الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

العودة لمشاهدة الأفلام والمواقع الإباحية بعد العزم على التوبة والإقلاع
رقم الإستشارة: 2103250

77282 0 1195

السؤال

بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته، أما بعد:

فأنا شاب أواجه الفتن والابتعاد عن الله، وتهاوني في طاعته، وأهم مشاكلي أنني أشاهد الأفلام الإباحية وأريد أن أتخلص منها، وعند كل مشاهدة أشعر أن الحزن يمزق قلبي، فأقوم وأغتسل وأجدد توبتي، ولكني أعود إلى ذلك من جديد، فأعينوني على نفسي يرحمكم الله، والله المستعان.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ عبد الله حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

فإنه ليسرنا أن نرحب بك في موقعك إسلام ويب، فأهلا وسهلاً ومرحباً بك، وكم يسعدنا اتصالك بنا في أي وقت وفي أي موضوع، ونسأل الله جل جلاله بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يغفر ذنبك، وأن يستر عيبك، وأن يتوب عليك، وأن يشملك بعنايته ورعايته، وأن يُحبب إليك الإيمان، وأن يزينه في قلبك، وأن يكره إليك الكفر والفسوق والعصيان، وأن يعينك على غض بصرك وتحصين فرجك، وأن يجعلك من عباده الصالحين.

إنه ومما لا شك فيه أن ما تعاني منه من الابتعاد عن الله تعالى والتهاون في طاعته، إنما هو ثمرة طبيعية للمعصية الكبيرة التي هي مشاهدة الأفلام المحرمة الإباحية؛ لأن المعاصي شؤمها عظيم، فمن آثار شؤم المعصية أن المعصية تنادي أختها ولا تحب أبداً أن تكون وحدها، فمعصيتك الكبرى في مشاهدة الأفلام الإباحية وقضاء الأوقات في معصية الجبار جل جلاله، وقد يصحب ذلك أيضاً شيئاً من الإثارة الجنسية وغير ذلك، هذه المعصية أثرت في علاقتك الكلية مع الله تعالى، فبدأ قلبك ينفر من الطاعة.

هذا الذي يحدث معك إنما هو شيء طبيعي جدّاً بالنسبة للآثار التي تتكلم عنها، فهذا الذي ذكرته من الآثار التي تشعر بها في حياتك إنما هو أثر من آثار هذه المعصية التي هي مشاهدتك تلك الأفلام الإباحية المحرمة، وحتى تتغلب على تلك الحالة التي تعاني منها من ابتعادك عن الله تعالى وجرأتك على المعاصي وتهاونك في الطاعة، فلابد لك أولاً من أن تعلم أنه لن يغيرك إلا أنت؛ لأن الله تبارك وتعالى قال: (( إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ ))[الرعد:11] إذا لم تأخذ قراراً جريئاً شجاعاً بتغيير (عبد الله) فثق وتأكد من أن عبد الله لا يمكن لأي قوة على وجه الأرض أن تغيره؛ لأن تغيير الداخل مسئولية الفرد نفسه، والله تبارك وتعالى جعل لك مسئولاً عن نفسك التي بين جنبيك، ولذلك قال سبحانه: (( يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا ))[النحل:111] وقال أيضاً: (( كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ ))[المدثر:38] وقال أيضاً: (( وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا ))[الشمس:6-10] وقال: (( وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى ))[النازعات:40-41].

فإذن كل واحد منا – أخي عبد الله – مسئول عن نفسه التي بين جنبيه، وهو الوحيد القادر على إنقاذ نفسه من براثن المعاصي وظلمات الفتن، ولذلك حتى تعالج هذه الحالة التي أنت فيها لابد لك من الآتي:

أولاً: خذ قراراً شجاعاً بتغيير نفسك، لابد لنفسي أن تتغير للأحسن.

ثانياً: خذ القرار الثاني أيضاً وهو التوقف عن تلك الأشياء نهائياً، وهذا القرار الذي أقصده لابد أن يكون قراراً بالإجماع، ومعنى بالإجماع أنه لا يكون من طرف لسانك وقلبك غير مستعد لترك المعاصي، وإنما أريد منك جلسة خاصة فيما بينك وبين نفسك، وتدير حواراً داخلياً فيما بينك وبين نفسك، وتقول لها: (إلى متى يا نفسي وأنت على معصية الله تعالى؟ إلى متى يا نفسي وأنت تغضبين الله جل جلاله؟ إلى متى يا نفسي وأنت تنظرين إلى الحرام؟ يا نفسي إنك تعرضيني وإياك لعذاب الله لا طاقة لي ولا لك به) وتظل تدير هذا الحوار بينك وبين نفسك، حتى إذا ما أخذت هذا القرار كان إقراراً بإجماع جوارحك لأنك في أمس الحاجة إلى التوبة، والتوقف عن هذه المعصية.

ثالثاً: إذا كنت تنظر لهذه الأشياء المحرمة في الإنترنت، فلابد من إخراج الجهاز من غرفتك نهائياً، وأن يكون في مكان عام بالمنزل، وأن لا يكون داخل غرفتك الخاصة، لأنك إذا أغلقت بابك عليك استطاع الشيطان أن يثيرك، وأن يؤثر فيك، وأن يُضعفك وأن يجعلك ترجع إلى معصيتك كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثاً، ولكن إذا أخرجت هذا الجهاز من غرفتك سواء أكان جهاز الكمبيوتر أو كان جهاز التلفاز، تخرجه من غرفتك الخاصة ليكون في مكان عام في المنزل؛ لأن النفس البشرية تستحي أن يراها أحد على المعصية، أما إذا كنت وحدك وأغلقت على نفسك باب غرفتك فإن نفسك ستتجرأ على المعصية.

رابعاً: الاجتهاد في ملء أوقات الفراغ بعمل نافع ومفيد، وذلك كالصحبة الصالحة بأن تربط نفسك بصحبة صالحة طيبة تقضي معهم معظم أوقات فراغك بعيداً عن المنزل، أو حتى ولو أن ترتبط بأحد النوادي الرياضية تستطيع أن تتعلم بعض الرياضيات التي تعود عليك وعلى بدنك بالنفع والفائدة.

كذلك أيضاً إذا كانت هناك من حلقات التعليم احرص على أن تكون عضواً مستمراً فيها، وإذا كانت هناك حلقات لتحفيظ القرآن فكن أحد هؤلاء أيضاً، وابدأ في مشروع حفظ القرآن الكريم، لأنك بذلك ستقضي وقتاً ممتعاً مع المعلم وإخوانك، وإذا ما رجعت إلى البيت كنت في حاجة لمراجعة الحفظ الجديد، وبذلك ستشغل بأشياء ضرورية عن هذه الأشياء التي تؤثر على علاقتك مع ربك جل جلاله ومولاك.

كما ذكرت عليك آنفاً في استغلال أوقات الفراغ: أن تكثر من الاستغفار، (أستغفر الله، أستغفر الله، أستغفر الله) أو (أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه) أو (رب اغفر لي وتب عليّ إنك أنت التواب الرحيم). المهم أن تكثر من الاستغفار لأن الاستغفار يغسلك وينقيك من المعاصي التي تقع فيها بصورة منتظمة، ولأن الله تعالى قال: (( إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ))[هود:114].

خامساً: عليك بالتوبة، والتوبة هي عبارة عن عملية جراحية للأمراض الكبيرة، فخذ قراراً بالتوبة، فالتوبة تقوم على أركان ثلاثة: أول شيء الإقلاع والتوقف عن الذنب فعلاً، وها نحن الآن قد وصلنا واتفقنا على ذلك. ثانياً: الندم على فعل هذه المعصية. ثالثاً: عقد العزم على أن لا تعود إليها بعد ذلك أبداً.

سادساً: أوصيك بالإكثار من الصلاة على النبي محمد عليه الصلاة والسلام.

سابعاً: أتمنى أن تجتهد في دراستك، وأن تركز جهدك كله على مذاكرتك، وأن تضع في اعتبارك أن تكون طالباً متميزاً بين زملائك، وأن تضع في اعتبارك وأن تضع أمامك هدفاً أن تكون الأول أو على الأقل من الأوائل، فهذا القرار سوف يجعلك تضن وتبخل بوقتك على مشاهدة الحرام، لأنك في حاجة إلى أن تتميز، والتميز لن يكون إلا بحفظ الوقت وحسن استغلاله.

ثامناً: الدعاء، أن تدع الله تبارك وتعالى أن يهديك صراطه المستقيم، وأن يوفقك في توبتك، وأن يعينك فعلاً على التخلص من هذه المعاصي، ألح على الله، ألح على الله (يا ولدي).

تاسعاً: احرص على المحافظة على الصلوات في المسجد مع الجماعة، واحرص على أداء النوافل من صلاة وصيام وصدقة. فإن ذلك كله مما يُذهب السيئات كما قال تعالى: (( إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ))[هود:114]. والله تعالى يقول: (( إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ))[النور:5] والله سبحانه يقول: (( إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا ))[الفرقان:70]، وقال تعالى: (( قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ * وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ العَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ ))[الزمر:53-55]. ويقول: (( وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ * إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الآخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ * وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ * يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ ))[هود:102-105].

أسأل الله تعالى أن يردك إليه رداً جميلاً وأن يجعلك من عباده الصالحين ومن أوليائه المقربين، وأن يحصن فرجك، وأن يطهر قلبك، وأن يرزقك بالزوجة الصالحة التي تعفك عن الوقوع في الحرام ومشاهدته، هذا وبالله التوفيق.


مواد ذات الصله

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك
  • الجزائر كارلا

    thank u for your advices thye are enteresting

  • أمريكا ابن حسين

    شكر ا لك يا اخي و اني اسأل الله من كل قلبي ان يحشرك مع النبي محمد و صحبه في الجنة

  • العراق احمد الساعدي

    السلام عليكم اشكر الاخ الفاضل على هذا الرد الشافي والمشفي باذن لله والله سبحانه تعالى هو المشافي من كل سوء لقد افادتني كثيرا هذا النصائح بارك لله بكم وبموقع اسلام ويب جعلكم لله ويانا من الساعين لرحمته وهدايت عباده الضالين الى طريقه الصحيح

  • الجزائر بشير الشين من الجزائر

    بارك الله فيك يا اخي وادخلك فسيح جنانه

  • السعودية اللهم ردنا إلى دينك ردا جميلا

    جزيتم خيرا...و أحب أن أنوه ل

عضوية الموقع

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



خيارات الكلمات :

مستوى التطابق:

 
 

الأكثر مشاهدة

الأعلى تقيماً