حدثني أبي أحمد بن حنبل ، قال: أبنا عبد الرزاق ، قال: أبنا معمر ، عن أيوب ، عن ابن سيرين ، عن ابن عباس رضي الله عنهما " وعلى الذين يطيقونه ، قال: نسختها فمن شهد منكم الشهر فليصمه [ ص: 239 ] قال أحمد : وحدثنا حجاج ، عن ابن جريج ، عن عطاء الخراساني ، عن ابن عباس رضي الله عنهما " وعلى الذين يطيقونه ، وكانت الإطاقة أن الرجل والمرأة يصبح صائما ، ثم إن شاء أفطر وأطعم لذلك مسكينا فنسختها فمن شهد منكم الشهر فليصمه قال أحمد : وحدثنا عبد الله بن إدريس ، قال: أبنا الأعمش ، عن إبراهيم ، عن علقمة " وعلى الذين يطيقونه ، قال: نسختها فمن شهد منكم الشهر فليصمه قال أحمد : وحدثنا وكيع ، قال: أبنا محمد بن سليم ، عن ابن سيرين ، عن عبيدة " وعلى الذين يطيقونه ، قال: نسختها التي بعدها والتي تليها أخبرنا أبو بكر بن حبيب ، قال: أبنا علي بن الفضل ، قال: أبنا ابن عبد الصمد ، قال: أبنا عبد الله بن أحمد ، قال: أبنا إبراهيم بن خريم ، قال: أبنا عبد الحميد ، قال: أبنا عبيد الله موسى ، عن إسرائيل ، عن منصور ، عن إبراهيم ، عن علقمة ، قال: " كانوا إذا أرادوا الرجل أن يفطر يوما من رمضان من غير مرض أفطر ، وأطعم نصف صاع حتى نسختها: فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضا أو على سفر فلم يكن إلا لهما قال عبد الحميد : وحدثنا مسلم بن إبراهيم ، قال: بنا وهيب بن خالد ، عن ابن شبرمة ، عن الشعبي ، قال: " لما نزلت: وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين ، أفطر الأغنياء وأطعموا وحصل الصوم على الفقراء ، فأنزل الله تعالى فمن شهد منكم الشهر فليصمه فصام الناس جميعا [ ص: 240 ] أخبرنا عبد الرحمن بن محمد القزاز ، قال: أبنا أحمد بن علي بن ثابت ، قال: أبنا أبو عمرو بن مهدي ، قال: أبنا محمد بن مخلد ، قال: أبنا القاسم بن عياد ، قال: أبنا بشر بن عمر ، قال: أبنا حماد بن زيد ، عن سلمة بن علقمة ، عن ابن سيرين ، أن ابن عباس رضي الله عنهما ، قال: " وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين ، قال: هذه منسوخة .

وروى عطية ، وابن أبي طلحة ، عن ابن عباس رضي الله عنهما ، قال: كان في الصوم الأول فدية طعام مسكين ، فمن شاء من مسافر أو مقيم أن يطعم مسكينا ، ويفطر ، كان ذلك رخصة له ، ثم نسخ ذلك .

" أخبرنا محمد بن ناصر ، قال: أبنا علي بن أيوب ، قال: أبنا أبو علي بن شاذان ، قال: أبنا أبو بكر النجاد ، قال: أبنا أبو داود السجستاني ، قال: أبنا قتيبة ، وأبنا إسماعيل بن أحمد ، قال: أبنا أبو بكر محمد بن هبة الله الطبري ، قال: أبنا أبو الحسين بن الفضل القطان ، قال: أبنا أبو محمد بن [ ص: 241 ] درستويه ، قال: أبنا يعقوب بن سفيان ، قال: أبنا أبو صالح ، قال: أبنا بكر بن مضر ، عن عمرو بن الحارث ، عن بكير بن عبد الله بن الأشج ، عن يزيد مولى أم سلمة ، عن سلمة بن الأكوع ، قال: " لما نزلت: وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين كان من أراد منا أن يفطر ويفتدي فعل ، حتى نزلت الآية التي بعدها فنسختها وقال أنس رضي الله عنه: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة أمرهم بصيام ثلاثة أيام ، وكانوا قوما لم يتعودوا الصيام ، وكان الصوم عليهم شديدا ، وكان من لم يصم أطعم مسكينا ، وقد روى هذا المعنى: أنه كان من شاء صام ومن شاء أفطر وافتدى ، لقوله: وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين إلى أن نزل قوله: فمن شهد منكم الشهر فليصمه فنسخ ذلك بهذه ، عن جماعة منهم معاذ بن جبل ، وابن مسعود ، وابن عمر ، والحسن ، وعكرمة ، وقتادة ، والضحاك ، والنخعي ، والزهري رضي الله عنهم .

[ ص: 242 ] والقول الثاني: أنه محكم غير منسوخ وأن فيه إضمارا ، تقديره: وعلى الذين كانوا يطيقونه أو لا يطيقونه فدية ، وأشير بذلك إلى الشيخ الفاني الذي يعجز عن الصوم ، والحامل التي تتأذى بالصوم والمرضع .

" أخبرنا عبد الوهاب ، قال: أبنا أبو الفضل بن خيرون ، وأبو ظاهر الباقلاوي ، قالا: أبنا ابن شاذان ، قال: أبنا أحمد بن كامل ، قال: أبنا محمد بن سعد العوفي ، قال: حدثني أبي ، قال: أبنا عمي الحسين بن الحسن بن عطية ، قال: حدثني أبي ، عن جدي ، عن ابن عباس رضي الله عنهما " وعلى الذين يطيقونه فدية وهو الشيخ الكبير كان يطيق صيام رمضان وهو شاب ، فكبر وهو عليه لا يستطيع صومه ، فليتصدق على مسكين واحد لكل يوم أقط وأخبرنا إسماعيل بن أحمد ، قال: أبنا عمر بن عبيد الله البقال ، قال: أبنا ابن بشران ، قال: أبنا إسحاق الكاذي ، قال: أبنا عبد الله بن أحمد ، قال: حدثني أبي ، قال: أبنا روح ، قال أبنا زكريا بن إسحاق ، قال: أبنا عمرو بن دينار ، عن عطاء ، أنه سمع ابن عباس يقرأ: " وعلى الذين يطيقونه فدية ، قال: ليست بمنسوخة وهو الشيخ الكبير والمرأة الكبيرة ، لا يستطيعان أن يصوما ، فيطعما مكان كل يوم مسكينا [ ص: 243 ] أخبرنا أبو بكر العامري ، قال: أبنا علي بن الفضل ، قال: أبنا ابن عبد الصمد ، قال: أبنا عبد الله بن أحمد ، قال: أبنا إبراهيم بن خريم ، قال: أبنا عبد الحميد ، قال: أبنا عبد الرزاق ، عن معمر ، عن أيوب ، عن عكرمة ، قال: كان ابن عباس ، يقول: " لم ينسخ قال عبد الحميد : وأخبرنا النضر بن شميل ، قال: أبنا حماد بن سلمة ، عن عمرو بن دينار ، عن عطاء ، عن ابن عباس رضي الله عنهما " وعلى الذين يطيقونه فدية ، قال: هم الذي يكلفونه ولا يطيقونه هو الشيخ والشيخة قال عبد الحميد : وأخبرنا إبراهيم ، عن أبيه ، عن عكرمة " وعلى الذين يطيقونه فدية ، قال: هو الشيخ الكبير الذي لا يطيق الصيام ، يطعم عنه لكل يوم مسكينا " وقد روى قتادة ، عن عكرمة ، قال: نزلت في الحامل والمرضع وقد أخبرنا ابن الحصين ، قال: أبنا أبو طالب بن غيلان ، قال: أبنا أبو بكر [ ص: 244 ] الشافعي ، وقال: أبنا إسحاق بن إبراهيم بن الحسن ، قال: أبنا موسى بن مسعود النهدي ، قال: أبنا سفيان الثوري ، عن منصور ، عن مجاهد ، قال: " كان ابن عباس رضي الله عنهما يقرؤها: وعلى الذين (يطوقونه) فدية، قال: الشيخ الكبير الذي لا يطيق الصيام يطعم عنه وبالإسناد ، حدثنا سفيان ، عن عبد الرحمن بن حرملة ، عن سعيد بن المسيب " وعلى الذين يطوقونه فدية ، قال: الشيخ الكبير الذي يصوم فيعجز ، والحامل إن اشتد عليها الصوم يطعمان لكل يوم مسكينا .

قلت: هذه القراءة لا يلتفت إليها لوجوه: أحدها: أنها شاذة خارجة عما اجتمع عليه المشاهير ، فلا يعارض ما تثبت الحجة بنقله .

والثاني: أنها تخالف ظاهر الآية ، لأن الآية تقتضي إثبات الإطاقة ، لقوله: وأن تصوموا خير لكم وهذه القراءة تقتضي نفيها .

[ ص: 245 ] والثالث: إن الذين يطيقون الصوم ويعجزون عنه ينقسمون إلى قسمين: أحدهما: من يعجز لمرض أو لسفر ، أو لشدة جوع أو عطش فهذا يجوز له الفطر ، ويلزمه القضاء من غير كفارة .

والثاني: من يعجز لكبر السن ، فهذا يلزمه الكفارة من غير قضاء ، وقد يجوز الإفطار للعذر لا للعجز ثم يلزمه القضاء والكفارة ، كما نقول في الحامل والمرضع إذا خافتا على الولد ، وهذا كله ليس بمستفاد من الآية ، إنما المعتمد فيه على السنة وأقوال الصحابة ، فعلى هذا البيان يكون النسخ أولى بالآية من الإحكام ، يدل على ما قلنا قوله تعالى في تمام الآية: وأن تصوموا خير لكم وغير جائز أن يعود هذا الكلام إلى المرضى ، والمسافرين ، ولا إلى الشيخ الكبير ، ولا إلى الحامل والمرضع إذا خافتا على الولد ، لأن الفطر في حق هؤلاء أفضل من الصوم من جهة أنهم قد نهوا أن يعرضوا أنفسهم للتلف ، وإنما عاد الكلام إلى الأصحاء المقيمين خيروا بين الصوم والإطعام ، فانكشف بما أوضحنا أن الآية منسوخة ، [ ص: 246 ] قال أبو عبيد القاسم بن سلام ، لا تكون الآية على القراءة الثانية ، وهي: يطيقونه إلا منسوخة .

التالي السابق


الخدمات العلمية