الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
              جزء صفحة
              الْمَسْأَلَةُ الْعَاشِرَةُ كَمَا أَنَّ الْأَحْكَامَ وَالتَّكْلِيفَاتِ عَامَّةٌ فِي جَمِيعِ الْمُكَلَّفِينَ عَلَى حَسَبِ مَا كَانَتْ بِالنِّسْبَةِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَّا مَا خُصَّ بِهِ ، كَذَلِكَ الْمَزَايَا وَالْمَنَاقِبِ ; فَمَا مِنْ مَزِيَّةٍ أُعْطِيَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سِوَى مَا وَقَعَ اسْتِثْنَاؤُهُ إِلَّا وَقَدْ أُعْطِيَتْ أُمَّتُهُ مِنْهَا أُنْمُوذَجًا ; فَهِيَ عَامَّةٌ كَعُمُومِ التَّكَالِيفِ ، بَلْ قَدْ زَعَمَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ أَنَّ سُنَّةَ اللَّهِ جَرَتْ أَنَّهُ إِذْ أَعْطَى اللَّهُ نَبِيًّا شَيْئًا أَعْطَى أُمَّتَهُ مِنْهُ ، وَأَشْرَكَهُمْ مَعَهُ فِيهِ ، ثُمَّ ذَكَرَ مِنْ ذَلِكَ أَمْثِلَةً . وَمَا قَالَهُ يَظْهَرُ فِي هَذِهِ الْمِلَّةِ بِالِاسْتِقْرَاءِ . أَمَّا أَوَّلًا ; فَالْوِرَاثَةُ الْعَامَّةُ فِي الِاسْتِخْلَافِ عَلَى الْأَحْكَامِ الْمُسْتَنْبَطَةِ ، وَقَدْ كَانَ مِنَ الْجَائِزِ أَنْ تَتَعَبَّدَ الْأُمَّةُ بِالْوُقُوفِ عِنْدَمَا حُدَّ مِنْ غَيْرِ اسْتِنْبَاطٍ ، وَكَانَتْ تَكْفِي الْعُمُومَاتُ وَالْإِطْلَاقُ حَسْبَمَا قَالَهُ الْأُصُولِيُّونَ ، وَلَكِنَّ اللَّهَ مَنَّ عَلَى الْعِبَادِ بِالْخُصُوصِيَّةِ الَّتِي خَصَّ بِهَا نَبِيَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ; إِذْ قَالَ تَعَالَى : لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ [ النِّسَاءِ : 105 ] . وَقَالَ فِي الْأُمَّةِ : لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ [ النِّسَاءِ : 83 ] . وَهَذَا وَاضِحٌ ; فَلَا نُطَوِّلُ بِهِ . وَأَمَا ثَانِيًا ; فَقَدْ ظَهَرَ ذَلِكَ مِنْ مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ ، نَقْتَصِرُ مِنْهَا عَلَى ثَلَاثِينَ وَجْهًا : أَحَدُهَا : الصَّلَاةُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ; فَقَالَ تَعَالَى فِي النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامِ : إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ [ الْأَحْزَابِ : 56 ] الْآيَةَ . وَقَالَ فِي الْأُمَّةِ : هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ [ الْأَحْزَابِ : 43 ] الْآيَةَ . وَقَالَ : أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ [ الْبَقَرَةِ : 157 ] . وَالثَّانِي : الْإِعْطَاءُ إِلَى الْإِرْضَاءِ ، قَالَ تَعَالَى فِي النَّبِيِّ : وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى [ الضُّحَى : 5 ] . وَقَالَ فِي الْأُمَّةِ : لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ [ الْحَجِّ : 59 ] . وَقَالَ : رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ [ الْمَائِدَةِ : 119 ] . وَالثَّالِثُ : غُفْرَانُ مَا تَقَدَّمَ وَمَا تَأَخَّرَ ، قَالَ تَعَالَى : لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ [ الْفَتْحِ : 2 ] . وَفِي الْأُمَّةِ مَا رُوِيَ أَنَّ الْآيَةَ لَمَّا نَزَلَتْ قَالَ الصَّحَابَةُ : هَنِيئًا مَرِيئًا ; فَمَا لَنَا ؟ فَنَزَلَ : لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ [ الْفَتْحِ : 5 ] ; فَعَمَّ مَا تَقَدَّمَ وَمَا تَأَخَّرَ . وَفِي الْآيَةِ الْأُولَى إِتْمَامُ النِّعْمَةِ فِي قَوْلِهِ : وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا [ الْفَتْحِ : 2 ] . وَقَالَ فِي الْأُمَّةِ : مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ [ الْمَائِدَةِ : 6 ] الْآيَةَ . وَهُوَ الْوَجْهُ الرَّابِعُ . وَالْخَامِسُ : الْوَحْيُ وَهُوَ النُّبُوَّةُ ، قَالَ تَعَالَى : إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ [ النِّسَاءِ : 163 ] ، وَسَائِرُ مَا فِي هَذَا الْمَعْنَى ، وَلَا يَحْتَاجُ إِلَى شَاهِدٍ ، وَفِي الْأُمَّةِ : الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ . وَالسَّادِسُ : نُزُولُ الْقُرْآنِ عَلَى وَفْقِ الْمُرَادِ ; قَالَ تَعَالَى : قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ [ الْبَقَرَةِ : 144 ] ; فَقَدْ كَانَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ يُحِبُّ أَنْ يُرَدَّ إِلَى الْكَعْبَةِ ، وَقَالَ تَعَالَى أَيْضًا : تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ [ الْأَحْزَابِ : 51 ] ; لَمَّا كَانَ قَدْ حَبَّبَ إِلَيْهِ النِّسَاءَ فَلَمْ يُوقَفْ فِيهِنَّ عَلَى عَدَدٍ مَعْلُومٍ . وَفِي الْأُمَّةِ قَالَ عُمَرُ : " وَافَقْتُ رَبِّي فِي ثَلَاثٍ " . قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوِ اتَّخَذْتَ مَقَامَ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى ، فَنَزَلَتْ : وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى [ الْبَقَرَةِ : 125 ] وَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ يَدْخُلُ عَلَيْكَ الْبَرُّ وَالْفَاجِرُ ، فَلَوْ أَمَرْتَ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ بِالْحِجَابِ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ آيَةَ الْحِجَابِ . قَالَ : وَبَلَغَنِي مُعَاتَبَةُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْضُ نِسَائِهِ ; فَدَخَلْتُ عَلَيْهِنَّ فَقُلْتُ : إِنِ انْتَهَيْتُنَّ أَوْ لَيُبَدِّلَنَّ اللَّهُ رَسُولَهُ خَيْرًا مِنْكُنَّ . فَأَنْزَلَ اللَّهُ : عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ [ التَّحْرِيمِ : 5 ] الْآيَةَ . وَحَدِيثُ الَّتِي ظَاهَرَ مِنْهَا زَوْجُهَا فَسَأَلَتِ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ زَوْجِي ظَاهَرَ مِنِّي ، وَقَدْ طَالَتْ صُحْبَتِي مَعَهُ ، وَقَدْ وَلَدْتُ لَهُ أَوْلَادًا ; فَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : " قَدْ حُرِّمْتِ عَلَيْهِ " . فَرَفَعَتْ رَأْسَهَا إِلَى السَّمَاءِ ; فَقَالَتْ : إِلَى اللَّهِ أَشْكُو حَاجَتِي إِلَيْهِ . ثُمَّ عَادَتْ ، فَأَجَابَهَا ، ثُمَّ ذَهَبَتْ لِتُعِيدَ الثَّالِثَةَ ; فَأَنْزَلَ اللَّهُ : قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا [ الْمُجَادَلَةِ : 1 ] الْآيَةَ . وَمِنْ هَذَا كَثِيرٌ لِمَنْ تَتَبَّعَ . وَنَزَلَتْ بَرَاءَةُ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - مِنَ الْإِفْكِ عَلَى وَفْقِ مَا أَرَادَتْ ; إِذْ قَالَتْ : وَأَنَا حِينَئِذٍ أَعْلَمُ أَنِّي بَرِيئَةٌ ، وَأَنَّ اللَّهَ مُبَرِّئِي بِبَرَاءَتِي ، وَلَكِنْ وَاللَّهِ مَا ظَنَنْتُ أَنَّ اللَّهَ مُنْزِلٌ فِي شَأْنِي وَحْيًا يُتْلَى ، وَلَشَأْنِي فِي نَفْسِي كَانَ أَحْقَرَ مِنْ أَنْ يَتَكَلَّمَ اللَّهُ فِيَّ بِأَمْرٍ يُتْلَى ، وَلَكِنْ كُنْتُ أَرْجُو أَنْ يَرَى رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي النَّوْمِ رُؤْيَا يُبَرِّئُنِي اللَّهُ بِهَا . وَقَالَ هِلَالُ بْنُ أُمَيَّةَ : وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ إِنِّي لَصَادِقٌ ، فَلْيُنْزِلَنَّ اللَّهُ مَا يُبَرِّئُ ظَهْرِي مِنَ الْحَدِّ . فَنَزَلَ : وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ [ النُّورِ : 6 ] الْآيَةَ ، وَهَذَا خَاصٌّ بِزَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِانْقِطَاعِ الْوَحْيِ بِانْقِطَاعِهِ . وَالسَّابِعُ : الشَّفَاعَةُ ; قَالَ تَعَالَى : عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا [ الْإِسْرَاءِ : 79 ] . وَقَدْ ثَبَتَتْ شَفَاعَةُ هَذِهِ الْأُمَّةِ ; كَقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامِ فِي أُوَيْسٍ : يُشَفَّعُ فِي مِثْلِ رَبِيعَةَ وَمُضَرَ . " أَئِمَّتُكُمْ شُفَعَاؤُكُمْ " ، وَغَيْرِ ذَلِكَ . وَالثَّامِنُ : شَرْحُ الصَّدْرِ ; قَالَ تَعَالَى : أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ [ الشَّرْحِ : 1 ] الْآيَةَ . وَقَالَ فِي الْأُمَّةِ : أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ [ الزُّمَرِ : 22 ] . وَالتَّاسِعُ : الِاخْتِصَاصُ بِالْمَحِبَّةِ ; لِأَنَّ مُحَمَّدًا حَبِيبُ اللَّهِ ، ثَبَتَ ذَلِكَ فِي الْحَدِيثِ ; إِذْ خَرَجَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ، وَنَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِهِ يَتَذَاكَرُونَ ; فَقَالَ بَعْضُهُمْ : عَجَبًا إِنَّ اللَّهَ اتَّخَذَ مِنْ خَلْقِهِ خَلِيلًا ، وَقَالَ آخَرُ : مَاذَا بِأَعْجَبَ مِنْ كَلَامِ مُوسَى ، كَلَّمَهُ اللَّهُ تَكْلِيمًا ، وَقَالَ آخَرُ : فَعِيسَى كَلِمَةُ اللَّهِ وَرُوحِهِ . وَقَالَ آخَرُ : آدَمُ اصْطَفَاهُ اللَّهُ . فَخَرَجَ عَلَيْهِمْ فَسَلَّمَ وَقَالَ : قَدْ سَمِعْتُ كَلَامَكُمْ وَعَجَبَكُمْ ، إِنَّ اللَّهَ اتَّخَذَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا ، وَهُوَ كَذَلِكَ ، وَمُوسَى نَجِيُّ اللَّهِ وَهُوَ كَذَلِكَ ، وَعِيسَى رُوحُ اللَّهِ وَهُوَ كَذَلِكَ ، وَآدَمُ اصْطَفَاهُ اللَّهُ وَهُوَ كَذَلِكَ ، أَلَا وَأَنَا حَبِيبُ اللَّهِ وَلَا فَخْرَ ، وَأَنَا حَامِلُ لِوَاءِ الْحَمْدِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا فَخْرَ ، وَأَنَا أَوَّلُ شَافِعٍ وَأَنَا أَوَّلُ مُشَفَّعٍ وَلَا فَخْرَ ، وَأَنَا أَوَّلُ مَنْ يُحَرِّكُ حِلَقَ الْجَنَّةِ فَيَفْتَحُ اللَّهُ لِي فَيُدْخِلُنِيهَا وَمَعِي فُقَرَاءُ الْمُؤْمِنِينَ وَلَا فَخْرَ ، وَأَنَا أَكْرَمُ الْأَوَّلِينَ وَالْآخَرِينَ وَلَا فَخْرَ . وَفِي الْأُمَّةِ : فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ [ الْمَائِدَةِ : 54 ] الْآيَةَ . وَجَاءَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ وَأَنَّ أُمَّتَهُ كَذَلِكَ ، وَهُوَ الْعَاشِرُ . وَأَنَّهُ أَكْرَمُ الْأَوَّلِينَ وَالْآخَرِينَ ، وَقَدْ جَاءَ فِي الْأُمَّةِ : كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ [ آلِ عِمْرَانَ : 110 ] . وَهُوَ الْحَادِيَ عَشَرَ . وَالثَّانِي عَشَرَ : أَنَّهُ جُعِلَ شَاهِدًا عَلَى أُمَّتِهِ ، اخْتُصَّ بِذَلِكَ دُونَ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ . وَفِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ : وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا [ الْبَقَرَةِ : 143 ] . وَالثَّالِثَ عَشَرَ : خَوَارِقُ الْعَادَاتِ مُعْجِزَاتٌ وَكَرَامَاتٌ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَفِي حَقِّ الْأُمَّةِ كَرَامَاتٌ ، وَقَدْ وَقَعَ الْخِلَافُ : هَلْ يَصِحُّ أَنْ يَتَحَدَّى الْوَلِيُّ بِالْكَرَامَةِ دَلِيلًا عَلَى أَنَّهُ وَلِيٌ أَمْ لَا ؟ وَهَذَا الْأَصْلُ شَاهِدٌ لَهُ ، وَسَيَأْتِي بِحَوْلِ اللَّهِ وَقُدْرَتِهِ . وَالرَّابِعَ عَشَرَ : الْوَصْفُ بِالْحَمْدِ فِي الْكُتُبِ السَّالِفَةِ وَبِغَيْرِهِ مِنَ الْفَضَائِلِ ; فَفِي الْقُرْآنِ : وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ [ الصَّفِّ : 6 ] ، وَسُمِّيَتْ أُمَّتُهُ الْحَمَّادِينَ . وَالْخَامِسَ عَشَرَ : الْعِلْمُ مَعَ الْأُمِّيَّةِ ، قَالَ تَعَالَى : هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ [ الْجُمُعَةِ : 2 ] . وَقَالَ : فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ [ الْأَعْرَافِ : 158 ] الْآيَةَ . وَفِي الْحَدِيثِ : نَحْنُ أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ لَا نَحْسِبُ وَلَا نَكْتُبُ . وَالسَّادِسَ عَشَرَ : مُنَاجَاةُ الْمَلَائِكَةِ ; فَفِي النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ظَاهِرٌ ، وَقَدْ رُوِيَ فِي بَعْضِ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - أَنَّهُ كَانَ يُكَلِّمُهُ الْمَلَكُ ; كَعِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ وَنُقِلَ عَنِ الْأَوْلِيَاءِ مِنْ هَذَا . وَالسَّابِعَ عَشَرَ : الْعَفْوُ قَبْلَ السُّؤَالِ ، قَالَ تَعَالَى : عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ [ التَّوْبَةِ : 43 ] . وَفِي الْأُمَّةِ : ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ [ آلِ عِمْرَانَ : 152 ] . وَالثَّامِنَ عَشَرَ : رَفْعُ الذِّكْرِ ، قَالَ تَعَالَى : وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ [ الشَّرْحِ : 4 ] . وَذُكِرَ أَنَّ مَعْنَاهُ قَرَنَ اسْمَهُ بِاسْمِهِ فِي عَقْدِ الْأَيْمَانِ ، وَفِي كَلِمَةِ الْأَذَانِ ; فَصَارَ ذِكْرُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مَرْفُوعًا مُنَوَّهًا بِهِ ، وَقَدْ جَاءَ مِنْ ذِكْرِ الْأُمَّةِ وَمَدْحِهِمْ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِمْ فِي الْقُرْآنِ وَفِي الْكُتُبِ السَّالِفَةِ كَثِيرٌ . وَجَاءَ فِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ عَنْ مُوسَى عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ; أَنَّهُ قَالَ : اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنْ أَمَةِ أَحْمَدَ لِمَا وُجِدَ فِي التَّوْرَاةِ مِنَ الْإِشَادَةِ بِذِكْرِهِمْ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِمْ . وَالتَّاسِعَ عَشَرَ : أَنَّ مُعَادَاتَهُمْ مُعَادَاةٌ لِلَّهِ ، وَمُوَالَاتَهُمْ مُوَالَاةُ لِلَّهِ ، قَالَ تَعَالَى : إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ [ الْأَحْزَابِ : 57 ] [ هِيَ عِنْدَ طَائِفَةٍ بِمَعْنَى أَنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَعَنَهُمُ اللَّهُ ] . وَفِي الْحَدِيثِ : مَنْ آذَانِي ; فَقَدْ آذَى اللَّهَ . وَفِي الْحَدِيثِ : مَنْ آذَى لِي وَلِيًّا ; فَقَدْ بَارَزَنِي بِالْمُحَارِبَةِ . وَقَالَ تَعَالَى : مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ [ النِّسَاءِ : 80 ] . وَمَفْهُومُهُ مَنْ لَمْ يُطِعِ الرَّسُولَ لَمْ يُطِعِ اللَّهَ . وَتَمَامُ الْعِشْرِينَ : الِاجْتِبَاءُ ; فَقَالَ تَعَالَى فِي الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ : وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [ الْأَنْعَامِ : 87 ] . وَفِي الْأُمَّةِ : هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ [ الْحَجِّ : 78 ] . وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مُصْطَفًى مِنَ الْخَلْقِ . وَقَالَ فِي الْأُمَّةِ : ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا [ فَاطِرٍ : 32 ] . وَالْحَادِي وَالْعِشْرُونَ : التَّسْلِيمُ مِنَ اللَّهِ ; فَفِي أَحَادِيثِ إِقْرَاءِ السَّلَامِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى نَبِيِّهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ . وَقَالَ تَعَالَى : قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى [ النَّمْلِ : 59 ] . وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ [ الْأَنْعَامِ : 54 ] . وَقَالَ جِبْرِيلُ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي خَدِيجَةَ : اقْرَأْ عَلَيْهَا السَّلَامَ مِنْ رَبِّهَا وَمِنِّي . وَالثَّانِي وَالْعِشْرُونَ : التَّثْبِيتُ عِنْدَ تَوَقُّعِ التَّفَلُّتِ الْبَشَرِيِّ ، قَالَ تَعَالَى : وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا [ الْإِسْرَاءِ : 74 ] . وَفِي الْأُمَّةِ : يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ [ إِبْرَاهِيمَ : 27 ] . وَالثَّالِثُ وَالْعِشْرُونَ : الْعَطَاءُ مِنْ غَيْرِ مِنَّةٍ ، قَالَ تَعَالَى : وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ [ الْقَلَمِ : 3 ] . وَقَالَ فِي الْأُمَّةِ : فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ [ التِّينِ : 6 ] . وَالرَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ : تَيْسِيرُ الْقُرْآنِ عَلَيْهِمْ ، قَالَ تَعَالَى : إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ [ الْقِيَامَةِ : 17 - 19 ] . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : عَلَيْنَا أَنْ نَجْمَعَهُ فِي صَدْرِكَ ، ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ [ الْقِيَامَةِ : 19 ] ; عَلَيْنَا أَنْ نُبَيِّنَهُ عَلَى لِسَانِكَ . وَفِي الْأُمَّةِ : وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ [ الْقَمَرِ : 17 ] . وَالْخَامِسُ وَالْعِشْرُونَ : جُعِلَ السَّلَامُ عَلَيْهِمْ مَشْرُوعًا فِي الصَّلَاةِ ; إِذْ يُقَالُ فِي التَّشَهُّدِ : السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ . وَالسَّادِسُ وَالْعِشْرُونَ : أَنَّهُ سَمَّى نَبِيَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِجُمْلَةٍ مِنْ أَسْمَائِهِ كَالرَّءُوفِ الرَّحِيمِ ، وَلِلْأُمَّةِ نَحْوَ الْمُؤْمِنِ وَالْخَبِيرِ وَالْعَلِيمِ وَالْحَكِيمِ . وَالسَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ : أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِالطَّاعَةِ لَهُمْ ، قَالَ تَعَالَى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ [ النِّسَاءِ : 59 ] ، وَهُمُ الْأُمَرَاءُ وَالْعُلَمَاءُ . وَفِي الْحَدِيثِ : مَنْ أَطَاعَ أَمِيرِي ; فَقَدْ أَطَاعَنِي . وَقَالَ : مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ . وَالثَّامِنُ وَالْعِشْرُونَ : الْخِطَابُ الْوَارِدُ مَوْرِدِ الشَّفَقَةِ وَالْحَنَانِ ; كَقَوْلِهِ تَعَالَى : طه مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى [ طه : 1 - 2 ] . وَقَوْلِهِ : فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ [ الْأَعْرَافِ : 2 ] . وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا [ الطُّورِ : 48 ] . وَفِي الْأُمَّةِ : مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ [ الْمَائِدَةِ : 6 ] الْآيَةَ . يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ [ الْبَقَرَةِ : 185 ] . يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا [ النِّسَاءِ : 28 ] . وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا [ النِّسَاءِ : 29 ] . وَالتَّاسِعُ وَالْعِشْرُونَ : الْعِصْمَةُ مِنَ الضَّلَالِ بَعْدَ الْهُدَى ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ وُجُوهِ الْحِفْظِ الْعَامَّةِ ; فَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ عَصَمَهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ . وَجَاءَ فِي الْأُمَّةِ : لَا تَجْتَمِعُ أُمَّتِي عَلَى ضَلَالَةٍ . وَجَاءَ : احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ . وَفِي الْقُرْآنِ : لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ [ ص : 83 ] ، تَفْسِيرُهُ فِي قَوْلِهِ : لَا تَجْتَمِعُ أُمَّتِي عَلَى ضَلَالَةٍ . وَفِي قَوْلِهِ : وَإِنَّى وَاللَّهِ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمْ أَنْ تُشْرِكُوا بَعْدِي وَلَكِنْ أَخَافُ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنَافَسُوا فِيهَا . وَتَمَامُ الثَّلَاثِينَ : إِمَامَةُ الْأَنْبِيَاءِ ; فَفِي حَدِيثِ الْإِسْرَاءِ أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَمَّ بِالْأَنْبِيَاءِ ; قَالَ : " وَقَدْ رَأَيْتُنِي فِي جَمَاعَةٍ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ . . . فَحَانَتِ الصَّلَاةُ فَأَمَمْتُهُمْ " . وَفِي حَدِيثِ نُزُولِ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ إِلَى الْأَرْضِ فِي آخِرِ الزَّمَانِ : إِنَّ إِمَامَ هَذِهِ الْأُمَّةِ مِنْهَا ، وَإِنَّهُ يُصَلِّي مُؤْتَمًّا بِإِمَامِهَا . وَمَنْ تَتَبَّعَ الشَّرِيعَةَ وَجَدَ مِنْ هَذَا كَثِيرًا ، [ مَجْمُوعُهُ ] يَدُلُّ عَلَى أَنَّ أُمَّتَهُ تَقْتَبِسُ مِنْهُ خَيْرَاتٍ وَبَرَكَاتٍ ، وَتَرِثُ أَوْصَافًا وَأَحْوَالًا مَوْهُوبَةً مِنَ اللَّهِ تَعَالَى وَمُكْتَسَبَةً ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى ذَلِكَ .

              ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


              الخدمات العلمية