الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

أبي يأمرني بقطع أمي فما الحل؟

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

أريد حلاً لموضوعي من أجل الله.

سأبدأ ومن الممكن أن أطيل قليلًا في الرسالة أرجو عدم الملل مني.

مشكلتي هي: أن والدي وأمي منفصلان, وأبي رجل حكيم, وصالح, ولا أزكي على الله أحدًا, ولكن أمي يوجد من ورائها مشاكل كثيرة, تخرج من مشكلة وتقع في الثانية, وهي مشاكل هي سببها, وأريد أن أذكر البعض منها:

1- تزوجت رجلاً صالحًا وطيبًا ومَرِض ثم تركته, وذهبت إلى رجل غير صالح, وأصبحت حياتها معه جحيمًا - والعياذ بالله - من كفر, وشتم, وشرب الخمور, والمنكرات.
2- قامت ابنتها بسرقة مبلغ كبير من المال, وكادت أن تؤدي إلى طلاق ابنتها من هذا الفعل.

خلاصة الموضوع: إن أبي لا يريدني أن أتكلم معها, ولا لأي سبب من الأسباب, أي أن أقوم بقطعها, ولا أسأل عنها خوفًا علي من أن تبليني بمشاكل نحن في غنى عنها, وأنا حقيقة أحترم أبي جدًّا وأبره بما آتاني الله من قوة؛ لأنه –والله- رجل طيب وحكيم, ويحبنا ولا يكرهنا, ويوفر لنا جميع سبل الراحة الكريمة لأجلنا, يعني مثله مثل أي أب يؤمن مستقبل أولاده, وأنا محتار لأنه قال لي آخر مرة: سوف أغضب عليك إذا لم تتركها, وقال أيضا: (والله لو أنا شايف منها خير إلا أنا أدزك عليها, وأعطيك فلوس لها, بس أمك ما فيها خير) هذا ما قاله بالحرف الواحد, فأرجوكم ماذا أفعل لأقوم بحل هذه المشكلة؟

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ مالك حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته, وبعد:

مرحبًا بك -أيها الأخ الحبيب- في استشارات إسلام ويب, نسأل الله تعالى أن يتولى عونك للقيام ببر والديك, والإحسان إليهما.

نحن نشكر لك -أيها الحبيب- ما تقوم به من بر للوالد, وتعظيم له، فهذا من حقوقه عليك، ولو لم يفعل شيئًا من المعروف الكثير الذي ذكرته عنه.

والدتك -أيها الحبيب- لها عليك من البر الشيء الكثير أيضًا، ولا يسقط حقوقها عليك ما هي عليه من الإثم، فإن الله سبحانه وتعالى جعل لها ثلاثة أضعاف ما للأب من البر كما جاء في الحديث عنه - صلى الله عليه وسلم - حين سُئل فقال له الرجل: أي الناس أحق بحسن صحابتي يا رسول الله؟ قال: (أمك، ثم أمك، ثم أمك). قال في الرابعة: (ثم أبوك). والله عز وجل قد أخبرنا في كتابه الكريم عن المبررات التي جعلت لهذه الأم كل هذا الحق، فقال سبحانه: {حملته أمه وهنًا على وهنٍ وفصاله في عامين} وقال: {حملته أمه كُرهًا ووضعته كرهًا وحمله وفصاله ثلاثون شهرًا}.

الأم لا شك -أيها الحبيب- قد تحملت الكثير من العناء بحملك, ووضعك, والقيام عليك وأنت صغير، فكونها تسيء بعد ذلك لا يُسقط ما لها من الإحسان القديم، ولهذا أمر الله تعالى بإحسان الصحبة للوالدين مهما اشتد إيذاؤهما للولد، فقال سبحانه: {وإن جاهداك على أن تُشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفًا} فأمر بمصاحبتهما بالمعروف عند مجاهدتهما للولد على الكفر والعياذ بالله.

مهما كانت أمك تفعل فإنها لن تبلغ هذا المبلغ بأن تجاهدك لتكفر بالله تعالى فتكون من أصحاب النار وبهذا تعلم -أيها الحبيب- أن لهذه الأم عليك الحق الكبير، وأنه مهما أساءت لا يجوز لك أن تقطع رحمها، بل الواجب عليك أن تبرها بما تقدر عليه امتثالاً لما أمرك الله تعالى به في قوله: {وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانًا إما يبلغنَّ عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولاً كريمًا}.

من ثم فنصيحتنا لك -أيها الحبيب- ألا تغضب أباك, ولا تقطع أمك، فصل أمك, وتواصل معها، وأدِّ إليها ما تقدر عليه من البر، وأعنها بما تقدر عليه من النفقة إن كانت تحتاج إلى النفقة، واستر ذلك كله عن أبيك, ولا تُخبره به حتى لا يغضب عليك، وكن على ثقة بأن ذلك هو ما يرضاه الله تعالى منك، فإنه سبحانه وتعالى أمرك ببر أمك، فالواجب عليك طاعته في ذلك، وأبوك عندما ينهاك عن ذلك لا تجوز طاعته؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إنما الطاعة في المعروف), وقال: (لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق), ولكن مع هذا ترفق بأبيك، واستر عنه ما تفعله من البر بأمك، وكن على حذر من المشكلات التي قد تجرك أمك إليها، فأحسن إليها, وتجنب شرورها.

خير ما نوصيك به -أيها الحبيب- أن تحاول بقدر ما تستطيع إصلاح أمك, ودعوتها إلى التوبة إلى الله تعالى من ذنوبها، حاول أن تسلط عليها من يدعوها إلى ذلك، وأن تهديها أنت المواعظ التي قد تردها إلى الله تعالى إن هي سمعتها، حاول بقدر استطاعتك تذكيرها بآخرتها ورجوعها إلى الله، فربما يجعل الله تعالى صلاحها على يديك، فتكون بذلك أحسنت إليها غاية الإحسان.

نسأل الله تعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يُجري الخير على يديك، وأن يعينك على بر والديك.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً