قوله :
nindex.php?page=tafseer&surano=5&ayano=54ياأيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم [ ص: 160 ] فيه أربع مسائل :
الأولى : قوله تعالى :
nindex.php?page=tafseer&surano=5&ayano=54من يرتد منكم عن دينه شرط وجوابه فسوف ، وقراءة
أهل المدينة والشام " من يرتدد " بدالين . الباقون " من يرتد " . وهذا من
nindex.php?page=treesubj&link=28899_28741_29629إعجاز القرآن والنبي صلى الله عليه وسلم : إذ أخبر عن ارتدادهم ولم يكن ذلك في عهده وكان ذلك غيبا ، فكان على ما أخبر بعد مدة ، وأهل الردة كانوا بعد موته صلى الله عليه وسلم . قال
ابن إسحاق :
nindex.php?page=treesubj&link=31194لما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ارتدت العرب إلا ثلاثة مساجد مسجد
المدينة ، ومسجد
مكة ،
ومسجد جؤاثى ، وكانوا في ردتهم على قسمين : قسم نبذ الشريعة كلها وخرج عنها ، وقسم نبذ وجوب الزكاة واعترف بوجوب غيرها ; قالوا نصوم ونصلي ولا نزكي ; فقاتل
الصديق جميعهم ; وبعث
خالد بن الوليد إليهم بالجيوش فقاتلهم وسباهم ; على ما هو مشهور من أخبارهم .
الثانية : قوله تعالى :
nindex.php?page=tafseer&surano=5&ayano=54فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه في موضع النعت . قال
الحسن وقتادة وغيرهما : نزلت في
أبي بكر الصديق وأصحابه ، وقال
nindex.php?page=showalam&ids=14468السدي : نزلت في
الأنصار . وقيل : هي إشارة إلى قوم لم يكونوا موجودين في ذلك الوقت ، وأن
أبا بكر قاتل أهل الردة بقوم لم يكونوا وقت نزول الآية ; وهم أحياء من
اليمن من
كندة وبجيلة ، ومن
أشجع ، وقيل : إنها نزلت في
الأشعريين ; ففي الخبر أنها لما نزلت قدم بعد ذلك بيسير سفائن
الأشعريين ، وقبائل
اليمن من طريق البحر ، فكان لهم بلاء في الإسلام في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكانت عامة فتوح
العراق في زمن
عمر رضي الله عنه على يدي قبائل
اليمن ; هذا أصح ما قيل في نزولها ، والله أعلم ، وروى
nindex.php?page=showalam&ids=14070الحاكم أبو عبد الله في " المستدرك " بإسناده : أن النبي صلى الله عليه وسلم أشار إلى
nindex.php?page=showalam&ids=110أبي موسى الأشعري لما نزلت هذه الآية فقال : ( هم قوم هذا ) قال
القشيري : فأتباع
أبي الحسن من قومه ; لأن كل موضع أضيف فيه قوم إلى نبي أريد به الأتباع .
الثالثة : قوله تعالى :
nindex.php?page=tafseer&surano=5&ayano=54أذلة على المؤمنين ( أذلة ) نعت لقوم ، وكذلك ( أعزة ) أي : يرأفون بالمؤمنين ويرحمونهم ويلينون لهم ; من قولهم : دابة ذلول أي : تنقاد سهلة ، وليس من الذل في شيء ، ويغلظون على الكافرين ويعادونهم . قال
ابن عباس : هم للمؤمنين كالوالد للولد والسيد للعبد ، وهم في الغلظة على الكفار كالسبع على فريسته ; قال الله تعالى :
nindex.php?page=tafseer&surano=48&ayano=29أشداء على الكفار رحماء بينهم ، ويجوز " أذلة " بالنصب على الحال ; أي : يحبهم ويحبونه في هذا الحال ، وقد تقدمت معنى محبة الله تعالى لعباده ومحبتهم له .
[ ص: 161 ] الرابعة :
nindex.php?page=tafseer&surano=5&ayano=54يجاهدون في سبيل الله في موضع الصفة أيضا .
nindex.php?page=tafseer&surano=5&ayano=54ولا يخافون لومة لائم بخلاف المنافقين يخافون الدوائر ; فدل بهذا على
nindex.php?page=treesubj&link=29668تثبيت إمامة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم ; لأنهم جاهدوا في الله عز وجل في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقاتلوا المرتدين بعده ، ومعلوم أن من كانت فيه هذه الصفات فهو ولي لله تعالى ، وقيل : الآية عامة في كل من يجاهد الكفار إلى قيام الساعة ، والله أعلم .
nindex.php?page=tafseer&surano=5&ayano=54ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء ابتداء وخبر ( واسع عليم ) أي : واسع الفضل ، عليم بمصالح خلقه .
قَوْلُهُ :
nindex.php?page=tafseer&surano=5&ayano=54يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ [ ص: 160 ] فِيهِ أَرْبَعُ مَسَائِلَ :
الْأُولَى : قَوْلُهُ تَعَالَى :
nindex.php?page=tafseer&surano=5&ayano=54مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ شَرْطٌ وَجَوَابُهُ فَسَوْفَ ، وَقِرَاءَةُ
أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَالشَّامِ " مَنْ يَرْتَدِدْ " بِدَالَيْنِ . الْبَاقُونَ " مَنْ يَرْتَدَّ " . وَهَذَا مِنْ
nindex.php?page=treesubj&link=28899_28741_29629إِعْجَازِ الْقُرْآنِ وَالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِذْ أَخْبَرَ عَنِ ارْتِدَادِهِمْ وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ فِي عَهْدِهِ وَكَانَ ذَلِكَ غَيْبًا ، فَكَانَ عَلَى مَا أَخْبَرَ بَعْدَ مُدَّةٍ ، وَأَهْلُ الرِّدَّةِ كَانُوا بَعْدَ مَوْتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَالَ
ابْنُ إِسْحَاقَ :
nindex.php?page=treesubj&link=31194لَمَّا قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ارْتَدَّتِ الْعَرَبُ إِلَّا ثَلَاثَةَ مَسَاجِدَ مَسْجِدِ
الْمَدِينَةِ ، وَمَسْجِدِ
مَكَّةَ ،
وَمَسْجِدِ جُؤَاثَى ، وَكَانُوا فِي رِدَّتِهِمْ عَلَى قِسْمَيْنِ : قِسْمٌ نَبَذَ الشَّرِيعَةَ كُلَّهَا وَخَرَجَ عَنْهَا ، وَقِسْمٌ نَبَذَ وُجُوبَ الزَّكَاةِ وَاعْتَرَفَ بِوُجُوبِ غَيْرِهَا ; قَالُوا نَصُومُ وَنُصَلِّي وَلَا نُزَكِّي ; فَقَاتَلَ
الصِّدِّيقُ جَمِيعَهُمْ ; وَبَعَثَ
خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ إِلَيْهِمْ بِالْجُيُوشِ فَقَاتَلَهُمْ وَسَبَاهُمْ ; عَلَى مَا هُوَ مَشْهُورٌ مِنْ أَخْبَارِهِمْ .
الثَّانِيَةُ : قَوْلُهُ تَعَالَى :
nindex.php?page=tafseer&surano=5&ayano=54فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ فِي مَوْضِعِ النَّعْتِ . قَالَ
الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ وَغَيْرُهُمَا : نَزَلَتْ فِي
أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ وَأَصْحَابِهِ ، وَقَالَ
nindex.php?page=showalam&ids=14468السُّدِّيُّ : نَزَلَتْ فِي
الْأَنْصَارِ . وَقِيلَ : هِيَ إِشَارَةٌ إِلَى قَوْمٍ لَمْ يَكُونُوا مَوْجُودِينَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ ، وَأَنَّ
أَبَا بَكْرٍ قَاتَلَ أَهْلَ الرِّدَّةِ بِقَوْمٍ لَمْ يَكُونُوا وَقْتَ نُزُولِ الْآيَةِ ; وَهُمْ أَحْيَاءٌ مِنَ
الْيَمَنِ مِنْ
كِنْدَةَ وَبَجِيلَةَ ، وَمِنْ
أَشْجَعَ ، وَقِيلَ : إِنَّهَا نَزَلَتْ فِي
الْأَشْعَرِيِّينَ ; فَفِي الْخَبَرِ أَنَّهَا لَمَّا نَزَلَتْ قَدِمَ بَعْدَ ذَلِكَ بِيَسِيرٍ سَفَائِنُ
الْأَشْعَرِيِّينَ ، وَقَبَائِلُ
الْيَمَنِ مِنْ طَرِيقِ الْبَحْرِ ، فَكَانَ لَهُمْ بَلَاءٌ فِي الْإِسْلَامِ فِي زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَكَانَتْ عَامَّةُ فُتُوحِ
الْعِرَاقِ فِي زَمَنِ
عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلَى يَدَيْ قَبَائِلَ
الْيَمَنِ ; هَذَا أَصَحُّ مَا قِيلَ فِي نُزُولِهَا ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ ، وَرَوَى
nindex.php?page=showalam&ids=14070الْحَاكِمُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ فِي " الْمُسْتَدْرَكِ " بِإِسْنَادِهِ : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَشَارَ إِلَى
nindex.php?page=showalam&ids=110أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فَقَالَ : ( هُمْ قَوْمُ هَذَا ) قَالَ
الْقُشَيْرِيُّ : فَأَتْبَاعُ
أَبِي الْحَسَنِ مِنْ قَوْمِهِ ; لِأَنَّ كُلَّ مَوْضِعٍ أُضِيفَ فِيهِ قَوْمٌ إِلَى نَبِيٍّ أُرِيدَ بِهِ الْأَتْبَاعُ .
الثَّالِثَةُ : قَوْلُهُ تَعَالَى :
nindex.php?page=tafseer&surano=5&ayano=54أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ( أَذِلَّةٍ ) نَعْتٌ لِقَوْمٍ ، وَكَذَلِكَ ( أَعِزَّةٍ ) أَيْ : يَرْأَفُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ وَيَرْحَمُونَهُمْ وَيَلِينُونَ لَهُمْ ; مِنْ قَوْلِهِمْ : دَابَّةٌ ذَلُولٌ أَيْ : تَنْقَادُ سَهْلَةً ، وَلَيْسَ مِنَ الذُّلِّ فِي شَيْءٍ ، وَيَغْلُظُونَ عَلَى الْكَافِرِينَ وَيُعَادُونَهُمْ . قَالَ
ابْنُ عَبَّاسٍ : هُمْ لِلْمُؤْمِنِينَ كَالْوَالِدِ لِلْوَلَدِ وَالسَّيِّدِ لِلْعَبْدِ ، وَهُمْ فِي الْغِلْظَةِ عَلَى الْكُفَّارِ كَالسَّبُعِ عَلَى فَرِيسَتِهِ ; قَالَ اللَّهُ تَعَالَى :
nindex.php?page=tafseer&surano=48&ayano=29أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ ، وَيَجُوزُ " أَذِلَّةً " بِالنَّصْبِ عَلَى الْحَالِ ; أَيْ : يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ فِي هَذَا الْحَالِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ مَعْنَى مَحَبَّةِ اللَّهِ تَعَالَى لِعِبَادِهِ وَمَحَبَّتِهِمْ لَهُ .
[ ص: 161 ] الرَّابِعَةُ :
nindex.php?page=tafseer&surano=5&ayano=54يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ فِي مَوْضِعِ الصِّفَةِ أَيْضًا .
nindex.php?page=tafseer&surano=5&ayano=54وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ بِخِلَافِ الْمُنَافِقِينَ يَخَافُونَ الدَّوَائِرَ ; فَدَلَّ بِهَذَا عَلَى
nindex.php?page=treesubj&link=29668تَثْبِيتِ إِمَامَةِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ; لِأَنَّهُمْ جَاهَدُوا فِي اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَقَاتَلُوا الْمُرْتَدِّينَ بَعْدَهُ ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ مَنْ كَانَتْ فِيهِ هَذِهِ الصِّفَاتُ فَهُوَ وَلِيٌّ لِلَّهِ تَعَالَى ، وَقِيلَ : الْآيَةُ عَامَّةٌ فِي كُلِّ مَنْ يُجَاهِدُ الْكُفَّارَ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
nindex.php?page=tafseer&surano=5&ayano=54ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ ابْتِدَاءٌ وَخَبَرٌ ( وَاسِعٌ عَلِيمٌ ) أَيْ : وَاسِعُ الْفَضْلِ ، عَلِيمٌ بِمَصَالِحِ خَلْقِهِ .