الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                جزء صفحة
                                                معاني الآثار 6969 6970 ص: وَبِمَا قَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - "إِنَّ الْمَيِّتَ يُعَذِّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ". حَدَّثَنَا رَبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْجِيزِيُّ، قَالَ: ثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْأَزْرَقِيُّ، قَالَ: ثَنَا عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ الْوَرْدِ ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ أَبَى مُلَيْكَةَ يَقُولُ: " لَمَّا مَاتَتْ أُمُّ أَبَانَ بِنْتُ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ، حَضَرْتُ مَعَ النَّاسِ، فَجَلَسْتُ بَيْنَ يَدَيْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو 5 وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ، - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - فَبَكَى النِّسَاءُ، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: أَلَا تَنْهَى هَؤُلَاءِ عَنِ الْبُكَاءِ؟ إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- يَقُولُ: إِنَّ الْمَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبَعْضِ بُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: : قَدْ كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يَقُولُ ذَلِكَ، فَخَرَجْتُ مَعَ عُمَرَ حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالْبَيْدَاءِ، إِذَا رَكْبٌ، فَقَالَ: يَا ابْنَ عَبَّاسٍ ، مَنِ الرَّكْبُ؟ فَذَهَبْتُ فَإِذَا هُوَ صُهَيْبٌ وَأَهْلُهُ، فَرَجَعْتُ فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، هَذَا صُهَيْبٌ وَأَهْلُهُ، فَلَمَّا دَخَلْنَا الْمَدِينَةَ، ، وَأُصِيبَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - جَلَسَ صُهَيْبٌ يَبْكِي عَلَيْهِ وَيَقُولُ: وَاحُبَّاهُ، وَاصَاحِبَاهُ، فَقَالَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لَا تَبْكِ؛ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- يَقُولُ: إِنَّ الْمَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبَعْضِ بُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ. قَالَ: فَذُكِرَ ذَلِكَ لِعَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - فَقَالَتْ: أَمَ وَاللَّهِ مَا تُحَدِّثُونَ هَذَا الْحَدِيثَ عَنِ الْكَاذِبِينَ، وَلَكِنَّ السَّمْعَ يُخْطِئُ، وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْقُرْآنِ لَمَا يَشْفِيكُمْ: أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَلَكِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- قَالَ: إِنَّ اللَّهَ -عَزَّ وَجَلَّ- لَيَزِيدُ الْكَافِرَ عَذَابًا بِبُكَاءِ بَعْضِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ". حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرَةَ، قَالَ: ثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ . . . . ، فَذَكَرَ نَحْوَهُ، غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْهُ قِصَّةَ صُهَيْبٍ . - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -. قَالُوا: فَلَمَّا كَانَ الْمَيِّتُ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ؛ كَانَ بُكَاؤُهُمْ عَلَيْهِ مَكْرُوهًا لَهُمْ. شرح معاني الآثار ش: أَيْ وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ -عَلَيْهِ السَّلَامُ-. . . . إِلَى آخِرِهِ. وَأَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقَيْنِ صَحِيحَيْنِ: الْأَوَّلُ: عَنْ رَبِيعِ بْنِ سُلَيْمَانَ الْجِيزِيِّ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ بْنِ الْأَزْرَقِ الْأَزْرَقِيِّ الْمَكِّيِّ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ ، عَنْ عَبْدِ الْجَبَّارِ بْنِ الْوَرْدِ بْنِ أَبِي الْوَرْدِ الْقُرَشِيِّ الْمَكِّيِّ، وَثَّقَهُ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ وَأَبُو دَاوُدَ وَرَوَى لَهُ وَالنَّسَائِيُّ . عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ الْمَكِّيِّ الْأَحْوَلِ قَاصِّ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ وَمُدَوِّنِهِ، رَوَى لَهُ الْجَمَاعَةُ. وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ فِي "مُسْنَدِهِ": ثَنَا إِسْمَاعِيلُ، ثَنَا أَيُّوبُ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ قَالَ: "كُنْتُ عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَنَحْنُ نَنْتَظِرُ جِنَازَةَ أُمِّ أَبَانَ ابْنَةِ عُثْمَانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَعِنْدَهُ عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ ، فَجَاءَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُودُهُ قَائِدُهُ، قَالَ: فَأَرَاهُ أَخْبَرَ بِمَكَانِ ابْنِ عُمَرَ ، فَجَاءَ حَتَّى جَلَسَ إِلَى جَنْبِي، وَكُنْتُ بَيْنَهُمَا، فَإِذَا صَوْتٌ مِنَ الدَّارِ، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -عَلَيْهِ السَّلَامُ-[يَقُولُ]: إِنَّ الْمَيِّتَ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ، فَأَرْسَلَهَا عَبْدُ اللَّهِ مُرْسَلَةً، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : كُنَّا مَعَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالْبَيْدَاءِ، إِذَا هُوَ بِرَجُلٍ نَازِلٍ فِي ظِلِّ شَجَرَةٍ، فَقَالَ لِي: انْطَلِقْ فَاعْلَمْ مَنْ ذَاكَ؟ فَانْطَلَقْتُ، فَإِذَا هُوَ صُهَيْبٌ ، فَرَجَعْتُ إِلَيْهِ، فَقُلْتُ: إِنَّكَ أَمَرْتَنِي أَنْ أَعْلَمَ لَكَ مَنْ ذَاكَ، وَإِنَّهُ صُهَيْبٌ ، فَقَالَ: مُرُوهُ فَلْيَلْحَقْ بِنَا، فَقُلْتُ: إِنَّ مَعَهُ أَهْلَهُ، قَالَ: وَإِنْ كَانَ مَعَهُ أَهْلُهُ -وَرُبَّمَا قَالَ أَيُّوبُ: مُرْهُ فَلْيَلْحَقْ بِنَا- فَلَمَّا بَلَغْنَا الْمَدِينَةَ لَمْ يَلْبَثْ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ أُصِيبَ، فَجَاءَ صُهَيْبٌ فَقَالَ: وَاأَخَاهُ، وَاصَاحِبَاهُ، فَقَالَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أَلَمْ تَعْلَمْ -أَوَلَمْ تَسْمَعْ أَوْ قَالَ: أَوَلَمْ تَسْمَعْ أَوَلَمْ تَعْلَمْ- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- قَالَ: إِنَّ الْمَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبَعْضِ بُكَاءِ أَهْلِهِ؟ فَأَمَّا عَبْدُ اللَّهِ فَأَرْسَلَهَا مُرْسَلَةً، وَأَمَّا عُمَرُ فَقَالَ بِبَعْضِ، فَأَتَيْتُ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -، فَذَكَرْتُ لَهَا قَوْلَ عُمَرَ ، فَقَالَتْ: لَا وَاللَّهِ مَا قَالَهُ رَسُولُ اللَّهِ -عَلَيْهِ السَّلَامُ-: إِنَّ الْمَيِّتَ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ، وَلَكِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- قَالَ: إِنَّ الْكَافِرَ لَيَزِيدُهُ اللَّهُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَذَابًا، وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى، وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ". قَالَ أَيُّوبُ: وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ : حَدَّثَنِي الْقَاسِمُ ، قَالَ: "لَمَّا بَلَغَ عَائِشَةَ قَوْلُ عُمَرَ وَابْنِ عُمَرَ قَالَتْ: إِنَّكُمْ لِتُحَدِّثُونِي عَنْ غَيْرِ كَاذَبَيْنِ وَلَا مُكَذِّبَيْنِ، وَلَكِنَّ السَّمْعَ يُخْطِئُ". الثَّانِي: عَنْ أَبِي بَكْرَةَ بَكَّارٍ الْقَاضِي ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ بَشَّارٍ الرَّمَادِيِّ ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ الْمَكِّيِّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ . . . . إِلَى آخِرِهِ. وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طُرُقٍ مُتَعَدِّدَةٍ نَحْوَ مَا رَوَاهُ أَحْمَدُ فِي "مُسْنَدِهِ"، مِنْهَا مَا رَوَاهُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ بِشْرٍ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ نَحْوَ رِوَايَةِ الطَّحَاوِيِّ هَذِهِ. قَوْلُهُ: "لَمَّا مَاتَتْ أُمَّ أَبَانَ " وَهِيَ بِنْتُ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ، وَأُمُّهَا رَمْلَةُ بِنْتُ شَيْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ قُصَيٍّ . قَوْلُهُ: "بِالْبَيْدَاءِ" وَهِيَ فِي اللُّغَةِ الْأَرْضُ الْوَاسِعَةُ، وَقَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ: الْبَيْدَاءُ الْمَفَازَةُ لَا شَيْءَ بِهَا، وَهِيَ هَاهُنَا اسْمُ مَوْضِعٍ مَخْصُوصٍ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ. قَوْلُهُ: "إِذَا رَكْبٌ" كَلِمَةُ "إِذَا" لِلْمُفَاجَأَةِ، وَالرَّكْبُ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ الْجَمْعِ كَنَفَرٍ وَرَهْطٍ، وَقِيلَ: هُوَ جَمْعُ رَاكِبٍ، كَصَاحِبٍ وَصَحْبٍ، وَالرَّاكِبُ فِي الْأَصْلِ هُوَ رَاكِبُ الْإِبِلِ خَاصَّةً، ثُمَّ اتَّسَعَ فِيهِ فَأُطْلِقَ عَلَى كُلِّ مَنْ يَرْكَبُ دَابَّةً. قَوْلُهُ: " وَاحِبَّاهُ، وَاصَاحِبَاهُ" كَلِمَةُ "وَا" لِلنُّدْبَةِ وَهِيَ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ تَكُونَ حَرْفَ نِدَاءٍ مُخْتَصًّا بِبَابِ النُّدْبَةِ، نَحْوَ: وَازَيْدَاهُ. وَالثَّانِي: أَنْ تَكُونَ اسْمًا لِلْعَجَبِ نَحْوَ: وَا بِأَبِي أَنْتِ وَفُوكِ الْأَشْنَبُ قَوْلُهُ: "أَمَ وَاللَّهِ"، أَصْلُهُ: أَمَا وَاللَّهِ، فَحُذِفَتِ الْأَلِفُ، وَهِيَ حَرْفُ اسْتِفْتَاحٍ بِمَنْزِلَةِ "أَلَا" وَتَكْثُرُ قَبْلَ الْقَسَمِ. وَقَالَ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ -عَلَيْهِ السَّلَامُ-: "إِنَّ الْمَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ" فَقَالَ قَائِلُونَ: مَعْنَاهُ أَنْ يُوصِيَ الْمَيِّتُ بِذَلِكَ. وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَاهُ أَنْ يُمْدَحَ فِي ذَلِكَ الْبُكَاءِ بِمَا كَانَ يُمْدَحُ بِهِ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ مِنَ الْفَتَكَاتِ وَالْغَدَرَاتِ وَمَا أَشْبَهَهَا مِنَ الْأَفْعَالِ الَّتِي هِيَ عِنْدَ اللَّهِ ذُنُوبٌ، فَهُمْ يَبْكُونَ لِفَقْدِهَا، وَيَمْدَحُونَهُ بِهَا، وَهُوَ مُعَذَّبٌ بِمَا يَبْكِي عَلَيْهِ بِهِ مِنْ أَهْلِهِ. وَقَالَ الْآخَرُونَ: الْبُكَاءُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَمَا كَانَ مِثْلُهُ مَعْنَاهُ النِّيَاحَةُ وَشِقُّ الْجُيُوبِ وَلَطْمُ الْخُدُودِ وَنَحْوُ هَذَا مِنَ النِّيَاحَةِ، وَأَمَّا بُكَاءُ الْعِبَرِ فَلَا، وَذَهَبَتْ عَائِشَةُ إِلَى أَنَّ أَحَدًا لَا يُعَذَّبُ بِفِعْلِ غَيْرِهِ، وَهُوَ أَمْرٌ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَبِقَوْلِهِ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- لِأَبِي [رِمْثَةَ] فِي ابْنِهِ: "إِنَّكَ لَا تَجْنِي عَلَيْهِ وَلَا يَجْنِي عَلَيْكِ". قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَمَّا مَا صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- مِنْ حَدِيثِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَالْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، وَغَيْرِهِمْ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- قَالَ: "يُعَذَّبُ الْمَيِّتُ بِمَا نِيحَ عَلَيْهِ" ذَكَرَهُ مُسْلِمٌ ، مَعَ مَا رُوِيَ مِنْ إِنْكَارِ عَائِشَةَ عَلَى ابْنِ عُمَرَ بِقَوْلِهَا أَيْضًا فِي حَدِيثٍ آخَرَ: "إِنَّكُمْ لَتُحَدِّثُونِ عَنْ غَيْرِ كَاذِبَيْنِ، عُمَرَ وَابْنِهِ، وَلَكِنَّ السَّمْعَ يُخْطِئُ" ذَكَرَهُ أَيْضًا مُسْلِمٌ . فَلِلْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ طَائِفَةً مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ذَهَبَتْ إِلَى تَصْوِيبِ قَوْلِ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - فِي إِنْكَارِهَا عَلَى ابْنِ عُمَرَ ، فَمِنْهُمُ الشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ. قَالَ أَبُو عُمَرَ : وَهُوَ عِنْدِي تَحْصِيلُ مَذْهَبِ مَالِكٍ ؛ لِأَنَّهُ ذَكَرَ حَدِيثَ عَائِشَةَ فِي "مُوَطَّإِهِ" وَلَمْ يَذْكُرْ خِلَافَهُ عَنْ أَحَدٍ. قَالَ الشَّافِعِيُّ : أُرَخِّصُ فِي الْبُكَاءِ عَلَى الْمَيِّتِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ بِلَا نِيَاحَةٍ، لِمَا فِي النِّيَاحَةِ مِنْ تَجْدِيدِ الْحُزْنِ، وَمَنْعِ الصَّبْرِ، وَعِظَمِ الْإِثْمِ، ثُمَّ قَالَ: وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : اللَّهُ أَضْحَكَ وَأَبْكَى. قَالَ الشَّافِعِيُّ : فَمَا رَوَتْهُ عَائِشَةُ وَذَهَبَتْ إِلَيْهِ أَشْبَهُ بِدَلَالَةِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَاسْتَدَلَّ بِحَدِيثِ أَبِي رِمْثَةَ، وَبُقُولِهِ -عَزَّ وَجَلَّ-: لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى وَبِقَوْلِهِ: وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى قَالَ: وَمَا زِيدَ فِي عَذَابِ الْكَافِرِ فَبِاسْتِحْبَابِهِ لَا بِذَنْبِ غَيْرِهِ. وَقَالَ: آخَرُونَ، مِنْهُمْ دَاوُدُ بْنُ عَلِيٍّ وَأَصْحَابُهُ: مَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَالْمُغِيرَةَ أَوْلَى مِنْ قَوْلِ عَائِشَةَ وَرِوَايَتِهَا، قَالُوا: وَلَا يَجُوزُ أَنْ تُدْفَعَ رِوَايَةُ الْعَدْلِ بِمِثْلِ هَذَا الِاعْتِرَاضِ؛ لِأَنَّ مَنْ رَوَى وَسَمِعَ أَثْبَتُ حُجَّةً عَلَى مَنْ نَفَى وَجَهَّلَ. قَالُوا: وَقَدْ صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- أَنَّهُ نَهَى عَنِ النِّيَاحَةِ نَهْيًا مُطْلَقًا ، وَلَعَنَ النَّائِحَةَ وَالْمُسْتَمِعَةَ، وَحَرَّمَ أُجْرَةَ النَّائِحَةِ، وَقَالَ: "لَيْسَ مِنَّا مَنْ حَلَقَ وَسَلَقَ، وَلَيْسَ مِنَّا مَنْ لَطَمَ الْخُدُودَ، وَشَقَّ الْجُيُوبَ، وَدَعَى بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ". قَالُوا: وَقَدْ قَالَ اللَّهُ [تَعَالَى -عَزَّ وَجَلَّ-]: وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا فَوَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يُعْلِمَ أَهْلَهُ مَا بِهِمُ الْحَاجَةُ إِلَيْهِ مِنْ أَمْرِ دِينِهِمْ وَيَأْمُرُهُمْ بِهِ، وَوَاجِبٌ عَلَيْهِ أَنْ يَنْهَاهُمْ عَنْ كُلِّ مَا لَا يَحِلُّ لَهُمْ وَيُوقِفَهُمْ عَلَيْهِ وَيَمْنَعَهُمْ مِنْهُ، وَيُعَلِّمَهُمْ مُهِمَّ ذَلِكَ كُلِّهِ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ -عَزَّ وَجَلَّ-: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ قَالُوا: فَإِذَا عَلِمَ الرَّجُلُ الْمُسْلِمُ مَا جَاءَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- فِي النِّيَاحَةِ عَلَى الْمَيِّتِ وَالنَّهْيِ عَنْهُ وَالتَّشْدِيدِ فِيهَا، وَلَمْ يَنْهَ عَنْ ذَلِكَ أَهْلَهُ وَنِيحَ عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ، فَإِنَّمَا يُعَذَّبُ بِمَا نِيحَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ مَا أَمَرَ بِهِ مِنْ نَهْيِ أَهْلِهِ عَنْ ذَلِكَ وَأَمْرِهِ إِيَّاهُمْ بِالْكَفِّ عَنْهُ، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَإِنَّمَا يُعَذَّبُ بِفِعْلِ نَفْسِهِ وَذَنْبِهِ لَا بِذَنْبِ غَيْرِهِ، وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ مَا يُعَارِضُ قَوْلَ اللَّهِ -عَزَّ وَجَلَّ-: وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى فَكَأَنَّ مَا رَوَاهُ عُمَرُ وَابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ وَالْمُغِيرَةُ وَغَيْرُهُمْ صَحِيحُ الْمَعْنَى غَيْرُ مَدْفُوعٍ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ، انْتَهَى. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : قَدْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ فِي هَذَا عَلَى مَا ذَهَبَتْ عَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -؛ لِأَنَّهَا قَدْ رَوَتْ أَنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا كَانَ فِي شَأْنِ يَهُودِيٍّ، فَالْخَبَرُ الْمُفَسِّرُ أَوْلَى مِنَ الْمُجْمَلِ، ثُمَّ احْتَجَّتْ لَهُ بِالْآيَةِ، وَقَدْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَا رَوَاهُ ابْنُ عُمَرَ صَحِيحًا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ فِيهِ خِلَافٌ لِلْآيَةِ؛ وَذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا يُوصُونَ أَهْلَهُمْ بِالْبُكَاءِ وَالنَّوْحِ عَلَيْهِمْ، فَكَانَ ذَلِكَ مَشْهُورًا مِنْ مَذَاهِبِهِمْ، وَهُوَ مَوْجُودٌ فِي أَشْعَارِهِمْ، كَقَوْلِ الْقَائِلِ: إِذَا مُتُّ فَانْعِينِي بِمَا أَنَا أَهْلُهُ ... وَشُقِّي عَلَيَّ الْجَيْبَ يَا ابْنَةَ مَعْبَدِ وَكَقَوْلِ لَبِيدٍ : فَقُومَا وَقُولَا بِالَّذِي تَعْلَمَانِهِ ... وَلَا تَخْمِشَا وَجْهًا وَلَا تَحْلِقَا شَعَرْ وَقُولَا هُوَ الْمَرْءُ الَّذِي لَا صَدِيقَهُ ... أَضَاعَ وَلَا خَافَ الْأَمِيرَ وَلَا غَدَرْ إِلَى الْحَوْلِ ثُمَّ اسْمُ السَّلَامِ عَلَيْكُمَا ... وَمَنْ يَبْكِ حَوْلًا كَامِلًا فَقَدِ اعْتَذَرْ وَمِثْلُ هَذَا كَثِيرٌ فِي أَشْعَارِهِمْ، فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَالْمَيِّتُ إِنَّمَا تَلْزَمُهُ الْعُقُوبَةُ فِي ذَلِكَ بِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَمْرِهِ إِيَّاهُمْ بِذَلِكَ وَقْتَ حَيَاتِهِ، وَقَالَ -عَلَيْهِ السَّلَامُ-: "مَنْ سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا، وَمَنْ سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً فَعَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا". وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ: وَهُوَ أَنَّهُ مَخْصُوصٌ فِي بَعْضِ الْأَمْوَاتِ الَّذِينَ وَجَبَتْ عَلَيْهِمْ بِذُنُوبٍ اقْتَرَفُوهَا وَجَرَى مِنْ قَضَاءِ اللَّهِ فِيهِمْ أَنْ يَكُونَ عَذَابُهُ وَقْتَ الْبُكَاءِ عَلَيْهِمْ، وَيَكُونَ كَقَوْلِهِمْ: "مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا" أَيْ عِنْدَ نَوْءِ كَذَا؛ كَذَلِكَ قَوْلُهُ: "إِنَّ الْمَيِّتَ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ" أَيْ عِنْدَ بُكَائِهِمْ عَلَيْهِ، لِاسْتِحْقَاقِهِ ذَلِكَ بِذَنْبِهِ، وَيَكُونُ ذَلِكَ بِذَنْبِهِ، وَيَكُونُ ذَلِكَ حَالًا لَا سَبَبًا؛ لِأَنَّا لَوْ جَعَلْنَاهُ سَبَبًا لَكَانَ مُخَالِفًا لِلْقُرْآنِ، وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

                                                ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                الخدمات العلمية