الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
              صفحة جزء
              فصل

              واعلم أن المراد بالمقدمتين هاهنا ليس ما رسمه أهل المنطق على وفق الأشكال المعروفة ، ولا على اعتبار التناقض والعكس ، وغير ذلك ، وإن جرى الأمر على وفقها في الحقيقة ، فلا يستتب جريانه على ذلك الاصطلاح ؛ لأن المراد تقريب الطريق الموصل إلى المطلوب على أقرب ما يكون ، وعلى وفق ما جاء في الشريعة ، وأقرب الأشكال إلى هذا التقرير ما كان بديهيا في الإنتاج ، أو ما أشبهه من اقتراني أو استثنائي ، إلا أن المتحرى فيه إجراؤه على عادة العرب في مخاطباتها ومعهود كلامها ، إذ هو أقرب إلى حصول المطلوب على أقرب ما يكون ، ولأن التزام الاصطلاحات المنطقية والطرائق المستعملة فيها مبعد عن الوصول إلى المطلوب في الأكثر ؛ لأن الشريعة لم توضع إلا على شرط الأمية ، ومراعاة علم المنطق في القضايا الشرعية مناف لذلك ، فإطلاق لفظ المقدمتين لا يستلزم ذلك الاصطلاح .

              ومن هنا يعلم معنى ما قاله المازري في قوله - عليه الصلاة والسلام - : كل مسكر خمر ، وكل خمر حرام قال : فنتيجة هاتين المقدمتين أن كل مسكر حرام ، قال : وقد أراد بعض أهل الأصول أن يمزج هذا بشيء من علم أصحاب المنطق ، فيقول : إن أهل المنطق يقولون : لا يكون القياس ولا تصح [ ص: 419 ] النتيجة إلا بمقدمتين ، فقوله كل مسكر خمر ، مقدمة لا تنتج بانفرادها شيئا .

              وهذا وإن اتفق لهذا الأصولي هاهنا وفي موضع أو موضعين في الشريعة فإنه لا يستمر في سائر أقيستها ، ومعظم طرق الأقيسة الفقهية لا يسلك فيها هذا المسلك ، ولا يعرف من هذه الجهة ، وذلك أنا مثلا لو عللنا تحريمه - عليه الصلاة والسلام - التفاضل في البر بأنه مطعوم كما قال الشافعي ، لم نقدر أن نعرف هذه العلة إلا ببحث وتقسيم ، فإذ عرفناها ، فللشافعي [ ص: 420 ] أن يقول حينئذ : كل سفرجل مطعوم ، وكل مطعوم ربوي ، فتكون النتيجة : السفرجل ربوي .

              قال : ولكن هذا لا يفيد الشافعي فائدة ؛ لأنه إنما عرف هذا وصحة هذه النتيجة بطريقة أخرى ، فلما عرفها من تلك الطريقة أراد أن يضع عبارة يعبر بها عن مذهبه ، فجاء بها على هذه الصيغة .

              قال : ولو جاء بها على أي صيغة أراد مما يؤدي منه مراده ، لم يكن لهذه الصيغة مزية عليها .

              قال : وإنما نبهنا على ذلك لما ألفينا بعض المتأخرين صنف كتابا أراد أن يرد فيه أصول الفقه لأصول علم المنطق .

              هذا ما قاله المازري ، وهو صحيح في الجملة ، وفيه من التنبيه ما ذكرناه من عدم التزام طريقة أهل المنطق في تقرير القضايا الشرعية ، وفيه أيضا إشارة إلى ما تقدم من أن المقدمة الحاكمة على المناط إن لم تكن متفقا عليها مسلمة عند الخصم فلا يفيد وضعها دليلا .

              [ ص: 421 ] ولما كان قوله - عليه الصلاة والسلام - : " وكل خمر حرام " مسلما ؛ لأنه نص النبي ، لم يعترض فيه المخالف ، بل قابله بالتسليم ، واعترض القاعدة بعدم الاطراد ، وذلك مما يدل على أنه من كلامه - عليه الصلاة والسلام - أمر اتفاقي ، لا أنه قصد قصد المنطقيين .

              وهكذا يقال في القياس الشرطي في نحو قوله تعالى : لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا [ الأنبياء : 22 ] لأن " لو " لما سيقع لوقوع غيره ، فلا استثناء لها في كلام العرب قصدا ، وهو معنى تفسير سيبويه ، ونظيرها " إن " ؛ لأنها تفيد ارتباط الثاني بالأول في التسبب ، والاستثناء لا تعلق له بها في صريح كلام العرب ، فلا احتياج إلى ضوابط المنطق في تحصيل المراد في المطالب الشرعية .

              وإلى هذا المعنى - والله أعلم - أشار الباجي في أحكام الفصول [ ص: 422 ] حين رد على الفلاسفة في زعمهم أن لا نتيجة إلا من مقدمتين ، ورأى أن المقدمة الواحدة قد تنتج ، وهو كلام مشكل الظاهر ، إلا إذا طولع به هذا الموضع فربما استقام في النظر .

              [ ص: 423 ] وقد تم - والحمد لله - الغرض المقصود ، وحصل بفضل الله إنجاز ذلك الموعود ، على أنه قد بقيت أشياء لم يسع إيرادها ؛ إذ لم يسهل على كثير من السالكين مرادها ، وقل على كثرة التعطش إليها ورادها ، فخشيت ألا يردوا مواردها ، وألا ينظموا في سلك التحقيق شواردها ، فثنيت من جماح بيانها العنان ، وأرحت من رسمها القلم والبنان ، على أن في أثناء الكتاب رموزا مشيرة ، وأشعة توضح من شمسها المنيرة ، فمن تهدى إليها رجا بحول الله الوصول ، ومن لا فلا عليه إذا اقتصر التحصيل على المحصول ، ففيه إن شاء الله مع تحقيق علم الأصول علم يذهب به مذاهب السلف ، ويقفه على الواضحة إذا اضطرب النظر واختلف .

              فنسأل الله الذي بيده ملكوت كل شيء أن يعيننا على القيام بحقه ، وأن يعاملنا بفضله ورفقه ، إنه على كل شيء قدير ، وبالإجابة جدير ، والحمد لله وكفى ، وسلام على عباده الذين اصطفى .

              التالي السابق


              الخدمات العلمية