قوله تعالى :
nindex.php?page=tafseer&surano=64&ayano=16فاتقوا الله ما استطعتم واسمعوا وأطيعوا وأنفقوا خيرا لأنفسكم ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون إن تقرضوا الله قرضا حسنا يضاعفه لكم ويغفر لكم والله شكور حليم
فيه خمس مسائل :
الأولى : ذهب جماعة من أهل التأويل إلى أن هذه الآية ناسخة لقوله تعالى :
nindex.php?page=tafseer&surano=3&ayano=102اتقوا الله حق تقاته منهم
قتادة والربيع بن أنس nindex.php?page=showalam&ids=14468والسدي وابن زيد . ذكر
الطبري : وحدثني
nindex.php?page=showalam&ids=17418يونس بن عبد الأعلى ، قال : أخبرنا
ابن وهب قال : قال
ابن زيد في قوله تعالى :
nindex.php?page=tafseer&surano=3&ayano=102يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته قال : جاء أمر شديد ، قالوا : ومن يعرف قدر هذا أو يبلغه ؟ فلما عرف الله أنه قد اشتد ذلك عليهم نسخها عنهم وجاء بهذه الآية الأخرى فقال :
nindex.php?page=tafseer&surano=64&ayano=16فاتقوا الله ما استطعتم . وقيل : هي محكمة لا نسخ فيها . وقال
ابن عباس : قوله تعالى :
nindex.php?page=tafseer&surano=3&ayano=102اتقوا الله حق تقاته إنها لم تنسخ ، ولكن حق تقاته أن يجاهد لله حق جهاده ، ولا يأخذهم في الله لومة لائم ، ويقوموا لله بالقسط ولو على أنفسهم وآبائهم وأبنائهم . وقد تقدم .
الثانية : فإن قيل : فإذا كانت هذه الآية محكمة غير منسوخة فما وجه قوله في سورة التغابن :
nindex.php?page=tafseer&surano=64&ayano=16فاتقوا الله ما استطعتم وكيف يجوز اجتماع الأمر باتقاء الله حق تقاته ، والأمر باتقائه ما استطعنا . والأمر باتقائه حق تقاته إيجاب القرآن بغير خصوص ولا وصل بشرط ، والأمر باتقائه ما استطعنا أمر باتقائه موصولا بشرط . قيل له : قوله :
nindex.php?page=tafseer&surano=64&ayano=16فاتقوا الله ما استطعتم بمعزل مما دل عليه قوله تعالى :
nindex.php?page=tafseer&surano=3&ayano=102اتقوا الله حق تقاته وإنما عنى بقوله :
nindex.php?page=tafseer&surano=64&ayano=16فاتقوا الله ما استطعتم فاتقوا الله أيها الناس وراقبوه فيما جعل فتنة لكم من أموالكم وأولادكم أن تغلبكم فتنتهم ، وتصدكم عن الواجب لله عليكم من الهجرة من أرض الكفر إلى أرض الإسلام ; فتتركوا الهجرة ما استطعتم ; بمعنى وأنتم للهجرة مستطيعين . وذلك أن الله جل ثناؤه قد كان عذر من لم يقدر على الهجرة بتركها بقوله تعالى :
nindex.php?page=tafseer&surano=4&ayano=97إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم [ ص: 135 ] إلى قوله :
nindex.php?page=tafseer&surano=4&ayano=99فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم . فأخبر أنه قد عفا عمن لا يستطيع حيلة ولا يهتدي سبيلا بالإقامة في دار الشرك ; فكذلك معنى قوله :
nindex.php?page=tafseer&surano=64&ayano=16فاتقوا الله ما استطعتم في الهجرة من دار الشرك إلى دار الإسلام أن تتركوها بفتنة أموالكم وأولادكم . ومما يدل على صحة هذا أن قوله : " فاتقوا الله ما استطعتم " عقيب قوله : "
nindex.php?page=tafseer&surano=64&ayano=14يا أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم " .
ولا خلاف بين السلف من أهل العلم بتأويل القرآن أن هذه الآيات نزلت بسبب قوم كفار تأخروا عن الهجرة من دار الشرك إلى دار الإسلام بتثبيط أولادهم إياهم عن ذلك ; حسب ما تقدم . وهذا كله اختيار
الطبري . وقيل :
nindex.php?page=tafseer&surano=64&ayano=16فاتقوا الله ما استطعتم فيما تطوع به من نافلة أو صدقة ; فإنه لما نزل قوله تعالى :
nindex.php?page=tafseer&surano=3&ayano=102اتقوا الله حق تقاته اشتد على القوم فقاموا حتى ورمت عراقيبهم وتقرحت جباههم ، فأنزل الله تعالى تخفيفا عنهم :
nindex.php?page=tafseer&surano=64&ayano=16فاتقوا الله ما استطعتم فنسخت الأولى ; قاله
nindex.php?page=showalam&ids=13033ابن جبير . قال
nindex.php?page=showalam&ids=15151الماوردي : ويحتمل إن لم يثبت هذا النقل أن المكره على المعصية غير مؤاخذ بها ; لأنه لا يستطيع اتقاءها .
الثالثة : قوله تعالى :
nindex.php?page=tafseer&surano=64&ayano=16واسمعوا وأطيعوا أي اسمعوا ما توعظون به وأطيعوا فيما تؤمرون به وتنهون عنه . وقال مقاتل : اسمعوا أي اصغوا إلى ما ينزل عليكم من كتاب الله ; وهو الأصل في السماع . وأطيعوا لرسوله فيما أمركم أو نهاكم . وقال
قتادة : عليهما بويع النبي صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة . وقيل : واسمعوا أي اقبلوا ما تسمعون ; وعبر عنه بالسماع لأنه فائدته .
قلت : وقد تغلغل في هذه الآية
الحجاج حين تلاها وقصرها على
nindex.php?page=showalam&ids=16491عبد الملك بن مروان فقال :
nindex.php?page=tafseer&surano=64&ayano=16فاتقوا الله ما استطعم واسمعوا وأطيعوا هي
nindex.php?page=showalam&ids=16484لعبد الملك بن مروان أمين الله وخليفته ، ليس فيها مثنوية ، والله لو أمرت رجلا أن يخرج من باب المسجد فخرج من غيره لحل لي دمه . وكذب في تأويلها بل هي للنبي صلى الله عليه وسلم أولا ثم لأولي الأمر من بعده . دليله
nindex.php?page=tafseer&surano=64&ayano=12وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم .
الرابعة : قوله تعالى : " وأنفقوا " قيل : هو الزكاة ; قاله
ابن عباس . وقيل : هو النفقة في النفل . وقال
الضحاك : هو النفقة في الجهاد . وقاله
الحسن : هو نفقة الرجل لنفسه . قال
nindex.php?page=showalam&ids=12815ابن العربي : وإنما أوقع قائل هذا قوله : " لأنفسكم " وخفي عليه أن نفقة النفل والفرض في الصدقة هي نفقة الرجل على نفسه ; قال الله تعالى :
nindex.php?page=tafseer&surano=17&ayano=7إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها [ ص: 136 ] وكل ما يفعله الرجل من خير فإنما هو لنفسه . والصحيح أنها عامة . وروي
nindex.php?page=hadith&LINKID=865234عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال له رجل : عندي دينار ؟ قال : " أنفقه على نفسك . قال : عندي آخر ؟ قال : أنفقه على عيالك . قال : عندي آخر ؟ قال : أنفقه على ولدك . قال : عندي آخر ؟ قال : تصدق به " فبدأ بالنفس والأهل والولد وجعل الصدقة بعد ذلك . وهو الأصل في الشرع .
الخامسة : قوله تعالى :
nindex.php?page=tafseer&surano=64&ayano=16خيرا لأنفسكم " خيرا " نصب بفعل مضمر عند
nindex.php?page=showalam&ids=16076سيبويه ; دل عليه وأنفقوا كأنه قال : ايتوا في الإنفاق خيرا لأنفسكم ، أو قدموا خيرا لأنفسكم من أموالكم . وهو عند
الكسائي والفراء نعت لمصدر محذوف ; أي أنفقوا إنفاقا خيرا لأنفسكم . وهو عند
أبي عبيدة خبر كان مضمرة ; أي يكن خيرا لكم . ومن جعل الخير المال فهو منصوب ب " أنفقوا " .
قوله تعالى :
nindex.php?page=tafseer&surano=64&ayano=16ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون تقدم الكلام فيه ، وكذا
nindex.php?page=tafseer&surano=64&ayano=17إن تقرضوا الله قرضا حسنا يضاعفه لكم تقدم الكلام فيه أيضا في " البقرة " وسورة " الحديد " .
nindex.php?page=tafseer&surano=64&ayano=17ويغفر لكم والله شكور حليم تقدم معنى الشكر في " البقرة " والحليم : الذي لا يعجل .
قوله تعالى :
nindex.php?page=tafseer&surano=64&ayano=18عالم الغيب والشهادة العزيز الحكيم
قوله تعالى :
nindex.php?page=tafseer&surano=64&ayano=18عالم الغيب والشهادة أي ما غاب وحضر .
وهو العزيز أي الغالب القاهر . فهو من صفات الأفعال ، ومنه قوله عز وجل :
nindex.php?page=tafseer&surano=39&ayano=1تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم . أي من الله القاهر المحكم خالق الأشياء . وقال
nindex.php?page=showalam&ids=14228الخطابي : وقد يكون بمعنى نفاسة القدر ، يقال منه : عز يعز ( بكسر العين ) فيتناول معنى العزيز على هذا أنه لا يعادله شيء وأنه لا مثل له . والله أعلم .
الحكيم في تدبير خلقه . وقال
ابن الأنباري : الحكيم هو المحكم لخلق الأشياء ، صرف عن مفعل إلى فعيل ، ومنه قوله عز وجل :
nindex.php?page=tafseer&surano=10&ayano=1الر تلك آيات الكتاب الحكيم معناه المحكم ، فصرف عن مفعل إلى فعيل ، والله أعلم .
قَوْلُهُ تَعَالَى :
nindex.php?page=tafseer&surano=64&ayano=16فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ
فِيهِ خَمْسُ مَسَائِلَ :
الْأُولَى : ذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ التَّأْوِيلِ إِلَى أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَاسِخَةٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى :
nindex.php?page=tafseer&surano=3&ayano=102اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ مِنْهُمْ
قَتَادَةُ وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ nindex.php?page=showalam&ids=14468وَالسُّدِّيُّ وَابْنُ زَيْدٍ . ذَكَرَ
الطَّبَرِيُّ : وَحَدَّثَنِي
nindex.php?page=showalam&ids=17418يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى ، قَالَ : أَخْبَرَنَا
ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ
ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى :
nindex.php?page=tafseer&surano=3&ayano=102يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ قَالَ : جَاءَ أَمْرٌ شَدِيدٌ ، قَالُوا : وَمَنْ يَعْرِفُ قَدْرَ هَذَا أَوْ يَبْلُغُهُ ؟ فَلَمَّا عَرَفَ اللَّهُ أَنَّهُ قَدِ اشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ نَسَخَهَا عَنْهُمْ وَجَاءَ بِهَذِهِ الْآيَةِ الْأُخْرَى فَقَالَ :
nindex.php?page=tafseer&surano=64&ayano=16فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ . وَقِيلَ : هِيَ مُحْكَمَةٌ لَا نَسْخَ فِيهَا . وَقَالَ
ابْنُ عَبَّاسٍ : قَوْلُهُ تَعَالَى :
nindex.php?page=tafseer&surano=3&ayano=102اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ إِنَّهَا لَمْ تُنْسَخْ ، وَلَكِنَّ حَقَّ تُقَاتِهِ أَنْ يُجَاهَدَ لِلَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ ، وَلَا يَأْخُذَهُمْ فِي اللَّهِ لَوْمَةُ لَائِمٍ ، وَيَقُومُوا لِلَّهِ بِالْقِسْطِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَآبَائِهِمْ وَأَبْنَائِهِمْ . وَقَدْ تَقَدَّمَ .
الثَّانِيَةُ : فَإِنْ قِيلَ : فَإِذَا كَانَتْ هَذِهِ الْآيَةُ مُحْكَمَةٌ غَيْرُ مَنْسُوخَةٍ فَمَا وَجْهُ قَوْلِهِ فِي سُورَةِ التَّغَابُنِ :
nindex.php?page=tafseer&surano=64&ayano=16فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَكَيْفَ يَجُوزُ اجْتِمَاعُ الْأَمْرِ بِاتِّقَاءِ اللَّهِ حَقَّ تُقَاتِهِ ، وَالْأَمْرُ بِاتِّقَائِهِ مَا اسْتَطَعْنَا . وَالْأَمْرُ بِاتِّقَائِهِ حَقَّ تُقَاتِهِ إِيجَابُ الْقُرْآنِ بِغَيْرِ خُصُوصٍ وَلَا وَصْلَ بِشَرْطٍ ، وَالْأَمْرُ بِاتِّقَائِهِ مَا اسْتَطَعْنَا أَمْرٌ بِاتِّقَائِهِ مَوْصُولًا بِشَرْطٍ . قِيلَ لَهُ : قَوْلُهُ :
nindex.php?page=tafseer&surano=64&ayano=16فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ بِمَعْزِلٍ مِمَّا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى :
nindex.php?page=tafseer&surano=3&ayano=102اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَإِنَّمَا عَنَى بِقَوْلِهِ :
nindex.php?page=tafseer&surano=64&ayano=16فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ أَيُّهَا النَّاسُ وَرَاقِبُوهُ فِيمَا جَعَلَ فِتْنَةً لَكُمْ مِنْ أَمْوَالِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ أَنْ تَغْلِبَكُمْ فِتْنَتُهُمْ ، وَتَصُدَّكُمْ عَنِ الْوَاجِبِ لِلَّهِ عَلَيْكُمْ مِنَ الْهِجْرَةِ مِنْ أَرْضِ الْكُفْرِ إِلَى أَرْضِ الْإِسْلَامِ ; فَتَتْرُكُوا الْهِجْرَةَ مَا اسْتَطَعْتُمْ ; بِمَعْنَى وَأَنْتُمْ لِلْهِجْرَةِ مُسْتَطِيعِينَ . وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ قَدْ كَانَ عَذَرَ مَنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْهِجْرَةِ بِتَرْكِهَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى :
nindex.php?page=tafseer&surano=4&ayano=97إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ [ ص: 135 ] إِلَى قَوْلِهِ :
nindex.php?page=tafseer&surano=4&ayano=99فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ . فَأَخْبَرَ أَنَّهُ قَدْ عَفَا عَمَّنْ لَا يَسْتَطِيعُ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدِي سَبِيلًا بِالْإِقَامَةِ فِي دَارِ الشِّرْكِ ; فَكَذَلِكَ مَعْنَى قَوْلِهِ :
nindex.php?page=tafseer&surano=64&ayano=16فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ فِي الْهِجْرَةِ مِنْ دَارِ الشِّرْكِ إِلَى دَارِ الْإِسْلَامِ أَنْ تَتْرُكُوهَا بِفِتْنَةِ أَمْوَالِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ . وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ هَذَا أَنَّ قَوْلَهُ : " فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ " عَقِيبَ قَوْلِهِ : "
nindex.php?page=tafseer&surano=64&ayano=14يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ " .
وَلَا خِلَافَ بَيْنَ السَّلَفِ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِتَأْوِيلِ الْقُرْآنِ أَنَّ هَذِهِ الْآيَاتِ نَزَلَتْ بِسَبَبِ قَوْمٍ كُفَّارٍ تَأَخَّرُوا عَنِ الْهِجْرَةِ مِنْ دَارِ الشِّرْكِ إِلَى دَارِ الْإِسْلَامِ بِتَثْبِيطِ أَوْلَادِهِمْ إِيَّاهُمْ عَنْ ذَلِكَ ; حَسْبَ مَا تَقَدَّمَ . وَهَذَا كُلُّهُ اخْتِيَارُ
الطَّبَرِيِّ . وَقِيلَ :
nindex.php?page=tafseer&surano=64&ayano=16فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ فِيمَا تَطَوَّعَ بِهِ مِنْ نَافِلَةٍ أَوْ صَدَقَةٍ ; فَإِنَّهُ لَمَّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى :
nindex.php?page=tafseer&surano=3&ayano=102اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ اشْتَدَّ عَلَى الْقَوْمِ فَقَامُوا حَتَّى وَرِمَتْ عَرَاقِيبُهُمْ وَتَقَرَّحَتْ جِبَاهُهُمْ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى تَخْفِيفًا عَنْهُمْ :
nindex.php?page=tafseer&surano=64&ayano=16فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ فَنَسَخَتِ الْأُولَى ; قَالَهُ
nindex.php?page=showalam&ids=13033ابْنُ جُبَيْرٍ . قَالَ
nindex.php?page=showalam&ids=15151الْمَاوَرْدِيُّ : وَيَحْتَمِلُ إِنْ لَمْ يَثْبُتْ هَذَا النَّقْلُ أَنَّ الْمُكْرَهَ عَلَى الْمَعْصِيَةِ غَيْرُ مُؤَاخَذٍ بِهَا ; لِأَنَّهُ لَا يَسْتَطِيعُ اتِّقَاءَهَا .
الثَّالِثَةُ : قَوْلُهُ تَعَالَى :
nindex.php?page=tafseer&surano=64&ayano=16وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا أَيِ اسْمَعُوا مَا تُوعَظُونَ بِهِ وَأَطِيعُوا فِيمَا تُؤْمَرُونَ بِهِ وَتُنْهَوْنَ عَنْهُ . وَقَالَ مُقَاتِلٌ : اسْمَعُوا أَيِ اصْغَوْا إِلَى مَا يَنْزِلُ عَلَيْكُمْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ ; وَهُوَ الْأَصْلُ فِي السَّمَاعِ . وَأَطِيعُوا لِرَسُولِهِ فِيمَا أَمَرَكُمْ أَوْ نَهَاكُمْ . وَقَالَ
قَتَادَةُ : عَلَيْهِمَا بُويِعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ . وَقِيلَ : وَاسْمَعُوا أَيِ اقْبَلُوا مَا تَسْمَعُونَ ; وَعَبَّرَ عَنْهُ بِالسَّمَاعِ لِأَنَّهُ فَائِدَتُهُ .
قُلْتُ : وَقَدْ تَغَلْغَلَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ
الْحَجَّاجُ حِينَ تَلَاهَا وَقَصَرَهَا عَلَى
nindex.php?page=showalam&ids=16491عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ فَقَالَ :
nindex.php?page=tafseer&surano=64&ayano=16فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطْعَمَ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا هِيَ
nindex.php?page=showalam&ids=16484لِعَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ أَمِينُ اللَّهِ وَخَلِيفَتُهُ ، لَيْسَ فِيهَا مَثْنَوِيَّةٌ ، وَاللَّهِ لَوْ أَمَرْتُ رَجُلًا أَنْ يَخْرُجَ مِنْ بَابِ الْمَسْجِدِ فَخَرَجَ مِنْ غَيْرِهِ لَحَلَّ لِي دَمُهُ . وَكَذَبَ فِي تَأْوِيلِهَا بَلْ هِيَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوَّلًا ثُمَّ لِأُولِي الْأَمْرِ مِنْ بَعْدِهِ . دَلِيلُهُ
nindex.php?page=tafseer&surano=64&ayano=12وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ .
الرَّابِعَةُ : قَوْلُهُ تَعَالَى : " وَأَنْفِقُوا " قِيلَ : هُوَ الزَّكَاةُ ; قَالَهُ
ابْنُ عَبَّاسٍ . وَقِيلَ : هُوَ النَّفَقَةُ فِي النَّفْلِ . وَقَالَ
الضَّحَّاكُ : هُوَ النَّفَقَةُ فِي الْجِهَادِ . وَقَالَهُ
الْحَسَنُ : هُوَ نَفَقَةُ الرَّجُلِ لِنَفْسِهِ . قَالَ
nindex.php?page=showalam&ids=12815ابْنُ الْعَرَبِيِّ : وَإِنَّمَا أَوْقَعَ قَائِلَ هَذَا قَوْلُهُ : " لِأَنْفُسِكُمْ " وَخَفِيَ عَلَيْهِ أَنَّ نَفَقَةَ النَّفْلِ وَالْفَرْضِ فِي الصَّدَقَةِ هِيَ نَفَقَةُ الرَّجُلِ عَلَى نَفْسِهِ ; قَالَ اللَّهُ تَعَالَى :
nindex.php?page=tafseer&surano=17&ayano=7إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا [ ص: 136 ] وَكُلُّ مَا يَفْعَلُهُ الرَّجُلُ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّمَا هُوَ لِنَفْسِهِ . وَالصَّحِيحُ أَنَّهَا عَامَّةٌ . وَرُوِيَ
nindex.php?page=hadith&LINKID=865234عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ لَهُ رَجُلٌ : عِنْدِي دِينَارٌ ؟ قَالَ : " أَنْفِقْهُ عَلَى نَفْسِكَ . قَالَ : عِنْدِي آخَرُ ؟ قَالَ : أَنْفِقْهُ عَلَى عِيَالِكَ . قَالَ : عِنْدِي آخَرُ ؟ قَالَ : أَنْفِقْهُ عَلَى وَلَدِكَ . قَالَ : عِنْدِي آخَرُ ؟ قَالَ : تَصَدَّقْ بِهِ " فَبَدَأَ بِالنَّفْسِ وَالْأَهْلِ وَالْوَلَدِ وَجَعَلَ الصَّدَقَةَ بَعْدَ ذَلِكَ . وَهُوَ الْأَصْلُ فِي الشَّرْعِ .
الْخَامِسَةُ : قَوْلُهُ تَعَالَى :
nindex.php?page=tafseer&surano=64&ayano=16خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ " خَيْرًا " نُصِبَ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ عِنْدَ
nindex.php?page=showalam&ids=16076سِيبَوَيْهِ ; دَلَّ عَلَيْهِ وَأَنْفِقُوا كَأَنَّهُ قَالَ : ايتُوا فِي الْإِنْفَاقِ خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ ، أَوْ قَدِّمُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ أَمْوَالِكُمْ . وَهُوَ عِنْدَ
الْكِسَائِيِّ وَالْفَرَّاءِ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ ; أَيْ أَنْفِقُوا إِنْفَاقًا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ . وَهُوَ عِنْدَ
أَبِي عُبَيْدَةَ خَبَرُ كَانَ مُضْمَرَةٍ ; أَيْ يَكُنْ خَيْرًا لَكُمْ . وَمَنْ جَعَلَ الْخَيْرَ الْمَالَ فَهُوَ مَنْصُوبٌ بِ " أَنْفِقُوا " .
قَوْلُهُ تَعَالَى :
nindex.php?page=tafseer&surano=64&ayano=16وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِيهِ ، وَكَذَا
nindex.php?page=tafseer&surano=64&ayano=17إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعِفْهُ لَكُمْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِيهِ أَيْضًا فِي " الْبَقَرَةِ " وَسُورَةُ " الْحَدِيدِ " .
nindex.php?page=tafseer&surano=64&ayano=17وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ تَقَدَّمَ مَعْنَى الشُّكْرِ فِي " الْبَقَرَةِ " وَالْحَلِيمُ : الَّذِي لَا يَعْجَلُ .
قَوْلُهُ تَعَالَى :
nindex.php?page=tafseer&surano=64&ayano=18عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
قَوْلُهُ تَعَالَى :
nindex.php?page=tafseer&surano=64&ayano=18عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَيْ مَا غَابَ وَحَضَرَ .
وَهُوَ الْعَزِيزُ أَيِ الْغَالِبُ الْقَاهِرُ . فَهُوَ مِنْ صِفَاتِ الْأَفْعَالِ ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ :
nindex.php?page=tafseer&surano=39&ayano=1تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ . أَيْ مِنَ اللَّهِ الْقَاهِرِ الْمُحْكِمِ خَالِقِ الْأَشْيَاءِ . وَقَالَ
nindex.php?page=showalam&ids=14228الْخَطَّابِيُّ : وَقَدْ يَكُونُ بِمَعْنَى نَفَاسَةِ الْقَدْرِ ، يُقَالُ مِنْهُ : عَزَّ يَعِزُّ ( بِكَسْرِ الْعَيْنِ ) فَيَتَنَاوَلُ مَعْنَى الْعَزِيزِ عَلَى هَذَا أَنَّهُ لَا يُعَادِلُهُ شَيْءٌ وَأَنَّهُ لَا مِثْلَ لَهُ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
الْحَكِيمُ فِي تَدْبِيرِ خَلْقِهِ . وَقَالَ
ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ : الْحَكِيمُ هُوَ الْمُحْكِمُ لِخَلْقِ الْأَشْيَاءِ ، صُرِفَ عَنْ مُفْعِلٍ إِلَى فَعِيلٍ ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ :
nindex.php?page=tafseer&surano=10&ayano=1الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ مَعْنَاهُ الْمُحْكَمُ ، فَصُرِفَ عَنْ مُفْعَلٍ إِلَى فَعِيلٍ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .