الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

ما حكم القاتل خطأ الذي لا يجد رقبة يعتقها ويشق عليه الصوم؟

السؤال

أثناء قيادتي للسيارة فقدت السيطرة على المكابح؛ فأصابت سيارتي امرأة مسنة، ثم توفيت بعد عدة أيام.
تم دفع الدية لذويها، وبقي الصيام بذمتي، وأنا شخص لا أعاني من أي أمراض، ولكن أجد صعوبة بالغة بالصيام؛ لشدة تعبي بالصيام.
أثناء بحثي عن كفارة القتل غير العمد وجدت آراء تشير لإمكانية دفع بدل إعتاق رقبة، وذلك بدفع عشر الدية، علما أني دفعت مبلغا وقدرُه مليون ومئتا ليرة.
أرجو إفادتي بهذا الموضوع، وإن كان ذلك بالإمكان. ما هو المقدار الواجب علي دفعه؟
وجزاكم الله خيرا.

الإجابــة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله، وصحبه، أما بعد:

فإن كفارة القتل الخطأ هي عتق رقبة مؤمنة، فمن لم يجد فعليه صيام شهرين متتابعين.

فإن كان يشق عليه الصيام في حال دون حال، فإن ذلك ليس عذرا يبيح ترك الصيام الواجب ما دام يستطيع الصيام في وقت آخر، فيمكنه الصوم في وقت الشتاء، حيث يقصر النهار ويبرد؛ لأن الكفارة في القتل الخطأ ليست واجبة على الفور، كما قال الإمام النووي -رحمه الله- في المجموع: وأما الكفارة، فإن كانت بغير عدوان ككفارة القتل خطأ، وكفارة اليمين في بعض الصور، فهي على التراخي بلا خلاف؛ لأنه معذور. اهـ.

واختلف في العاجز عن الصوم عجزا كليا، هل يسقط عنه الصوم؛ لعجزه، ولا شيء عليه، أو يطعم ستين مسكينا قياسا على الظهار.

قال الحافظ ابن كثير في تفسيره: وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ لَا يَسْتَطِيعُ الصِّيَامَ: هَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ إِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا، كَمَا فِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ:

أَحَدُهُمَا: نَعَمْ، كَمَا هُوَ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ فِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ، وَإِنَّمَا لَمْ يُذْكَرْ هَاهُنَا؛ لِأَنَّ هَذَا مَقَامُ تَهْدِيدٍ، وَتَخْوِيفٍ، وَتَحْذِيرٍ، فَلَا يُنَاسِبُ أَنْ يُذْكَرَ فِيهِ الْإِطْعَامُ؛ لِمَا فِيهِ مِنَ التَّسْهِيلِ، وَالتَّرْخِيصِ.

الْقَوْلُ الثَّانِي: لَا يَعْدِلُ إِلَى الْإِطْعَامِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ وَاجِبًا لَمَا أَخَّرَ بَيَانَهُ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ. انتهى.

وقال ابن قدامة في المغني: فصيام شهرين متتابعين توبة من الله، وهذا ثابت بالنص أيضاً، فإن لم يستطع، ففيه روايتان:

إحداهما: يثبت الصيام في ذمته، ولا يجب شيء آخر؛ لأن الله -تعالى- لم يذكره، ولو وجب لذكره.

والثاني: يجب إطعام ستين مسكيناً؛ لأنها كفارة فيها عتق، وصيام شهرين متتابعين، فكان فيها إطعام ستين مسكيناً عند عدمها، ككفارة الظهار، والفطر في رمضان، وإن لم يكن مذكوراً في نص القرآن فقد ذكر ذلك في نظيره، فيقاس عليه.

فعلى هذه الرواية، إن عجز عن الإطعام ثبت في ذمته حتى يقدر عليه، وللشافعي قولان في هذا، كالروايتين. والله أعلم. انتهى.

وأما مسألة دفع عشر الدية بدلا من العتق، فقد استحسنه بعض المعاصرين، ولم نطلع على سلف له من المتقدمين في هذا الرأي.

ولمزيد من الفائدة راجع الفتويين: 15533، 407152.

والله أعلم.

مواد ذات صلة

الفتاوى

الصوتيات

المكتبة

بحث عن فتوى

يمكنك البحث عن الفتوى من خلال البريد الإلكتروني