الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                صفحة جزء


                                                                                                                النظر الثاني في الستر ، وفي الجواهر يكون صفيقا كثيفا فإن كان شفافا فهو كالعدم مع الانفراد ، وإن كان يصف ولا يشف كره وصحت الصلاة ، قال صاحب الطراز : الخفيف الشفاف بمنزلة التلطخ بالطين لا يعد سترة ، بخلاف الكثيف الرقيق الذي يصف قال : ويجب ستره العورة بكل ما يمكن من حطب أو حشيش أو غيره فإن لم يجد إلا طينا فللشافعية في التلطخ به قولان فإن وجد الستر لبعض العورة ستر الفرجين ، فإن وجده لأحدهما ستر أيهما شاء ، واختلف في أيهما أولى فقال الشافعي : القبل لعدم الحائل بينه وبين النظر ، والدبر تحول بينه وبين النظر الأليتين ولأنه مستقبل به من يناجي ، ولبعض أصحابه الدبر أولى ; لفحشه عند الركوع والسجود قال : وهذا أبين ، [ ص: 109 ] ويجعل مذاكيره بين فخذيه ويمكنه سترها بظهر يديه بخلاف الدبر .

                                                                                                                فروع ستة :

                                                                                                                الأول : لو وجد جلد كلب أو خنزير أو ميتة ، فظاهر المذهب الستر به في غير الصلاة ، وعلى قول عبد الملك في عدم الانتفاع بالنجاسة لا يلبسه ، وإذا أبحنا له الخنزير والجلد النجس وجبت الصلاة به ; لأنه مأذون فيه ، وقال أبو حنيفة : هو مخير بين لبسه وتركه ; لتعارض حرمة العري والصلاة بالنجاسة فتعين التخير ، وقال الشافعي : في القديم يصلي عريانا ، وقال أيضا : يصلي به لنا أن التطهير يسقطه عدم الماء وقد تحقق ، والستر لا يسقطه إلا العجز ولم يوجد ولأن في العري هتك حرمتين : حرمة الستر عن الأبصار ، وحرمة الستر للصلاة بخلاف النجاسة .

                                                                                                                الثاني قال : إذا لم يجد إلا حريرا صلى به عند الكافة خلافا لابن حنبل ، ووقع مثله لابن القاسم قال : ولعل الصحيح أن لبسه مع القدرة لا يفسد الصلاة ، وهو قول ابن وهب وابن الماجشون ولم يستحبا له إعادة ، وقال أشهب : إن كان عليه غيره لم يعد وإلا أعاد في الوقت ، وقال ابن حبيب : يعيد أبدا إذا لم يكن عليه غيره وإن كان لم يعد ; لأن جنسه لا ينافي الصلاة بدليل ما لو كان محشوا في كمه ، ولبسه للنساء وفي الحرب ، وجوزه [ ص: 110 ] ابن حبيب في الغزو إذا كان معه غيره . وفي الصحيحين أنه - عليه السلام - أهدي إليه فروج من حرير فلبسه وصلى فيه ، ثم انصرف فنزعه نزعا شديدا كالكاره له وقال : لا ينبغي هذا للمتقين ولم يعد الصلاة ، وفي الجواهر إذا لم يجد إلا حريرا صلى عريانا عند ابن القاسم وأشهب ، واستقرأ الإمام أبو عبد الله من تقديمه الحرير على النجس في الكتاب أنه يصلي به ولا يصلي عريانا ، وهذا خلاف ما نقله صاحب الطراز ، وكذلك رأيته للمازري منقولا عن ابن القاسم وأشهب ، وقال في التخريج الذي عزاه إليه : أنه في المدونة قدمه على النجس ، والنجس مقدم على العري ، والمقدم على المقدم على العري مقدم على العري ، وقال : يلزم من قال بالإعادة مطلقا إذا صلى في الحرير وحده مختارا ; لأنه بمنزلة العريان اختيارا لكون الممنوع شرعا كالمعدوم حسا أنه إذا صلى في الثوب المغصوب يعيد فإن التزمه ألزمناه الصلاة في الدار المغصوبة ، والمعروف عند العلماء صحتها فلا يجد انفصالا إلا أن يقول الحرير حق الله تعالى فهو أشد من الغصب ، الذي هو حق للعباد ، ولقوله الإسقاط من جهتهم . وفي الجواهر لو اجتمع له حرير ونجس ففي الكتاب يصلي في الحرير ويعيد في الوقت ; لأن تحريمه ليس لأجل الصلاة فلا ينافيها بخلاف النجاسة ، وعند أصبغ يصلي في النجس لعموم تحريم الحرير في الصلاة وغيرها ، فيكون أفحش من النجس الذي تحريمه خاص بالصلاة فلو صلى بثوب حرير مع القدرة على طاهر غير حرير ، فإن أفرده فقيل يعيد في الوقت وبعده ، وقيل لا يعيد مطلقا ، وقيل في الوقت فإن كان عليه غيره فقيل يعيد ، وقيل لا إعادة عليه وكذلك الخلاف فيمن صلى متختما بالذهب .

                                                                                                                الثالث : قال في الكتاب : يجوز أن يصلي محلول الإزار بغير سراويل ، قال [ ص: 111 ] صاحب الطراز ، قال مطرف : رأيت مالكا في المسجد مطلق الإزار ، فلما حضرت الصلاة زرره . وقال ابن الصباغ من الشافعية : إن كان ضيق الجيب لا ترى منه العورة جازت الصلاة ، وإلا لم تجز إلا أن يزرره أو يشد وسطه بحبل لما في أبي داود قال سلمة بن الأكوع : إني رجل أصيد أفأصلي في القميص الواحد ؟ قال : نعم وزرره ولو بشوكة . وفرق الحنفية بين الأمرد وبين الملتحي ; لأن لحيته تستر الجيب والطوق ، لنا ما في البخاري كان رجال يصلون مع النبي - صلى الله عليه وسلم - عاقدي أزرهم على أعناقهم كهيئة الصبيان فيقال للنساء : لا ترفعن رءوسكن حتى يستوي الرجال جلوسا ، وكل ما يتوقع من الجيب يتوقع من الذيل .

                                                                                                                الرابع : قال ابن القاسم في الكتاب تجوز الصلاة بمئزر وسراويل ، وقال ابن حنبل : لا تجزئه حتى يكون على عاتقه منه شيء وكذلك السراويل ; لما في البخاري : لا يصلي أحدكم في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء وهو محمول عندنا على الاستحباب ، قال صاحب الطراز : السراويل مكروه ابتداء وهو قول الشافعي ومالك في العتبية لما في أبي داود أنه - عليه السلام - نهى أن يصلي في سراويل ليس عليه رداء ولأنه يصف ، ومن زي العجم ، وقال أشهب : يعيد من صلى في السروال والتبان في الوقت . قال : وكذلك [ ص: 112 ] من أذن في السراويل وحدها ، أعاد أذانه ما لم يصل ، وكان كمن صلى بغير أذان .

                                                                                                                الخامس : قال صاحب الجلاب : من صلى في ثوب واحد فإن كان واسعا التحف به وخالف بين طرفيه وعقده على عنقه ، وإن كان ضيقا ائتزر به من سرته إلى ركبتيه ، ولا إعادة عليه إذا صلى كذلك مع وجود غيره ويعيد في الوقت ، وفي البخاري : النهي عن اشتمال الصماء وهي عند أهل اللغة تجلل الرجل بإزاره لا يرفع منه جانبا كالصخرة الصماء التي فيها ، فإن وهمه أمر لا يمكنه إلا الاحتراز منه ، وعند الفقهاء هي أن يدخل الرداء من تحت إبطه الأيسر ، ويترك طرفه على يساره ويبدي منكبه الأيمن ، ويغطي الأيسر وهو عند أهل اللغة الاضطباع ; لأنه يبدي ضبعه الأيمن فكرهت ; لأنه في معنى المربوط ولا يتمكن من الركوع والسجود والمندوب ، أو لأنه لا يباشر الأرض بيديه ، وإن باشر انكشفت عورته فإن كان عليه مئزر فلا بأس به .

                                                                                                                السادس : قال في الكتاب : إذا صلى محتزما أو جامعا شعره ، أو جامعا كميه إن كان ذلك لباسه ، أو كان يعمل فأقيمت الصلاة فدخل على هيئته فلا بأس وإلا فلا خير فيه ، وفي الصحيحين : أمرت أن أسجد على سبع ولا أكفت الشعر ولا الثياب . والكفت الضم ومنه قوله تعالى : ( ألم نجعل الأرض كفاتا أحياء وأمواتا ) [ ص: 113 ] أي : تضم الفرقتين . قال صاحب الطراز : وسر الكراهة أن يضم ذلك خشية التراب ، وقد قال عليه السلام : عفر وجهك في التراب ، ولأنه شأن التذلل والخضوع قال : وعلى هذا لو كان مكشوف الرأس فأراد ستره ليقيه التراب كره ، قال صاحب الجلاب : الاختيار لمن صلى في جماعة أن يلبس أكمل اللباس ، والإمام أولى بذلك ويرتدي ولا يعري منكبيه ، ولا بأس بالمئزر والعمامة ، ويكره السروال والعمامة فإن كان عليه سيف أو قوس جعل عليه شيئا من اللباس ، والأصل في ذلك قوله تعالى : ( خذوا زينتكم عند كل مسجد ) والعبد يناجي ربه فيستحب أن يتجمل له ، ولما كان الإمام ينبغي أن يكون أفضل القوم دينا فينبغي أن يكون أفضلهم زيا ، وقوله تكره السراويل والعمامة ، الكراهة لأجل السروال ، وذكر العمامة حشو في الكلام ، وكره أن يصلي في ثوب يسجد على بعضه ; لأنه يصير بمنزلة الساجد على غير الأرض .

                                                                                                                التالي السابق


                                                                                                                الخدمات العلمية