الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
وَلَوْ وَكَّلَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ لَهُ كُرَّ حِنْطَةٍ مِنْ الْفُرَاتِ ، فَاشْتَرَاهَا ، وَاسْتَأْجَرَ بَعِيرًا لِحَمْلِهِ عَلَيْهِ - لَمْ يَكُنْ الْكِرَاءُ عَلَى الْآمِرِ فِي الْقِيَاسِ ; لِأَنَّ وُجُوبَ الْكِرَاءِ بِعَقْدٍ آخَرَ سِوَى الْعَقْدِ الَّذِي أَمَرَهُ بِهِ ، فَكَانَ مُتَبَرِّعًا فِي حَمْلِهِ بِمَنْزِلَةِ أَجْنَبِيٍّ آخَرَ ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ أَمَرَهُ بِالشِّرَاءِ مِنْ السُّوقِ فَاشْتَرَاهُ ، ثُمَّ حَمَلَهُ إلَى مَنْزِلِهِ بِكِرَاءٍ كَانَ مُتَبَرِّعًا فِيهِ ، فَكَذَلِكَ هَذَا ، وَفِي الِاسْتِحْسَانِ يَرْجِعُ عَلَى الْآمِرِ بِالْكِرَاءِ ; لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِحَمْلِهِ دَلَالَةً ، فَإِنَّهُ أَمَرَهُ بِالشِّرَاءِ مِنْ الْفُرَاتِ ، وَلَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَتْرُكَهُ هُنَاكَ بَعْدَ الشِّرَاءِ ، فَإِنَّ الْحِنْطَةَ تُحْمَلُ فِي السُّفُنِ إلَى بَغْدَادَ ، فَتُشْتَرَى ثَمَّةَ ، وَتُنْقَلُ إلَى الْمَنَازِلِ ; إذْ لَا يَبْقَى هُنَاكَ بِاللَّيْلِ أَحَدٌ يَحْفَظُهَا ، وَلَيْسَ هُنَاكَ حَانُوتٌ تُحْفَظُ فِيهِ ، فَلَمَّا أَمَرَهُ بِالشِّرَاءِ مَعَ عِلْمِهِ بِهَذَا ; صَارَ الْآمِرُ آمِرًا لَهُ بِالنَّقْلِ دَلَالَةً ، وَالنَّقْلُ لَا يَتَأَتَّى إلَّا بِالْكِرَاءِ ، وَكَأَنَّهُ أَمَرَهُ بِهَذَا الِاسْتِئْجَارِ ، بِخِلَافِ مَا لَوْ أَمَرَهُ بِالشِّرَاءِ مِنْ السُّوقِ . تَوْضِيحُهُ : أَنَّ الْوَكِيلَ مُضْطَرٌّ فِي هَذَا النَّقْلِ ، فَإِنَّهُ لَوْ تَرَكَهُ هُنَاكَ يَكُونُ مُضَيِّعًا لَهُ ، فَلَمْ يَكُنْ مُتَبَرِّعًا فِي هَذَا النَّقْلِ ، بِخِلَافِ مَا إذَا اشْتَرَاهُ مِنْ السُّوقِ ، فَإِنَّهُ غَيْرُ مُضْطَرٍّ إلَى نَقْلِهِ ; لِتَمَكُّنِهِ مِنْ التَّرْكِ فِي حَانُوتِ الْبَائِعِ ، وَإِنْ كَانَ الْآمِرُ أَمَرَهُ أَنْ يَسْتَأْجِرَ الْكُرَّ بِدِرْهَمٍ ، فَاسْتَأْجَرَ لَهُ بِدِرْهَمٍ وَنِصْفٍ ; لَمْ يَكُنْ عَلَى الْآمِرِ مِنْ الْكِرَاءِ شَيْءٌ ; لِأَنَّ الْوَكِيلَ صَارَ مُخَالِفًا لَهُ ، فَكَانَ مُسْتَأْجِرًا لِنَفْسِهِ ، فَحَمْلُهُ عَلَى مَنْ اسْتَأْجَرَهُ لِنَفْسِهِ كَحَمْلِهِ عَلَى دَابَّةِ نَفْسِهِ ، وَلَوْ اسْتَأْجَرَهُ بِدِرْهَمٍ ; جَازَ عَلَى الْآمِرِ ، وَلَمْ يَكُنْ لِلْوَكِيلِ حَبْسُ الطَّعَامِ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ الْكِرَاءَ ; لِأَنَّ الْكِرَاءَ لَيْسَ بِعِوَضٍ عَنْ الطَّعَامِ ، وَإِنَّمَا يُحْبَسُ الطَّعَامُ بِبَدَلِهِ ، وَبَدَلُ الْكِرَاءِ هُنَا مَنْفَعَةُ الدَّابَّةِ فِي الْحَمْلِ ، وَقَدْ تَلَاشَتْ وَلَيْسَ لِلْحَمْلِ أَثَرٌ قَائِمٌ فِي الْمَحْمُولِ ، فَلَا يُحْبَسُ الْمَحْمُولُ بِهِ ، بِخِلَافِ الْخِيَاطَةِ وَالْقِصَارَةِ ، فَإِنَّ أَثَرَ فِعْلِ الْخَيَّاطِ وَالْقَصَّارِ قَائِمٌ فِي الثَّوْبِ ، فَلَهُ أَنْ يَمْنَعَهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ الْأُجْرَةَ .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية