الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

ما علاج الخوف الاجتماعي البسيط؟

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

مشكلتي يا دكتور هي الخجل، وأشعر بأنه خجل بدرجة متوسطة؛ لأنني أحياناً أستطيع أن أتغلب عليه.‏

ما أريد أن أخبرك عنه هو‎:‎

إنني أتضايق من نفسي كثيراً عندما أكون في مجموعة كبيرة سواءً كانت من الأقارب أو الغرباء ولا أنطق ‏إلا ببعض الألفاظ، وأحياناً لا أتلفظ بأي كلمة، وعندما أتحدث أشعر أن دقات قلبي زادت، وبدأت يداي ‏ترجفان، والمصيبة الكبرى احمرار وجهي ونظرات الآخرين الغريبة لي في تلك اللحظة وتعليقاتهم السخيفة ‏التي تزعجني كثيراً وتعكر مزاجي وتجعل نهاري بكاء.‏

ولكن المفارقة أنني في حالات أخرى ومع مجموعات أخرى أتحدث وأنا التي أكون مبادرة في الحديث، ‏فمثلاً إذا كانت المجموعة مؤلفة من أمي وأختي وجارتنا وامرأة أخرى فإني أتحدث، أما إذا ازداد عدد ‏المجموعة خاصةً إذا كان فيها شباب فكلامي يقل.‏

ملاحظة : عند وجود أهلي وخصوصاً الوالد في نفس المجموعة أشعر بأنه هو سبب امتناعي عن الحديث. ‏لماذا هذا الشعور؟ لا أدري حقيقة.

ملاحظة أخرى وهي أني في أماكن أخرى أتحدث وأفتح مواضيع مثلاً مع دكتور الأسنان أو المعلمين أو ‏المعلمات اللاتي أتدرب عندهم لأني أدرس الآن في الجامعة تخصصاً لأصبح معلمة‎ .‎

أيضاً أستغرب من نفسي لأنني استطعت الظهور على التلفاز مرتين: أحدها كانت مسجلة والأخرى على ‏الهواء مباشرة للتحدث عن التفوق‎.‎

وبالصف في أغلب الأحيان أطرح معظم الأفكار التي تخطر ببالي وأشارك بشكل لا بأس به، وحتى أننا في ‏الصف نقوم بنشاطات تمثيلية على درس نأخذه فأشارك في ذلك‎.‎

كذلك أقوم والحمد لله بالنزول إلى المدارس وتعليم الصفوف الابتدائية من الأول للسادس والحمد لله أقوم ‏بذلك بثقة وجرأة وأثناء التدريس يحضر لي أستاذ الصف الأساسي وواحد من رفاقي وأحياناً الدكتور ‏الذي يعلمني في الجامعة، والحمد لله أقوم بذلك بثقة بالنفس، ولكن مرة حدث أن جاء شخص غريب ‏ليحضر حصة لي فشعرت ببعض التوتر، وأيضاً تراني أمزح وأضحك وأتكلم بطلاقة مع رفاقي سواءً ‏البنات أو الشباب‎.‎
‏ ‏
أشعر أن الأمر الذي أتدرب عليه كالتدرب على التدريس أستطيع القيام به بدرجةٍ خفيفة من التوتر.‏

وخلاصة القول: إنني أنزعج كثيراً من أن أظهر جوانب الضعف من شخصيتي، وخصوصاً احمرار الوجه، ‏وأحب أن أظهر الفتاة الجريئة والقوية والعفوية التي تعبر عن رأيها وتتحدث دون تردد، والمتحدثة في أي ‏مكان توضع فيه، والتي يؤخذ برأيها دائماً، والقادرة على الرد على أي سؤال وعلى أي نقد يوجه لها، ‏بحيث يكون الرد قوياً ولاذعاً لأنني أشعر بأن الشخص الذي يحترم من هو أكبر منه سناً حتى ولو كان ‏عمه أو خاله أو خالته يُفهم بشكل خاطئ على أنه ضعيف لا يستطيع الرد على الآخرين‎.‎

أنا حقيقة أكره نفسي إذا كنت‎ passive ‎في أي مكان، فأنا أحب أن أكون محور التركيز والاهتمام ‏والفتاة النشيطة، ولا أطيق أن أكون كأنني غير موجودة، فهذا الأمر يضايقني، وما يزيد الطين بلة إذا تم ‏انتقادي بهذا الموضوع أو إذا وجه لي نقداً ساخراً حول عدم كلامي، وهنا أتمنى أن تكون نهاية العالم، أو ‏أن تنشق الأرض وتبتلعني، وبعدها أبدأ بالبكاء حتى أنسى تلك الحادثة‎.‎

أنا حقيقةً من فترة إلى أخرى أتحدث مع نفسي وأبعث لها رسائل إيجابية، وأقوم بتخيلات بأنني قادرة على ‏المواجهة، ولمدة شهر استمعت لأشرطة إيحاء، وتحسنت قليلاً والحمد لله، وأقوم بأي تمرين أقرؤه في ‏المنتديات لكني لم أصل لصورة تلك الفتاة التي هي في مخيلتي‎.‎

أعرف أني أطلت عليك يا دكتور، ويمكن شعرت بالملل وأنت تقرأ هذه الكلمات، لكن هكذا الإنسان ‏صاحب الحاجة يفضفض لمن يراه مختصاً ليصل إلى ما يريد، وإن شاء الله تكون سبباً في شفاء فتاة كارهة ‏لمظاهر الضعف محبة للتفوق في كل المجالات وأهمها الاجتماعية‎.‎

أرجو أن تأخذوا هذه الرسالة بكل اهتمام وهذا الأمر لا شك فيه‎.

‎وأرجو منك يا دكتور أن لا تنسى حالتي، وُتساعدني بقدر ما تستطيع‎.‎

بارك الله فيك وجعل ذلك في ميزان حسناتك‎.‎


الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ Soad حفظها الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

أرجو أن أوضح لك أن الأعراض التي ذُكرت في رسالتك هي في الحقيقة كلها متعلقة تقريباً بالشخصية، مع وجود بعض أعراض الرهاب أو الخوف الاجتماعي كما نسميه، ولا أعتقد أنك تُعانين من خجلٍ حقيقي.

أما بالنسبة للمفارقة أو التقلب في المواقف ما بين القدرة على المواجهة وعدمها، فهذا ليس مستغرباً أبداً؛ لأن المخاوف تتميز بذلك عند بعض الناس.

من الأشياء التي كتب عنها أن هنالك شخص كان يعمل في حديقة الحيوان كمدرب أو مروض للأسود، وبعد فترة اتضح أنه يخاف من القطط، فإذن العملية أو الحالة في حقيقة الأمر هي تتمركز حول نوعيةٍ خاصةً جداً من التقلبات في الشعور فيما يخص الخوف أو عدم القدرة على المواجهة.

أنت وصفت نفسكِ بأنك إنسان سلبي أو (Passive) كما ذكرت باللغة الإنجليزية، وأنا لا أرى هنالك أي سلبية، على العكس أنت ربما يكون لديك بعض التقدير السلبي لنفسك أو لذاتك، وهذا هو الذي يعطيك هذا الشعور أو التخوف من أنك إنسان سلبي.

الخوف الاجتماعي البسيط الذي تُعانين منه يُعالج بالمواجهة وعدم الاستجابة السلبية في المواقف الاجتماعية، والمواجهة تكون عن طريق الخيال ثم عن طريق التطبيق.
فعن طريق الخيال، ما عليك إلا أن تتخيلي أنك تخاطبي كمية كبيرة من الناس، كأنك تلقين محاضرة أو حديث أمام أحد المنتديات أو التجمعات.
أرجو أن يكرر مثل هذا التمرين البسيط والذي أثبت فائدته كثيراً .

أنتِ والحمد لله أيضاً ليست لديك مشكلة حقيقية حين التحدث والتواصل مع الأهل ما عدا الأب كما ذكرتِ.

فحين تتحدثي مع الوالدة والأخوات، وتحسي أنك مرتاحة، أرجو أن تتخيلي في هذه اللحظة أنك تُخاطبين الغرباء وليس الأهل.

لا أجد تفسيراً حقيقياً لمخاوفك من والدك، وربما يكون ذلك نسبةً لصعوبة أو لموقفٍ ما حدث معه، كأن كان شديداً أو غليظاً عليك في أيام طفولتك، ولكن أرجو أن تكوني أكثر تواصلاً معه، وألا تبني أي حواجز نفسية حياله، وأن تكثري من خدمته والبر به، فهذا في حد ذاته سوف يحسن تواصلك معه ويقلل من المخاوف التي تعانين منها.

قد لا أتفق معك كثيراً في أنك تودين أن تكوني دائماً محور التركيز والاهتمام، هذا شيء ليس مطلوباً في كل الأوقات، والإنسان يجب أن يكون وسطياً، يأخذ ويعطي في علاقاته، ويأخذ الأمور ببساطة وسهولة أكثر؛ لأنني أخاف كثيراً بالنسبة للفتاة التي تحب دائماً أن تكون هي محور التركيز؛ لأن ذلك من سمات ما يُعرف بالشخصية الهستيرية الباحثة عن الاهتمام .

أنت والحمد لله يمكن أن تفرضي نفسك على المواقف بمقدرتك وبقبولك من جانب الآخرين، وهذا في حد ذاته كافياً جداً .

سيكون من المفيد لك أيضاً إذا تناولت أحد الأدوية، وأنت والحمد لله لديك القدرة في ممارسة العلاج السلوكي، خاصةً بعد استماعك للأشرطة الإيحائية .

الدواء الطيب والجيد جداً في علاج مثل حالتك يعرف باسم زيروكسات، وأرى أنك لن تحتاجي لتناوله لمدةٍ كثيرة، ثلاثة أشهر فقط ستكون كافية، فابدئي بتناوله بجرعة نصف حبة يومياً لمدة أسبوعين، ويفضل أن تؤخذ في المساء وبعد الأكل، بعد ذلك ارفعي الجرعة إلى حبة كاملة واستمري عليها لمدة شهرين، ثم اجعليها نصف حبة في الأسبوعين الأخيرين، وبذلك تكون مدة العلاج الدوائي قد اكتملت وهي ثلاثة أشهر.

أنا أرى أنك بخير، وأرجو أن لا تراقبي نفسك كثيراً، وأن تأخذي الأمور ببساطة، فأنت والحمد لله سائرة في طريق النجاح، وأرجو مواصلة العلاج السلوكي مع الجرعة الدوائية البسيطة التي وصفتها لك، وإن شاء الله سوف تختفي كل الأعراض التي تعانين منها.

وبالله التوفيق.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً