الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

أشكو من وساوس العقيدة واللوم المستمر للنفس، فما تشخيصكم؟

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

نشكركم على هذا الموقع القيم -جزاكم الله خيرا-، وأرجو أن أستفيد منه لخبرتكم في هذا الميدان.

أما عن حالتي:

فأنا شاب كنت ملتزما وأعيش حياة طبيعية، ومنذ التحاقي بالجامعة تغيرت حالتي، ففي أول الأمرأصابني وسواس في العقيدة، وبعد مساعدة الأهل والأصدقاء خفت حالتي، ولكنب أصبحت أعيش بوسواس كثير، وألوم نفسي كثيرا، فبالرغم من محافظتي على الصلاة، إلا أني أعتبر نفسي بعيدا عن الله، وأحيانا أتهم نفسي بالنفاق، ولم أجد طعم العبادة ولكن بحمد الله جاهدت نفسي رغم الوساوس التي لا حصر لها، أحيانا في النية وفي الأخلاص وعدم قبول العمل... إلخ.

في العام الماضي أعطاني الله ما دعوت به، وعدت أحس بطعم العبادة، لكن أصبحت الوساوس في العجب بالعمل، والخوف من الانحراف، وفي رمضان أكثرت من الطاعة وكانت عندي مشاكل في البيت كنت أتحملها، في نهاية رمضان أصبت بالفتور في العبادة، مع أني كنت في العشر الأواخر فرجعت، لي الوساوس بأني لم يقبل مني رمضان، وهذه هي مشكلتي (خوفي أكبر من رجائي) فزادت علي الضغوط النفسية مرة أخرى.

فأنا الآن أفكر في أخذ الأدوية، بحيث أشعر بألم وضيق في الصدر والرقبة، وألم وحروق في العينين، ولكني متردد، فأرجو النصيحة -بارك الله فيكم-.

علما أني لا أريد أن أخبر أهلي وإخوتي وحتى الأصدقاء، أنا محتار هل أخبرهم أم لا؟ فمشكلتي لا أعرف كيف أتصرف، أو بالأحرى: لا أعرف كيف أعيش، ولكن الحمد لله دائما أدعو ربي أن يوفقني رغم كل شيء.

أنا في الانتظار، وجزاكم الله خيرا.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ moussa حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد،،،

شكرا لك على السؤال، وعلى التواصل معنا على هذا الموقع.

يبدو من خلال ما ورد في سؤالك أن التشخيص هو -وكما ذكرت في سؤالك- حالة من أنواع الوسواس القهري.

ومن أكثر الوساوس انتشارا هي وساوس الدين والصلاة والعقيدة، ومدى قبول العمل أو الإخلاص فيه... وفي كثير من الحالات يكون الوسواس القهري في شكل التشكيك في أمر ما، وكما يحدث معك في الشك فيما أنك قريب من الله أم لا... وفي هذا النوع من الشك يمكن أن تأتي عليك مجموعة كبيرة من الأسئلة القهرية اللانهائية، وكلما انتهيت من سؤال أتاك من بعده سؤال آخر، وهكذا.

وصعوبة الوسواس القهري أنه يأتي في الأمور العزيزة على الإنسان كدينه وإيمانه وصحته، ومن هنا كانت صعوبات الوسواس، فالمؤمن تأتيه في إيمانه وتوكله على الله، وأنت تأتيك في هذه الأفكار من احتمال فقدان شيء ما والغالب أنك إنسان حريص ودقيق ولا تفقد الأشياء، إلا أنه الوسواس، بينما إنسان آخر تأتيه في صحته واحتمال المرض، حيث تدور في ذهنه أفكار أو جمل أو عبارات أو حتى صور وخيالات.

وهكذا فقد لا يسلم شيء مما يعتز به الإنسان ويؤمن به، فتضيق الدنيا على هذا الشخص المبتلى بكل هذه الوساوس، ويبدأ يتساءل هل أنا شخص طبيعي، مما يضاعف في معاناته، وحتى يدخل في دائرة معيبة.

اطمئن، فكل ما يدور في ذهنك من هذه الوساوس، وربما غيرها مما لم تخبرنا بها ربما لخجلك منها، أو ارتباكك من ذكرها، كلها وساوس قهرية، لست مسؤولا عنها، لأن من تعريف الوساوس أنها أفكار أو عبارات أو جمل أو صور تأتي للإنسان من غير رغبته ولا إرادته، بل أنت لا شك تحاول جاهدا دفعها عنك، إلا أنها تقتحم عليك أفكارك وحياتك، وأنت لا تريدها.

إن بعض الناس، وممن لم يصب بالوسواس، يجد صعوبة كبيرة في فهم هذا الأمر، إلا أن هذا لا يغيّر من طبيعة الأمر شيئا، ويبقى الوسواس عملا ليس من كسب الإنسان، وليس من صنعه.

والوساوس القهرية إنما هي مجرد مرض نفسيّ، أو صعوبة نفسية قد تصيب أي إنسان لسبب أو آخر، كما يمكن لاضطرابات أخرى أن تصيب أعضاء أخرى من الجسم كالصدر والكبد والكلية... وكما أن لهذه الاضطرابات علاجات، فللوسواس وغيره من الأمراض النفسية علاجات متعددة، دوائية ونفسية وسلوكية.

وفي هذا الموقع الكثير من الأسئلة التي تدور حول الوساوس، مما يعكس أولا مدى انتشارها بين الناس، وإن كان من المعتاد أن لا يتحدث الناس عنها -ولا حتى المصاب- إلا بعد عدة سنوات ربما، حيث يعاني أولا بصمت ولزمن طويل قد يصل لسبع أو تسع سنوات، ولذلك أشكرك على أنك كتبت إلينا لتسأل.

إن وضوح التشخيص، وفهم طبيعة الوسواس، لهو من أول مراحل العلاج، وربما من دونه قد يستحيل العلاج.

ومن أهم طرق العلاج: العلاج المعرفي السلوكي، وهو الأصل، وهناك بعض الأدوية التي تساعد، والتي هي في الأصل مضادة للاكتئاب، إلا أنها تخفف من شدة الوساوس، وتحسن الحالة المزاجية، وإذا كنت قد حاولت بعض العلاجات النفسية، ولم تشعر بالتحسن الواضح، فلا مانع من زيارة الطبيب النفسي، وبداية العلاج الدوائي، والأفضل أن يترافق مع العلاج النفسي.

وفيما إذا أردت إخبار أهلك أو لا فأترك هذا لك، وإن كنتُ لا أرى مانعا من إخبارهم، فالوسواس القهري مرض لا يعيب شخصية الإنسان أو إيمانه، كما قد يعتقد البعض خطأ.

وفقك الله، وحفظك من كل سوء.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك
  • الجزائر bella t

    موضوع رائع و اجابة مفيدة.......شكرا

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأكثر مشاهدة

الأعلى تقيماً