الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

مبتلى بالعادة السرية ومقصر في الصلوات المكتوبة!

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

أنا طالبٌ في الصف الثالث الثانوي، وأعاني من مشكلة العادة السرية، ولا أعرف كيف أتخلص منها، كلما قلت لن أعود أعود؛ حتى أن هناك أوقات أمارسها مرتين أو ثلاث مرات، ولا أستطيع التوقف عنها، فماذا أفعل؟ وبسببها ابتعدت عن الصلاة؛ فأنا الآن أترك الصلاة في المسجد، ولكني محافظٌ على قيام الليل، مع أني مقصرٌ في الصلوات المكتوبة!

أرجو نصيحتكم، وشكراً لكم.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الابن الفاضل/ Nader حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

أهلاً بك -ولدنا المبارك- في موقعك إسلام ويب، ونسأل الله أن يحفظك وأن يرعاك، وأن يقدر لك الخير حيث كان وأن يرضيك به.

وبخصوص ما سألت عنه -أيها المبارك- فإننا نحب أن نجيبك من خلال ما يلي:

أولاً: إنك شابٌ جيدٌ، وفيك خيرٌ كثيرٌ، ومع ما وقعت فيه من ذنوب إلا أن داخلك نظيفٌ، لكنك لم تعرف الطريق الصحيح للتخلص من تلك المعصية، وإذا علمتها وصبرت عليها فإنك -إن شاء الله- ستجتاز هذه العقبة -بفضل الله تعالى- ولعلك -إن شاء الله- تكون -مع الثبات على الحق، والإخلاص في القصد- من السبعة الذي يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، فمنهم: (شاب نشأ في عبادة الله).

ثانياً: اعلم -بني- أنك في بداية فترة المراهقة وهي ليست كما يصورها البعض من أجل تبرير الأخطاء بأنها طوفان لا يمكن مقاومته، أو بحر عميق لا يمكن مواجهته، كل هذا كذب -بني-؛ المراهقة هي فترة تنتقل فيها من الطفولة إلى الرجولة، وفيها يبدأ التكليف والحساب بما منحك الله من عقل وفكر وقدرة على التغيير، وعليه فاطمئن؛ المراهقة أمرٌ طبيعيٌ، كل ما فيه أنها تحتاج إلى حكمة وروية وعدم اليأس من كثرة المحاولات أو تعددها حتى تصل إلى وجهتك سالماً.

ثالثاً: إن أخطر ما يواجه الشاب في مثل عمرك هو الشعور بعد بعض المحاولات بالفشل، وأنه أصبح عاصياً ولا أمل فيه، كل هذه من حيل الشيطان فلا تيأس، واعلم أنه كما يستدرج العبد بالمعصية يستدرجه بالقنوط من رحمة الله ليجعله أسيراً للهم والحزن، وقد أخبرنا الله -عز وجل- أنه لا ييأس من رحمة الله إلا الكافر الذي لا يعلم معنى رحمة الله -عز وجل- قال تعالى :" إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ " فادرأ اليأس عن كاهليك، واستعن بالله ولا تعجز، واحذر من خطوات الشيطان الذي يبثها دائماً للشباب عند الشعور بالفشل بعد بعض المحاولات، يريد أن يرسخ فيك عجزك عن التوبة، وهذا غير صحيح أنت لم تفشل، لكنك نجحت فترةً ثم تعثرت، فنجاحك حدث لكنه ليس مكتملاً، والواجب إذن أن يكون النجاح مكتملاً، وهذا لا يكون إلا بالجد والاجتهاد، والبدء بمحاولة بعد محاولة، ومعرفة الأسباب التي دفعتك للفعل حتى تصل إلى غايتك.

رابعاً: يجب أن يترسخ في ذهنك وعقيدتك أن ممارسة العادة السرية أمرٌ محرمٌ، هي معصية وذنب، وأنه لابد من إحداث توبة صادقة لله -عز وجل- وباب التوبة مفتوح، قال جل شأنه: ( ‏‏قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ)، لقد قال الله: (الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ) أي: أكثروا في الخطايا، (لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ)، أي لا تيأسوا من رحمة الله، ( إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا) أي: إنه يغفر الذنوب جميعاً عظمت أم صغرت، كثرت أم قلت، فبادر بالتوبة إلى الله وأقبل على ربك، وأبشر بالحياة الطيبة؛ فقد قال الله تعالى: ( مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ )، بل زاد فضل الله وكرمه حين أخبر أنه يبدل السيئات والموبقات إلى حسنات كريمات فاضلات، قال الله جل وعلا: ( إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا).

خامساً: اعلم -يا بني- أن الشهوة لا تموت بالعادة السرية، بل تزيد اشتعالاً بها؛ لذلك -كما ذكرت- أنت في اليوم الذي تمارس فيه العادة قد تفعلها مرتين وثلاثاً وأربعاً، بل البعض ذكر أكثر من ذلك، كان يتوهم أنه بذلك يهدأ، وما علم أنه يشعل النار في نفسه ولا يدري.

سادساً: إننا ندعوك حتى تتغلب على هذه الشهوة أن تقوم بعدة أمور:

1- زيادة التدين عن طريق الصلاة في المسجد -يا بني- لا تتهاون عن أداء صلاتك في المسجد، واعلم أن قيامك الليل في النوافل لا يعدل الصلاة في المسجد، واعلم أن الشهوة لا تقوى إلا في غياب المحافظة على الصلاة، قال الله: (فخلف من بعدهم خلفٌ أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات)، فكل من اتبع الشهوة يعلم قطعاً أنه ابتعد عن الصلاة كما ينبغي، وبالعكس كل من اتبع الصلاة وحافظ عليها وأدّاها كما أمره الله أعانه الله على شهوته.

2- اجتهد في الإكثار من الصيام؛ فقد قال صلى الله عليه وسلم: "يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج؛ فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء".

3- ابتعد عن الفراغ عن طريق شغل كل أوقاتك بالعلم أو المذاكرة أو ممارسة نوع من أنواع الرياضة، المهم أن لا تسلم نفسك للفراغ مطلقاً، وأن تتجنب البقاء وحدك لفترات طويلة.

4- ابتعد عن كل المثيرات التي تثيرك، واعلم أن المثيرات سواء البصرية عن طريق الأفلام أو السماعية عن طريق المحادثات أو أياً من تلك الوسائل لا تطفئ الشهوة بل تزيدها سعاراً.

5- ننصحك باختيار الأصدقاء بعناية تامة؛ فإن المرء قويٌ بإخوانه ضعيفٌ بنفسه، والذئب يأكل من الغنم القاصية، فاجتهد في التعرف على إخوة صالحين، واجتهد أن تقضي معهم أوقاتاً أكثر في الطاعة والعبادة والعمل المجتمعي.

6- تجنب -أخي الحبيب- الجلوس وحدك مطلقاً، أو الذهاب إلى المواطن التي تخلو فيها بالمعصية، كالحاسوب أو الجوال أو غيرها، لا تفعل ذلك إلا والباب مفتوحاً تماماً، حتى تكون زيادة رقابة عليك، كما لا تخلد إلى النوم أو لا تذهب إلى غرفة نومك إلا وأنت مرهق تماماً؛ حتى لا تفكر كثيراً، وتذكر عند النوم الأذكار والوضوء.

7- كثرة الدعاء أن يصرف الله عنك الشر، وأن يقوي إيمانك، وأن يحفظك ويحفظ أهلك من كل مكروه والله المستعان.

هذا هو الطريق -يا بني- إن أردت النجاة، وقد جربه مئات غيرك، وكان بعضهم أشد حالاً منك -والحمد لله- نجحوا واستقرت حياتهم، وأنت في الطريق بأمر الله.

نسأل الله أن يغفر لك، وأن يسترك في الدنيا والآخرة. والله الموفق.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً