الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                              جزء صفحة
                                                                                              صحيح مسلم 3048 [ 1728 ] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " مَثَلُ الَّذِي يَرْجِعُ فِي صَدَقَتِهِ كَمَثَلِ الْكَلْبِ يَقِيءُ ثُمَّ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ فَيَأْكُلُهُ". رَوَاهُ أَحْمَدُ ( 1 \ 217 وَ 349)، وَالْبُخَارِيُّ (2589)، وَمُسْلِمٌ (1622) (5)، وَالتِّرْمِذِيُّ (1298)، وَالنَّسَائِيُّ ( 6 \ 266 ). المفهم وَقَوْلُهُ: " مَثَلُ الَّذِي يَرْجِعُ فِي هِبَتِهِ كَمَثَلِ الْكَلْبِ يَقِيءُ ثُمَّ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ "، إِنْ كَانَ الْمُرَادُ بِالْهِبَةِ الصَّدَقَةَ كَمَا قَدْ جَاءَ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى فَقَدْ تَكَلَّمْنَا عَلَيْهَا، وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ مُطْلَقَ الْهِبَةِ فَهِيَ مَخْصُوصَةٌ؛ إِذْ يَخْرُجُ مِنْهَا الْهِبَةُ لِلثَّوَابِ وَهِبَةُ أَحَدِ الْأَبَوَيْنِ، فَأَمَّا هِبَةُ الثَّوَابِ فَقَدْ قَالَ بِهَا مَالِكٌ وَإِسْحَاقُ وَالطَّبَرِيُّ وَالشَّافِعِيُّ - فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ - إِذَا عَلِمَ أَنَّهُ قَصَدَ الثَّوَابَ إِمَّا بِالتَّصْرِيحِ بِهِ وَإِمَّا بِالْعَادَةِ وَالْقَرَائِنِ كَهِبَةِ الْفَقِيرِ لِلْغَنِيِّ وَالرَّجُلِ لِلْأَمِيرِ، وَبِهَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إِذَا شَرَطَ الثَّوَابَ، وَكَذَلِكَ قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْقَوْلِ الْآخَرِ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُمَا وَعَنْ أَبِي ثَوْرٍ مَنْعَهَا مُطْلَقًا، وَرَأَوْا أَنَّهَا مِنَ الْبَيْعِ الْمَجْهُولِ الثَّمَنِ وَالْأَجَلِ، وَالْأَصْلُ فِي جَوَازِ هِبَةِ الثَّوَابِ مَا خَرَّجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " مَنْ وَهَبَ هِبَةً فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا مَا لَمْ يُثَبْ مِنْهَا "، قَالَ: رُوَاتُهُ كُلُّهُمْ ثِقَاتٌ. وَالصَّوَابُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنْ عُمَرَ قَوْلُهُ، وَمَا خَرَّجَهُ مَالِكٌ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: مَنْ وَهَبَ هِبَةً لِصِلَةِ الرَّحِمِ أَوْ عَلَى وَجْهِ الصَّدَقَةِ أَنَّهُ لَا يَرْجِعُ فِيهَا، وَمَنْ وَهَبَ هِبَةً يَرَى أَنَّهُ إِنَّمَا أَرَادَ بِهَا الثَّوَابَ، فَهُوَ عَلَى هِبَتِهِ يَرْجِعُ فِيهَا مَا لَمْ يَرْضَ مِنْهَا، وَمَا خَرَّجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: أَهْدَى رَجُلٌ مِنْ بَنِي فَزَارَةَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَاقَةً فَعَوَّضَهُ مِنْهَا بَعْضَ الْعِوَضِ، فَتَسَخَّطَهُ. وَفِي رِوَايَةٍ: أَهْدَى لَهُ بَكْرَةً فَعَوَّضَهُ سِتَّ بَكَرَاتٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْمِنْبَرِ: " إِنَّ رِجَالًا مِنَ الْعَرَبِ يُهْدِي أَحَدُهُمُ الْهَدِيَّةَ فَأُعَوِّضُهُ مِنْهَا بِقَدْرِ مَا عِنْدِي، فَيَظَلُّ يَتَسَخَّطُ عَلَيَّ ! وَايْمُ اللَّهِ لَا أَقْبَلُ بَعْدَ يَوْمِي هَذَا مِنْ رَجُلٍ مِنَ الْعَرَبِ هَدِيَّةً إِلَّا مِنْ قُرَشِيٍّ أَوْ أَنْصَارِيٍّ أَوْ ثَقَفِيٍّ أَوْ دَوْسِيٍّ " . وَهَذَا الْحَدِيثُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ إِسْنَادُهُ بِالْقَوِيِّ فَيُعَضِّدُهُ كُلُّ مَا تَقَدَّمَ، وَمَا حَكَاهُ مَالِكٌ مِنْ أَنَّ هِبَةَ الثَّوَابِ مُجْتَمَعٌ عَلَيْهَا عِنْدَهُمْ، وَكَيْفَ لَا تَجُوزُ وَهِيَ مُعَاوَضَةٌ تُشْبِهُ الْبَيْعَ فِي جَمِيعِ وُجُوهِهِ إِلَّا وَجْهًا وَاحِدًا ! وَهُوَ أَنَّ الْعِوَضَ فِيهَا غَيْرُ مَعْلُومٍ حَالَةَ الْعَقْدِ، وَإِنَّمَا سَامَحَ الشَّرْعُ فِي هَذَا الْقَدْرِ لِأَنَّهُمَا دَخَلَا فِي ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ الْمُكَارَمَةِ لَا الْمُشَاحَّةِ، فَعَفَا عَنْ تَعْيِينِ الْعِوَضِ فِيهِ كَمَا فَعَلَ فِي نِكَاحِ التَّفْوِيضِ. وَأَمَّا هِبَةُ الْأَبِ لِوَلَدِهِ فَلِلْأَبِ الرُّجُوعُ فِيهَا، وَإِلَى ذَلِكَ ذَهَبَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَقَدِ اتَّفَقَ هَؤُلَاءِ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ لِلْأَبِ، وَهَلْ يَلْحَقُ بِالْأَبِ الْأُمُّ وَالْجَدُّ؟ اخْتَلَفَ فِي ذَلِكَ قَوْلُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ ؛ فَفِي قَوْلٍ: يُقْصَرُ ذَلِكَ عَلَى الْأَبِ. وَفِي قَوْلٍ آخَرَ: إِلْحَاقُهُمَا بِهِ. وَالْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ إِلْحَاقُ الْأُمِّ، وَمِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ إِلْحَاقُ الْأُمِّ وَالْأَجْدَادِ وَالْجَدَّاتِ مُطْلَقًا، وَالْأَصْلُ فِي هَذَا الْبَابِ مَا خَرَّجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: " لَا يَحِلُّ لِرَجُلٍ يُعْطِي عَطِيَّةً يَرْجِعُ فِيهَا إِلَّا الْوَالِدُ فِيمَا يُعْطِي وَلَدَهُ، وَمَثَلُ الَّذِي يُعْطِي عَطِيَّةً ثُمَّ يَرْجِعُ فِيهَا كَمَثَلِ الْكَلْبِ أَكَلَ حَتَّى إِذَا شَبِعَ قَاءَ ثُمَّ عَادَ فِي قَيْئِهِ "، وَهَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ. وَقَالَ مَالِكٌ : الْأَمْرُ الْمُجْتَمِعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا أَنَّ مَنْ أَعْطَى وَلَدَهُ عَطِيَّةً لَيْسَ بِصَدَقَةٍ أَنَّ لَهُ أَنْ يَعْتَصِرَهَا، مَا لَمْ يَسْتَحْدِثِ الْوَلَدُ دَيْنًا أَوْ يَنْكِحْ فَلَيْسَ لِلْأَبِ الِاعْتِصَارُ. وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ فِي إِلْحَاقِ غَيْرِ الْأَبِ بِالْأَبِ هُوَ أَنَّهُ هَلْ يَتَنَاوَلُ الْمُلْحَقَ اسْمُ الْأُبُوَّةِ أَوِ الْوَالِدِ أَمْ لَا؟ وَهَلْ هُمْ فِي مَعْنَى الْأَبِ أَوْ يُفَرَّقُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ؟ فَإِنَّ لِلْأَبِ مِنَ الْحَقِّ فِي مَالِ الْوَلَدِ مَا لَيْسَ لِغَيْرِهِ، وَلَهُ مِنْ خُصُوصِيَّةِ الْقُرْبِ مَا لَيْسَ لَهُمْ. قُلْتُ: أَمَّا إِلْحَاقُ الْأُمِّ فَلَا إِشْكَالَ فِيهِ، وَقَدْ أَوْغَلَ الشَّافِعِيُّ فِي اسْتِرْجَاعِ الْأَبِ لِمَا وَهَبَ، وَلَوْ تَعَلَّقَ بِالْوَلَدِ مِنَ الدَّيْنِ وَالتَّزْوِيجِ كُلُّ طَلَبٍ، وَلِلْأَبِ أَنْ يَعْتَصِرَهَا مِنْ كُلِّ مَنْ يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ وَلَدٍ حَقِيقَةً أَوْ مَجَازًا مِثْلَ وَلَدِهِ لِصُلْبِهِ وَوَلَدِ وَلَدَهِ مِنْ أَوْلَادِ الْبَنِينَ وَالْبَنَاتِ. وَحَمَلَتْ طَائِفَةٌ حَدِيثَ النَّهْيِ عَنِ الِارْتِجَاعِ فِي الْهِبَةِ عَلَى عُمُومِهِ، وَلَمْ يَسْتَثْنُوا مِنْ ذَلِكَ وَلَدًا وَلَا غَيْرَهُ، وَبِهِ قَالَ طَاوُوسٌ وَأَحْمَدُ ، وَالرُّجُوعُ عِنْدَهُمْ فِي الْهِبَةِ مُحَرَّمَ مُطْلَقًا، وَالْحُجَّةُ عَلَيْهِمْ مَا تَقَدَّمَ مِنَ الْحَدِيثِ وَعَمَلِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ الدَّالَّيْنِ عَلَى اسْتِثْنَاءِ الْأَبِ، وَقَالَتْ طَائِفَةٌ أُخْرَى: إِنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ النَّهْيِ مَنْ وَهَبَ لِذِي رَحِمٍ أَوْ زَوْجٍ فَلَا يَجُوزُ لَهُ الرُّجُوعُ، وَإِنْ وَهَبَ لِغَيْرِهِمْ جَازَ الرُّجُوعُ - وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ وَالنَّخَعِيِّ وَإِسْحَاقَ ، وَقَصَرَهُ أَبُو حَنِيفَةَ وَالْكُوفِيُّونَ عَلَى كُلِّ ذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ فَلَا رُجُوعَ لَهُ فِيمَا يَهَبُهُ لَهُمْ، وَيَرْجِعُ فِيمَا وَهَبَهُ لِغَيْرِهِمْ وَإِنْ كَانُوا ذَوِي رَحِمٍ. قُلْتُ: وَهَذِهِ تَحَكُّمَاتٌ عَلَى ذَلِكَ الْعُمُومِ، فَيَا لَلَّهِ مِنْ تِلْكَ الْفُهُومِ ! !

                                                                                              ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                              الخدمات العلمية