الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

أسباب الشذوذ الجنسي وعلاجه

السؤال

أنا شاب أبلغ من العمر 33 عامًا، متزوج، ولديَّ ثلاثة أطفال.
المشكلة التي أعاني منها هي الميل إلى أبناء جنسي، ولا أدري لماذا. حاولت كثيرًا أن أتخلص من هذه الظاهرة، ولكن دون فائدة. وكان آخر ذلك أنني مارستُ الفاحشة مع شاب، وقد ندمتُ ندمًا شديدًا، وتبتُ إلى الله توبةً نصوحًا، وعاهدتُه ألا أعود إلى ذلك. فهل يتقبَّل الله توبتي؟ فقد سمعتُ أن من يفعل ذلك تكون زوجته محرَّمة عليه، فأرجو منكم إفادتي. علمًا بأنني أقوم بواجباتي الدينية. وأشكركم جزيل الشكر.

الإجابــة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:

اعلم أخي -وفقني الله وإياك- أن هذه المعصية ناتجة عن فراغ لا يشغله الإنسان بالنافع من العمل، أو تعريض الإنسان نفسه للمثيرات، وقد يكون ذلك لخبث في نفس الإنسان، فعلى المرء أن يكثر من طاعة الله، ويكثر من ذكره تعالى، وأن يسأله العصمة من الزلل، ويتقرب إلى مولاه بشتى القرب.

ثم اعلم -عصمك الله- أن مفسدة اللواط من أعظم المفاسد، ولذلك كانت عقوبته من أعظم العقوبات، ولقد فطر الله الإنسان على أن يميل الذكر للأنثى، والأنثى للذكر، ومن خرج عن هذا الأصل كان خارجاً عن الفطرة.

بل قال بعض العلماء: إن مفسدة اللواط تلي مفسدة الكفر، وربما كانت أعظم من القتل، ولم يفعل هذه الفعلة قبل قوم لوط أحد من العالمين. قال تعالى: وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ [الأعراف: 80]. وقال تعالى: أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ [الشعراء: 165].

وقد قال أحد خلفاء بني أمية: لولا أن الله قص علينا قصة قوم لوط، ما ظننت أن ذكرًا يعلو ذكراً.

وقال ابن عباس ينظر أعلى ما في القرية من بنيان أو جبل، فيرمى اللوطي من فوقه منكساً.

وقد روى ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول. رواه أصحاب السنن.

وقد لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم من عمل عمل قوم لوط ثلاثاً، ولم يلعن أحداً من أهل الكبائر ثلاثا إلاّ من فعل هذا.

وقد عاقب الله عز وجل قوم لوط بعقوبة مزدوجة، فخسف بهم الأرض، فجعل عاليها سافلها، ثم أرسل عليهم حجارة من سجيل منضود، مسومة عند ربك، وما هي من الظالمين ببعيد.

في حين عاقب فرعون وقومه بالغرق فقط، وعاقب عادًا بالريح فقط، وثمود بالصيحة فقط. وفي هذا دليل على قبح المعصية وشناعتها، ومخالفتها للفطرة. قال تعالى: فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ [الروم: 30]، وقال صلى الله عليه وسلم: كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه. متفق عليه.

وفي الحديث القدسي: وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم... رواه مسلم.

ومن تأمل النصوص السابقة يعلم يقيناً أن الله تعالى خلق الخلق أسوياء على الفطرة، وأن من تنكب عن هذه الفطرة فبما كسبت يداه، وبتفريط منه باتباعه خطوات الشيطان، وبسبب ما يحيط به من مؤثرات وعوامل بيئية فاسدة مفسدة.

فإذا كان الذي أنت عليه خلقاً، فاعلم أن الأخلاق أكثرها مكتسب، وقد روى البيهقي في شعب الإيمان عن أبي الدرداء قال: إنما العلم بالتعلم، والحلم بالتحلم، ومن يتحر الخير يعطه، ومن يتوق الشر يوقه.

ومن أكثر من شيء عرف به، ولذلك عليك بمجاهدة نفسك للتغلب على هذا الخلق الذميم، والمعصية القبيحة، واسلك السبل الصحيحة اللازمة لترك هذا الخلق.

وإذا كان هذا مرضاً، فقد قال صلى الله عليه وسلم: تداووا، فإن الله لم يضع داء إلا وضع له دواء، غير داء واحد: الهرم. رواه أحمد وأبو داود والترمذي.

فليس من داء إلا وله علاج، إلا داء الهرم وهو: الشيخوخة.

وعلاج ما أنت فيه يكون بأمور:

1- أن تتوب إلى الله توبة صادقة، وتندم على تفريطك في حق الله، وتعزم على الإقلاع عن هذه المعصية، ومن تاب تاب الله عليه.

2- أن تشغل وقتك بطاعة الله، وكثرة ذكره سبحانه وتعالى، فبطاعة الله يحيا المرء حياة طيبة، ومن كان مع الله كان الله معه. قال تعالى: مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً [النحل: 97]. وقال تعالى: فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى [طه: 123]. وبذكر الله يعمر القلب ويطمئن. قال تعالى: فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ [البقرة: 152].

وفي الحديث القدسي: أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم، وإن تقرب إلي شبراً تقربت إليه ذراعاً، وإن تقرب إلى ذراعاً تقربت إليه باعاً، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة. متفق عليه.

3- أن تصاحب الصالحين وتتقرب منهم ومن مجالسهم، وعليك بترك مخالطة أهل البطالة والسوء، فإن المرء يتأثر -ولا بد- بأخلاق من يخالطه. قال صلى الله عليه وسلم: المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل. رواه أحمد وأبو داود والترمذي.

وقال صلى الله عليه وسلم: مثل الجليس الصالح، والجليس السوء، كمثل صاحب المسك وكير الحداد، لا يعدمك من صاحب المسك إما: أن تشتريه، أو تجد ريحه، وكير الحداد: يحرق بدنك أو ثوبك، أو تجد منه ريحاً خبيثة. رواه البخاري ومسلم، واللفظ للبخاري.

4- سد المنافذ والأبواب الموصلة إلى تلك الفاحشة، ويكون ذلك بغض البصر عن المردان، فإن النظر إلى الشاب الأمرد بشهوة يحرم باتفاق أهل العلم. قال تعالى: قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ [النور: 30]. وعدم الخلوة بهم، والبعد عن المثيرات.

5- عليك بالدعاء والالتجاء إلى الله تعالى، والانكسار أمام الخالق، وتذكر يوم الحساب، فإن في تذكر يوم الحساب، وتذكر الوقوف بين يدي الخالق الجبار رادع لك عن المعصية.

6- زيارة القبور وتذكر الموتى، وتخيل نفسك وأنت في عدادهم، وقد فارقت الدنيا، وتركت لذاتها وشهواتها، وفني كل ذلك وبقي الإثم والعار.

وننبهك إلى أن الإقدام على هذا الشذوذ مع أنك متزوج، وعندك ثلاثة أطفال أعظم وأشد جرماً، مع العلم بأن من يفعل اللواط لا تكون زوجته محرمة عليه.

وما دمت أنك قد ندمت ندماً شديداً، وتبت توبة نصوحاً، فنسأل الله أن يثبتك على الخير، ويتقبل توبتك، وأن لا تعود إلى ذلك أبداً.

والله أعلم.

مواد ذات صلة

الفتاوى

الصوتيات

المكتبة

بحث عن فتوى

يمكنك البحث عن الفتوى من خلال البريد الإلكتروني