الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

كيف أواجه أمي وأخبرها بأن النمص حرام؟
رقم الإستشارة: 2141138

4205 0 511

السؤال

لقد قرأت في أحد المواقع أن النمص حرام, ولكني رأيت أمي أحيانًا تخلو بنفسها, وتبدأ في ترقيق حاجبيها.

أنا متأكدة أنها تعلم أن ذلك حرام, ومضر بالصحة أيضًا؛ لأني أتذكر أنني رأيتها تشاهد برنامجًا على التلفاز يتحدث عن أخطار النمص.

لا أعتقد أنها تعرف أن النامصة لا تدخل الجنة, وأريد أن أخبرها بذلك؛ لأنني أحبها, ولكن لا أستطيع أن أواجهها بموضوع كهذا؛ لأني أخشى أن تعتبر ذلك سوء أدب, وتدخلاً في ما لا يعنيني, وأنا أحترمها كثيرًا, فهي لا تعرف أني أعلم بالأمر, ولكن أريد طريقة ذكية حتى أتتطرق إلى الموضوع دون أن تشعر أني أقصدها فأحرجها أو أغضبها.

من عادتنا أن نقوم بجلسة كل يوم سبت نطرح فيها بعض المواضيع المتعلقة بالدين والصحة, ترى ماذا يمكن أن يكون عنوان الموضوع الذي سأطرحه؟

شكرًا لإجابتكم.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ مريم حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته, وبعد:

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحابته ومن والاه.

نشكر لك -ابتنتا الكريمة- هذا الحرص على الخير، وهذا لون من البر بالوالدة، نسأل الله تبارك وتعالى أن يوفق الجميع لما يحبه ويرضاه، ونشكر لك أيضًا التواصل مع موقعك، ونسأل الله أن يكثّر من أمثالك، وأن يستخدمنا جميعًا فيما يُرضيه، وأن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

لا يخفى عليك -ابنتي الكريمة- أن النصح لكل مسلم مطلوب، وأولى من ينصح الإنسان هم أولى الناس به، الوالد والوالدة، لكن النصح بالنسبة للوالد والوالدة لابد أن يكون بمنتهى اللطف، ولابد أن يكون بمنتهى الأدب، وقدوة الناس في هذا خليل الرحمن – عليه وعلى نبينا صلوات الله وسلامه – عندما نصح لأبيه في سورة مريم، ولعلك تلاحظين – وأرجو أن تراجعي السورة – أنه كان يبدأ بمنتهى اللطف: {يا أبت إني قد}، {يا أبتِ إني أخاف}، {يا أبت لا تعبد الشيطان} بهذا اللطف، ونلاحظ أيضًا أنه لما غضب الوالد هجر المكان، لما قال: {واهجرني مليًّا} لم يتفوه بكلمة، وإنما قال لوالده: {سلام عليك سأستغفر لك ربي إنه كان بي حفيًّا}.

فهذه ملاحظات مهمة جدًّا عندما ننصح للوالد، أو ننصح للوالدة, وطبعًا أنت أعرف من غيرك بطبيعة الوالدة، وبتقبلها لمثل هذه المواضيع، وبفهمها، وبمستوى تدينها، وبدرجة إيمانها بالله تبارك وتعالى، لأننا دائمًا نحب أن نراعي هذه الأشياء عندما نتكلم، وأنت تعرفين أيضًا الوالدة هل تقبل النصيحة منك؟ وهل يفضل أن تكون هذه النصيحة عن طريق معلمة متدينة أو داعية ناصحة، أو تكون نصيحة غير مباشرة بأن تجلبي إلى البيت شريط محاضرة يتكلم عن هذا، أو كتيبًا فيه مثل هذه الموضوعات؟ وعندها ستقرأ الوالدة وتستفيد وتنتفع.

على كل حال: ينبغي أن نتخذ الأسلوب المناسب الذي يتناسب مع شخصية ونفسية الوالدة، الذي يتناسب مع حرمة ذلك المجلس والحاضرين، ولكن مع كل ذلك فإن النصيحة ينبغي أن تبلغ، وينبغي أن نعرض هذه المسألة على الوالدة؛ لأن هذه المسألة التي فيها اللعن (لعن الله النامصة والمتنمصة) يدل على أن النمص من كبائر الذنوب، وأحرص الناس على الخير للوالدة هم أنت وأمثالك من إخوانك الصالحين والصالحات من أبناء هذه الأمة.

فإذن علينا أن نتدرج في إيصال هذه النصيحة بعد أن تكون هناك معرفة بطبيعة الوالدة, وأظن أنك لو عرضت أشياء متعلقة بالتجميل، أو عرضت هذه المسألة على طريقة الاستفهام، بأن تقولي: (سمعت بعض العلماء يقولون كذا، وما أدري هل سمعتم شيئًا في هذا الموضوع!) كما جاء عن الحسن والحسين، لما أرادوا أن ينصحوا الرجل الكبير الذي ما كان يحسن الوضوء، جاءوا إليه وقالوا له: (نريد أن نتوضأ ونريدك أن تحكم أينا أفضل، أينا يجيد أداء هذه العبادة) فتوضأ الأول فأجاد وأحسن، وتوضأ الثاني فأجاد وأحسن، فقال الرجل: (كلاكما يحسن الوضوء، وأنا الذي لا أحسن) وشكر لهما حسن التصرف وحسن التعامل.

فإذن ليس من الضروري أن أبدأ وأقول (النمص حرام, وأنت نامصة, وأنت كذا، والنامص ملعون) هذا ليس من حكمة الدعوة، حتى مع من يفعل هذا, ويجاهر بهذه المعصية، وإنما عند ذلك نقول: (أنت فيك خير، وأنت كذا، وما شاء الله أنت مشكور وممدوح, وسيرتك طيبة, وصفحتك بيضاء، ولكن حبذا لو انتبهت لهذه المسألة) يعني لابد أن نبدأ بإظهار الإيجابيات في الشخص الذي ننصح له.

وإذا كان وجد مثل هذا المجلس فإن طرح القضايا على أنك سمعت من العلماء، ودائمًا نحن نفضل في الأبناء والبنات عندما يقدمون النصيحة للكبار أن يقولوا: (سمعنا الشيخ الفلاني, وسمعنا في المحاضرة, وسمعنا الشيخ يقول كذا)؛ لأن في هذا حفظًا لمشاعر الوالدة، وفي هذا أيضًا إبلاغًا للنصيحة بطريقة ليس فيها فضيحة, وليس فيها حرج، ولا تشعر الوالدة أو الوالد في هذه الحالة أن هذا الابن أو تلك البنت تريد أن تعلمها, أو تريد أن تفهمها، أو تريد أن تشرح لها، أو تتهمها بالجهل، إلى غير ذلك من المداخل التي يمكن للشيطان أن يدخل منها من أجل أن يشوش على النصيحة المطروحة, وعلى الكلام الذي نريد أن نقوله للوالدة.

عمومًا نسأل الله تبارك وتعالى أن يعينك والوالدة على الطاعة، وأن يستخدمنا جميعًا فيما يرضيه، وقبل أن تقدمي النصيحة قدمي أوصافًا من البر والإحسان والدعاء والتوجه إلى الله تبارك وتعالى، ونسأل الله أن يقر عينيك بصلاح الوالدة وبصلاح الإخوان وبصلاح كل من تحبين ومن في دائرتك، بل بصلاح الناس أجمعين، فإننا أول من يربح بهدايتنا للآخرين، ولأن يهدي الله بك رجلاً – أو امرأة – خير له من حُمر النعم، كما قال رسولنا عليه صلوات الله وسلامه.

فإذن ينبغي أن تتفهمي في عرض الموضوع، ولابد في ذلك أن تراعي طبيعة الوالدة، طبيعة المجلس، التوقيت، العبارات، الأسلوب، يعني لابد من مراعاة كل هذه الأشياء عندما نقدم النصيحة، ونسأل الله أن يقر عينك بصلاح الوالدة، وسوف نكون سعداء لو كتبت إلينا بالخطوات التي اتخذتها، فهذا مشروع دعوي جيد ينبغي أن تسعي فيه بالحكمة والأسلوب الطيب، واحرصي على إرضاء الوالدة بالبر والإحسان إليها، ونسأل الله تبارك وتعالى السداد والتوفيق، واعلمي أن وقوع الإنسان في الحرج أخف من وقوع الوالدة فيما يغضب الله تبارك وتعالى، ونسأل الله أن يعينك على الخير، ومرحبًا بك ابنتنا الفاضلة في موقعك، ونكرر شكرنا لك.

مواد ذات الصله

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

عضوية الموقع

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



خيارات الكلمات :

مستوى التطابق:

 
 

الأعلى تقيماً