الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
ذِكْرُ عَوْدِ أَلْدِزَ إِلَى غَزْنَةَ لَمَّا سَارَ جَلَالُ الدِّينِ عَنْ غَزْنَةَ ، وَأَقَامَ بِهَا أَخُوهُ عَلَاءُ الدِّينِ ، جَمَعَ أَلْدِزُ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْأَتْرَاكِ عَسْكَرًا كَثِيرًا وَعَادُوا إِلَى غَزْنَةَ ، فَوَصَلُوا إِلَى كِلْوَاذَا فَمَلَكُوهَا وَقَتَلُوا جَمَاعَةً مِنَ الْغُورِيَّةِ ، وَوَصَلَ الْمُنْهَزِمُونَ مِنْهَا إِلَى كَرْمَانَ ، فَسَارَ أَلْدِزُ إِلَيْهِمْ ، وَجَعَلَ عَلَى مُقَدَّمِهِ مَمْلُوكًا كَبِيرًا مِنْ مَمَالِيكِ شِهَابِ الدِّينِ ، اسْمُهُ أَيْ دِكْزِ الْتَتَرِ ، فِي أَلْفَيْ فَارِسٍ مِنَ الْخُلْجِ وَالْأَتْرَاكِ وَالْغُزِّ وَالْغُورِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ . وَكَانَ بِكَرْمَانَ عَسْكَرٌ لِعَلَاءِ الدِّينِ مَعَ أَمِيرٍ يُقَالُ لَهُ ابْنُ الْمُؤَيَّدِ ، وَمَعَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الْأُمَرَاءِ مِنْهُمْ أَبُو عَلِيِّ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ سَيْسَ وَهُوَ وَأَبُوهُ مِنْ أَعْيَانِ الْغُورِيَّةِ ، وَكَانَا مُشْتَغِلَيْنِ بِاللَّعِبِ وَاللَّهْوِ وَالشُّرْبِ ، لَا يَفْتُرَانِ عَنْ ذَلِكَ فَقِيلَ لَهُمَا : إِنَّ عَسْكَرَ الْأَتْرَاكِ قَدْ قَرُبُوا مِنْكُمْ فَلَمْ يَلْتَفِتَا إِلَى ذَلِكَ ، وَلَا تَرَكَا مَا كَانَا عَلَيْهِ ، فَهَجَمَ عَلَيْهِمْ أَيْ دِكْزُ الْتَتَرِ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْأَتْرَاكِ فَلَمْ يُمْهِلْهُمْ يَرْكَبُونَ خُيُولَهُمْ ، فَقُتِلُوا عَنْ آخِرِهِمْ ، مِنْهُمْ مَنْ قُتِلَ فِي الْمَعْرَكَةِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ قُتِلَ صَبْرًا ، وَلَمْ يَنْجُ إِلَّا مَنْ تَرَكَهُ الْأَتْرَاكُ عَمْدًا . وَلَمَّا وَصَلَ أَلْدِزُ فَرَأَى أُمَرَاءَ الْغُورِيَّةِ كُلَّهُمْ قَتْلَى قَالَ : كُلُّ هَؤُلَاءِ قَاتَلُونَا ؟ فَقَالَ أَيْ دِكْزُ الْتَتَرِ : لَا بَلْ قَتَلْنَاهُمْ صَبْرًا فَلَامَهُ عَلَى ذَلِكَ ، وَوَبَّخَهُ ، وَأُحْضِرَ رَأْسُ ابْنِ الْمُؤَيَّدِ بَيْنَ يَدَيْهِ ، فَسَجَدَ شُكْرًا لِلَّهِ - تَعَالَى - ، وَأَمَرَ بِالْمَقْتُولِينَ فَغُسِّلُوا وَدُفِنُوا ، وَكَانَ فِي جُمْلَةِ الْقَتْلَى أَبُو عَلِيِّ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ سَيْسَ . وَوَصَلَ الْخَبَرُ إِلَى غَزْنَةَ فِي الْعِشْرِينَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ ، فَصَلَبَ عَلَاءُ الدِّينِ الَّذِي جَاءَ بِالْخَبَرِ ، فَتَغَيَّمَتِ السَّمَاءُ ، وَجَاءَ مَطَرٌ شَدِيدٌ خَرَّبَ بَعْضَ غَزْنَةَ ، وَجَاءَ بَعْدَهُ بَرَدٌ كِبَارٌ مِثْلُ بَيْضِ الدَّجَاجِ ، فَضَجَّ النَّاسُ إِلَى عَلَاءِ الدِّينِ بِإِنْزَالِ الْمَصْلُوبِ ، فَأَنْزَلَهُ آخِرَ النَّهَارِ فَانْكَشَفَتِ الظُّلْمَةُ ، وَسَكَنَ مَا كَانُوا فِيهِ . وَمَلَكَ أَلْدِزُ كَرْمَانَ ، وَأَحْسَنَ إِلَى أَهْلِهَا ، وَكَانُوا فِي ضُرٍّ شَدِيدٍ مَعَ أُولَئِكَ . وَلَمَّا صَحَّ الْخَبَرُ عِنْدَ عَلَاءِ الدِّينِ أَرْسَلَ وَزِيرَهُ الصَّاحِبَ إِلَى أَخِيهِ جَلَالِ الدِّينِ فِي بَامِيَانَ يُخْبِرُهُ بِحَالِ أَلْدِزَ ، وَيَسْتَنْجِدُهُ ، وَكَانَ قَدْ أَعَدَّ الْعَسَاكِرَ لِيَسِيرَ إِلَى بَلْخَ يُرْحِلُ عَنْهَا خُوَارِزْمَ شَاهْ ، فَلَمَّا أَتَاهُ هَذَا الْخَبَرُ تَرَكَ بَلْخَ وَسَارَ إِلَى غَزْنَةَ ، وَكَانَ أَكْثَرُ عَسْكَرِهِ مِنَ الْغُورِيَّةِ قَدْ فَارَقُوهُ ، وَفَارَقُوا أَخَاهُ ، وَقَصَدُوا غِيَاثَ الدِّينِ ، فَلَمَّا كَانَ أَوَاخِرُ ذِي الْحِجَّةِ وَصَلَ أَلْدِزُ إِلَى غَزْنَةَ ، وَنَزَلَ هُوَ وَعَسْكَرُهُ بِإِزَاءِ قَلْعَةِ غَزْنَةَ ، وَحَصَرَ عَلَاءَ الدِّينِ ، وَجَرَى بَيْنَهُمْ قِتَالٌ شَدِيدٌ ، وَأَمَرَ أَلْدِزُ فَنُودِيَ فِي الْبَلَدِ بِالْأَمَانِ ، وَتَسْكِينِ النَّاسِ مِنْ أَهْلِ الْبَلَدِ وَالْغُورِيَّةِ وَعَسْكَرِ بَامِيَانَ ، وَأَقَامَ أَلْدِزُ مُحَاصِرًا لِلْقَلْعَةِ ، فَوَصَلَ جَلَالُ الدِّينِ فِي أَرْبَعَةِ آلَافٍ مِنْ عَسْكَرِ بَامِيَانَ وَغَيْرِهِمْ ، فَرَحَلَ أَلْدِزُ إِلَى طَرِيقِهِمْ ، وَكَانَ مُقَامُهُ إِلَى أَنْ سَارَ إِلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ يَوْمًا ، فَلَمَّا سَارَ أَلْدِزُ سَيَّرَ عَلَاءُ الدِّينِ مَنْ كَانَ عِنْدَهُ مِنَ الْعَسْكَرِ ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَأْتُوا أَلْدِزَ مِنْ خَلْفِهِ ، وَيَكُونَ أَخُوهُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ ، فَلَا يَسْلَمُ مِنْ عَسْكَرِهِ أَحَدٌ . فَلَمَّا خَرَجُوا مِنَ الْقَلْعَةِ سَارَ سُلَيْمَانُ بْنُ سَيْسَ الْغُورِيُّ إِلَى غِيَاثِ الدِّينِ بِفَيْرُوزَكُوه ، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَيْهِ أَكْرَمَهُ وَعَظَّمَهُ ، وَجَعَلَهُ أَمِيرَ دَاذَ فَيْرُوزَكُوه ، وَكَانَ ذَلِكَ فِي صَفَرٍ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَسِتِّمِائَةٍ . وَأَمَّا أَلْدِزُ فَإِنَّهُ سَارَ إِلَى طَرِيقِ جَلَالِ الدِّينِ ، فَالْتَقَوْا بِقَرْيَةِ بَلَقَ ، فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا صَبَرُوا فِيهِ ، فَانْهَزَمَ جَلَالُ الدِّينِ وَعَسْكَرُهُ ، وَأُخِذَ جَلَالُ الدِّينِ أَسِيرًا ، وَأُتِيَ بِهِ إِلَى أَلْدِزَ ، فَلَمَّا رَآهُ تَرَجَّلَ وَقَبَّلَ يَدَهُ ، وَأَمَرَ بِالِاحْتِيَاطِ عَلَيْهِ ، وَعَادَ إِلَى غَزْنَةَ وَجَلَالُ الدِّينِ مَعَهُ وَأَلْفُ أَسِيرٍ مِنَ الْبَامِيَانِيَّةِ ، وَغَنِمَ أَصْحَابُهُ أَمْوَالَهُمْ . وَلَمَّا عَادَ إِلَى غَزْنَةَ أَرْسَلَ إِلَى عَلَاءِ الدِّينِ يَقُولُ لَهُ لِيُسَلِّمَ الْقَلْعَةَ إِلَيْهِ . وَإِلَّا قَتَلَ مَنْ عِنْدَهُ مِنَ الْأَسْرَى ، فَلَمْ يُسَلِّمْهَا ، فَقَتَلَ مِنْهُمْ أَرْبَعَمِائَةِ أَسِيرٍ بِإِزَاءِ الْقَلْعَةِ ، فَلَمَّا رَأَى عَلَاءُ الدِّينِ ذَلِكَ أَرْسَلَ مُؤَيَّدَ الْمُلْكِ يَطْلُبُ الْأَمَانَ ، فَأَمَّنَهُ أَلْدِزُ ، فَلَمَّا خَرَجَ قَبَضَ عَلَيْهِ وَوَكَّلَ بِهِ وَبِأَخِيهِ مَنْ يَحْفَظُهُمَا ، وَقَبَضَ عَلَى وَزِيرِهِ عِمَادِ الْمُلْكِ لِسُوءِ سِيرَتِهِ ، وَكَانَ هِنْدُوخَانُ بْنُ مَلِكْشَاهْ بْنِ خُوَارِزْمَ شَاهْ تُكُشَ مَعَ عَلَاءِ الدِّينِ بِقَلْعَةِ غَزْنَةَ ، فَلَمَّا خَرَجَ مِنْهَا قَبَضَ عَلَيْهِ أَيْضًا ، وَكَتَبَ إِلَى غِيَاثِ الدِّينِ بِالْفَتْحِ ، وَأَرْسَلَ إِلَيْهِ الْأَعْلَامَ وَبَعْضَ الْأَسْرَى .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية