الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

كرهت الحياة بسبب التحرش الجنسي في الصغر فساعدوني
رقم الإستشارة: 2166632

22421 0 583

السؤال

عندي مشكلتان أريد أن أطرحهما:

المشكلة الأولى: تعرضت في مرحلة الصغر للتحرش من أحد الأقارب, وكنت لا أعلم عن التحرش شيئًا, وقد تحرشت جنسيًا بمن هم أصغر مني سنًّا, أو بمن هم في مثل عمري - وللأسف - وعندما بلغت مرحلة المراهقة كنت أقرأ المجلات والجرائد كثيرًا, وكنت أشاهد البرامج التلفزيونية أيضًا, وعرفت عن التحرش الجنسي, وأن الجسد ملك للشخص, ولا يحق لأحد أن يلمسه, وتذكرت الشخص الذي تحرش بي, وأنا أشعر بالقهر منه, وأفكر في الانتقام منه, وأشعر بالذنب الشديد وتأنيب الضمير, والشهوة عندي شديدة منذ الصغر.

وأنا أتخيل دائمًا أني أمارس الجنس مع امرأة كبيرة في السن, وأقوم بتقبيل قدميها - آسف للوصف – لكنها مجرد تخيلات, وأنا أفعل العادة السرية منذ الصغر, وأصبحت أخاف على إخوتي الصغار من التحرش, ودائمًا أسألهم: أين ذهبتم؟ فأنا لا أثق في أحد - حتى الأقارب – فقد فقدت الثقة في أقرب الناس, فكيف أنصح إخوتي الصغار بالبعد عن التحرش دون أن يعرفوا عن التحرشات؟ فأنا لا أريد أن أخيفهم, وعندي فراغ كثير, ودائمًا أفكر في الماضي, وأتذكر ما حصل لي, وأنا كثير التفكير في الجنس, فهل التحرش في الصغر سبب هذه المشكلة؟ وأشعر بتأنيب ضمير شديد، فهل أنا محاسب على ما حصل لي في الصغر؟ وكيف أتخلص من شدة تأنيب الضمير؟ فأنا ألوم نفسي كل يوم, فأرجو منكم بعد الله سبحانه وتعالى مساعدتي في الخروج من الحالة, أو التقليل منها.

المشكلة الثانية: أعيش في انطوائية، فأنا قليل الكلام، ولا أستطيع أن أفتح موضوعًا مع أي أحد، ومشكلتي بدأت مع أول سنوات الدراسة، فلا أتكلم مع الطلاب، ولا أشارك في الأنشطة المدرسية، وعندي خوف شديد من الناس - حتى من الصغار – وكان الطلاب يقولون: لماذا لا تتكلم؟ واستمررت في الدراسة حتى أول ثانوي وكنت من الأوائل، وكنت أحس بالقهر عندما أرى الطلاب يتكلمون مع بعضهم وأنا في عزلة، فتركت الدراسة, ظنًّا أن حالتي سوف تتحسن, وأني سأرجع إلى المدرسة السنة القادمة, لكن حالتي تدهورت أكثر, فأنا لا أخرج من البيت؛ لأني أخاف من الخروج من البيت جدًّا.

وبعض الأحيان أخرج من البيت في ساعة متأخرة من الليل لكي لا أرى أحدًا, وإذا خرجت في الليل أكون في قلق, فضربات قلبي تتسارع بقوة, وأعيش في هم وحزن وقلق، وتركت حضور المناسبات الاجتماعية وزيارة الأقارب، وأهلي يتضايقون مني؛ لأني أجلس في الغرفة وحدي, آكل وأشرب وحدي، وأشعر بالخجل والحرج من نظرة الأهل لي، وبعد تركي للدراسة صرت أخاف أن أخرج من البيت, وأخاف من نظرة الناس لي، فلا شخصية لي، وكلام الناس مقدم على كلامي؛ لاعتقادي أن الناس على صواب وأني على خطأ, وأشعر أني لا فائدة مني في الحياة.

