الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تحريم الجور في قسمة الميراث

السؤال

أنا امرأة متزوجة، وزوجي عصبي، ولكنه حنون. ومن بداية زواجي وأهله دائما يصغرون منه ومن كلامه، حتى إن أباه يبعد أخواته عنه؛ حتى لا يتحكم بهن، ودائما يقولون إنهم لا يأتمنونه على والديهم، وأنه طماع، رغم أن هذا لا يوجد فيه. ولم يُدخل علينا قرشا حراما، وكان يعمل عملين؛ لنعيش حياة كريمة حتى وصل بي الأمر أني كرهته من هذه الأقاويل.
بعد وفاة أم زوجي -رحمة الله عليها- التي كانت تردد دائما أمامي وزوجي أنها تدخر مبلغ 200 ألف جنيه؛ للزواج، ولكن فوجئ زوجي بأن المبلغ أكثر من ذلك بكثير؛ فطالب بحقه في المبلغ الذي فوق ال 200 وأنه يتنازل عن الباقي لهم، ولكن أباه نهره وغضب إخوانه منه؛ فوافق على استحياء بعد إلحاح مني؛ لتفادى المشاكل. وطلب من أخيه مبلغا من هذا الميراث كسلفة؛ حتى يسدد ديونه، وسيردها له فيما بعد.
فوجئ زوجي أن أخواته يتهمنه بأنه دخل غرفة والدته للبحث عن أوراق تقسيم الميراث، رغم أنه أصر على وجودهم جميعا للبحث عن أوراق لوجود ديون على والدته حتى يردها لمستحقيها. فلما علم رجع في سلفته، وقال إنها حقه، ولن يردها لأخيه (الذي قامت والدته بصرف مبالغ هائلة عليه في تحضير رسالة ماجستير) وحدثت مشاكل كثيرة، وحاول زوجي أن يجلس معه ويرضيه، ولكنه أراد المال أولا ثم يجلس معه، وكان يعامله أسوأ معاملة.
وقامت أختهم الكبرى بأخذ ذهب والدتها، مكيدة لزوجي بدون علمه حتى يرد المال لأخيه، رغم معرفتها بطلب زوجي لنصيبه فيه، وذلك بعلم أبيهم.
في النهاية اتفقوا على أن أخته ستدفع له ثمن نصيبه في الذهب، وكانت تناقشه في الثمن، وتقسيم باقي العقارات بحيث يكون لكل واحد منهم عقار، وأن يشترك أبوهم مع كل منهم بنسبة الربع تقريبا، حتى إن أباه وافق على تأجير عقار باسم زوجي، وكتب العقد باسمه، ولكن فوجئ زوجي أن الأب قام بجعل عقار خاص بكل بنت، مع إبقاء مبلغ عليها لأبيها، ترده عند بيع العقارات، رغم طلب زوجي نفس الطلب من أبيه لكنه رفض، وذلك لأنهم يظنون أن زوجي ينتظر موت أبيه ليشاركهم في عقاراتهم الخاصة؛ فرفض زوجي هذه العقود، فعندها طالبه أبوه برد عقد الإيجار له، وإلا فسيكون عاقا له، وسينتقم الله منه أشد الانتقام، فطلب منه زوجي أن يطلب من أخته أن تعطيه نصيبه من الذهب، وسيرد له العقد، ولكنه لم يوافق، وقال هذا بينه وبين أخته، وأبوه يدعو عليه ليل نهار.
هل بذلك زوجي يعتبر عاقا؟ وهل هذا سيعود على أولادي بالشر كما يقولون؟ وبماذا تنصحوني، رغم محاولتي للإصلاح بينهما، ولكن دون فائدة؟

الإجابــة

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعد:

فنقول أولاً: إن الأصل في زوجك السلامة عما يتهمه به أهله حتى يثبت العكس، فلا يجوز أن يساء به الظن؛ لنهي الشرع عن ذلك، كما قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ.... {الحجرات:12}.

فعليك أن تحسني الظن بزوجك، وحمل أمره على أحسن المحامل، وعدم الالتفات لما يقال عنه من أقاويل حتى تثبت ببينة.

ثانياً: ينبغي أن يكون زوجك على حذر من العصبية والغضب، فإن ذلك من الشيطان، وربما استغله ليوقع زوجك في أمور لا تحمد عقباها. ولمعرفة ما جاء في السنة عن الغضب، نرجو مراجعة الفتوى: 8038، ففيها بيان كيفية علاج الغضب.

ثالثاً: ما تركت هذه الأم -رحمها الله- من المال المدخر أو غيره من مال، فقد صار تركة يجب أن يوزع على ورثتها على الوجه الذي جاء به الشرع. روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من ترك مالا فلورثته.

هذا مع التنبيه إلى أن الأم كالأب في المنع من تفضيل أحد من أولادها على غيره، لغير مسوغ شرعي، وسبق أن بينا ذلك في الفتوى: 104031. وفي حالة النزاع في أمر التركات، ينبغي مراجعة القضاء.

رابعاً: لا يجوز لأحد من الورثة التصرف في مال التركة باقتراض أو إقراض، أو استئثار بشيء من هذا المال دون الآخرين، إلا بموافقة جميع الورثة إذا كانوا بالغين رشداء؛ لأن هذا المال حق لهم جميعا؛ كما أسلفنا.

خامسا: إذا منع زوجك حقه في التركة بغير حق، ولم يستطع الوصول إليه، فله أن يأخذ ما وقع في يده من هذا المال دون أن يتجاوز ذلك الحق، وهذا ما يسمى عند العلماء بـ: (الظفر بالحق)، وقد بينا مذاهب العلماء في كيفية الظفر بالحق، وذلك في الفتوى: 28871.

سادساً: على الجميع أن يتقي الله في أمر قسمة التركة ويحذر الجور، فقد قال تعالى في سورة النساء بعد آيات قسمة الميراث في بداية سورة النساء: تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ {النساء14:13}.

ونؤكد على ما بيناه سابقا على رفع الأمر للقضاء إن لم يكن هنالك توافق في أمر القسمة.

والله أعلم.

مواد ذات صلة

الفتاوى

الصوتيات

المكتبة

بحث عن فتوى

يمكنك البحث عن الفتوى من خلال البريد الإلكتروني