وبعض الأحيان تراودني أفكار عن الانتحار, وأعلم أن الحل ليس في الانتحار, ولكن بسبب الانطواء والحالة النفسية المتردية أجد أن لا حل للتخلص من هذه المشكلة إلا بالانتحار، فأرجو منكم أن تساعدوني في بناء شخصية قوية تجعلني لا أخاف من الناس, وتجعلني أتحدث إليهم دون أن أخاف, وأكون شخصًا مهمًا في المجتمع، وأنا أعلم أن جلوسي في البيت وعدم مخالطة الناس خطأ كبير, لكن عندي خوفًا شديدًا من الخروج من البيت، فمجرد أن أفكر في الخروج من البيت تتسارع ضربات قلبي, وأفكر في كلام الناس: ماذا سيقولون عني؟ وأشعر أنه سوف يغمى عليّ.

فأسألكم بعد الله سبحانه وتعالى أن تساعدوني على الخروج من هذه الحالة أو التقليل منها، وأتمنى أن تردوا عليّ في أسرع وقت، فأنا أحتاج إلى نصائحكم.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ عمر حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته, وبعد:

فإن الحالة التي تعاني منها – وهي حالة الانطواء والانزواء, والجلوس في البيت, والتخوف من التواصل الاجتماعي – هي حالة نفسية معروفة، ونوع من قلق الرهاب الذي نسميه بـ (رهاب الساحة) وهو نوع من الخوف الشديد الذي يجعل الإنسان منكبًا على نفسه، ويخاف من الاختلاط، ويخاف كذلك من التجمعات, ومن التواصل مع الآخرين، ولا يحس بالأمان والاطمئنان إلا حين يكون في منزله.

وهذا النوع من المخاوف يُشعر صاحبه بافتقاد الكفاءة النفسية، وهذا هو الذي تعاني منه، ولديك خوف واضح من الفشل، وهذا أيضًا زاد من علتك، هذا من ناحية تشخيص حالتك الآن.

لا شك أن ما تعرضت له من امتهانات جنسية، وما قمت به أنت أيضًا من امتهانات جنسية له أثر كبير على مسار تطورك النفسي والتكويني، وهو الذي جعلك تتخوف وتبالغ في خوفك على إخوتك؛ حتى لا يكونوا ضحية الممارسات الجنسية الخاطئة, ومشاعرك هذه مبررة ومقبولة، لكن العلاجات من خلال تصحيح المفاهيم.

أولًا: ما حدث من ممارسة خاطئة وقبيحة في الماضي قد انتهت تمامًا، فأنت كنت في مرحلة جهل، وحدثت لك طفرة جنسية مبكرة من خلال التحرشات، وهذا هو الذي أعطاك الإحساس بأن لديك طاقة جنسية زائدة، وزدت أنت الأمر تعقيدًا من خلال خيالاتك الجنسية ذات طابع انحرافي أثناء ممارسة العادة السرية أيضًا؛ مما جعلك تتعلق جنسيًا بكبار السن من النساء – كما ذكرت – وكذلك التعلق بمقتنيات النساء، وحب تقبيل أقدامهن – كما ذكرت – وهذا نسميه بـ (التوثين) والكلمة مشتقة من الأوثان.

أيها الفاضل الكريم: هذا كله يعالج من خلال أن تفضح نفسك لنفسك، وأن تعرف أن هذه الأفعال وهذه الأفكار هي سيئة، ولا تليق بشاب مسلم مثلك.

أما عما مضى: فرحمة الله واسعة إن كنت في سن التكليف في ذاك الوقت، وإن لم تكن في سن التكليف فلا شيء عليك قطعًا، وعليك أن تضع شعارًا هو: أن ما اقترفته فيما مضى كان جهلًا منك، وأنك ستعيش حياة قوية وسوية ومستقبلًا جميلًا وطيبًا. يشوبه ويدعمه الأمل والرجاء، فاجعل هذا هو طريق حياتك.

أما بالنسبة لموضوع إخوتك وتخوفك عليهم: فلا تبالغ في هذا الأمر، فوجههم التوجيه البسيط الذي لا يرعبهم ولا يخيفهم، وإن كنت ترى نفسك أنك لست الشخص المناسب فيمكنك أن تذهب إلى المعلمين في مدرستهم وتتخير أحد المعلمين لينبههم تنبيهات عامة حول اللقاءات والتطورات الجنسية، وأن جسد الإنسان ملك له - كما تفضلت وذكرت – وعليه أن لا يدع أحدًا يلمسه أبدًا إلا والديه, وهذا يكفي تمامًا، واصرف انتباه إخوتك للدراسة وللجدية، ولمصاحبة الطيبين والجيدين من الأطفال واليافعين حسب سن كل واحد منهم، وكن أنت قدوة لهم أيضًا في إرشادهم وتوجيههم بصورة عملية، وبصورة غير مرعبة ومخيفة.

تفكيرك في الانتحار هو تفكير خاطئ، فليس هناك ما يدعو إلى ذلك، فأنت شاب مسلم، ولا يمكن للإنسان أن يحل مشكلة بمشكلة أفظع منها، قد تؤدي به إلى الهاوية والنار - والعياذ بالله تعالى -.

انظر للحياة بصورة إيجابية مشرقة طيبة، فالماضي قد انتهى، وهو عبرة وتجربة, وليس أكثر من ذلك، واعلم أن الله لا يغفر أن يُشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء، فرحمة الله واسعة تسع كل من يسعى إليها، وأنت - إن شاء الله تعالى – من الساعين إليها، فابنِ شخصيتك من خلال التدبر والتفكر والتأمل والاطلاع واكتساب المعرفة، وأن تكون بارًا بوالديك, ومتواصلاً اجتماعيًا, ومفيدًا لنفسك ولغيرك، ولا بد أن تبحث عن عمل، فالعمل هو شرف الرجل، وهو قيمة الرجل، وهو الوسيلة السلوكية التي يؤهل الإنسان نفسه من خلالها.

أنصحك - أيها الفاضل الكريم - أن تذهب وتقابل الطبيب النفسي - إن كان ذلك ممكنًا - أما إن كان ذلك غير ممكن فأنت محتاج لتناول علاج مضاد للمخاوف والتوترات، وعقار (سيرترالين) - والذي يسمى تجاريًا (زولفت), وكذلك يسمى (لسترال) - هو من أحسن وأجمل وأسلم الأدوية التي تفيد في حالتك، والجرعة المطلوبة هي أن تبدأ بحبة واحدة ليلاً، تتناولها بعد الأكل لمدة شهر، ثم تجعلها حبتين ليلًا – أي مائة مليجرام – تستمر عليها لمدة ثلاثة أشهر، ثم تخفضها إلى حبة واحدة ليلًا لمدة أربعة أشهر، ثم تجعلها حبة يومًا بعد يوم لمدة شهر، ثم تتوقف عن تناول الدواء.

هذا الدواء سوف يزيل - إن شاء الله تعالى - ما بك من كدر وتوتر وشعور اكتئابي، ويعطيك مزيد ثقة في نفسك، وهو من أفضل علاجات الانعزال والرهاب الاجتماعي قطعًا.

بارك الله فيك، وجزاك الله خيرًا، ونسأل الله لك الشفاء والعافية, والتوفيق والسداد.

مواد ذات الصله

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك
  • السعودية المستشاره الاسريه فوزيه

    اخي الكريم اتوقع طريقة علاجك طريقه سريعة الاثر ولكن غير بعيدة الامد
    اخي عمر يحتاج علاج سلوكي وليس اعتقادي وعقاقير فلابد ان يلجأ الى الارشاد التسري لانه لا يعاني من مرض نفسي مع خالص شكري وتقديري

عضوية الموقع

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



خيارات الكلمات :

مستوى التطابق: