الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
التالي صفحة
السابق

تقديم

عمر عبيد حسنة

الحمد لله، الذي جعل الإنسان المسلم من أطول الناس أعمارا، وأعظم له أجره، وجعله ممتدا إلى يوم الدين، حتى ولو توقفت حياته وانقضى عمره وانطفأت فاعليته؛ ذلك أن من كمال الإيمان وصحته أن يؤمن المسلم بالنبوات جميعها، سواء في ذلك النبوة الأولى، حيث بدء الخليقة وتلقي آدم، عليه السـلام، من ربه الكلمات، وانتهاء بالنبوة الخاتمة، واعتبار أمة النبوة أمة ممتدة متوارثـة واحدة على اختلاف الزمان والمكان، تلك الحقيقة التي أكدها القرآن بعد ذكر شيء من قصص الأنبياء:

( وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون ) (المؤمنون:52) ،

( قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون ) (البقرة:136) .

فالمؤمن بالنبوة الخاتمة، التي انتهت إليها أصول الرسالات مؤمن بالنبوات كلها، ابتداء من الصحف الأولى إلى الرسالة الخاتمة، هذا الرصيد التاريخي الحضاري وهذا العطاء الإنساني وهذا البنيان المتتابع المتكامل جاء الإسلام ليشكل أحد لبناته: ( إن مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى بيتا فأحسـنه وأجمله إلا موضع لبنة من زاوية فجعل الناس يطوفون به ويعجبون له ويقولون: هلا وضـعت هذه اللبنة؟» قال: «فأنا اللبنة وأنا خاتم النبيين ) (أخرجه البخاري ) ، وجاء المسلم يمتلك كل هذا الرصيد وهذه التجارب الإنسانية والتواصل الحضاري، يؤمن به ويدافع عنه ويمتد به، ويختزل الثواب التاريخي المتدفق لكل أتباع الأنبياء، حسبه أنه من أتباعهم، وبذلك يمكن اعتبار الإنسان المسلم من أطول الناس أعمارا، وأغناهم فكرا، وأثراهم تجربة، وأعظمهم إيجابية، وأقواهم شخصية؛ وأرضاهم فألا واستبشارا بالمستقبل وتطلعا إلى موعود الله؛ لأنه يرتكز إلى ميراث النبوة وعطائها التاريخي ويتابع المسير إلى يوم الخلود الموعود.

حتى الموت، الذي يشكل الهاجس الدائم للإنسان ويورث الخوف والقلق؛ لأنه يشكل بالنسبة لغير المتدين أحد الأسئلة الكبرى واللغز المحير الذي لا يفارقه مهما تشاغل عنه: من أين جئنا؟ وكيف بدأت الحياة؟ وإلى أين تنتهي؟ وهل الموت يعني الانطفاء النهائي؟ إلى آخر هذه القائمة الطويلة من الأسئلة التي أعيت الفـلاسفة وقهرت عقولهم، وإذا كان ذلك كذلك فما طعم الحياة مع المرض والموت، الذي ينتقص من طعم الحياة وينغص سعادتها، ولا يجد له الإجابة الشافية إلا في قيم السماء، قال تعالى: ( ولتجدنهم أحرص الناس على حياة ومن الذين أشركوا يود أحدهم لو يعمر ألف سنة وما هو بمزحزحه من العذاب أن يعمر والله بصير بما يعملون ) (البقرة:96) . فالموت الذي هو بحسب الظاهر والمعيار المادي توقف للحياة وانطفاء للفاعلية وانقطاع عن ممارسة العمل، لا يعني عند المسلم توقف العطاء واستمرار الثواب وامتداد النفع؛ فهناك أعمال صوب الإسـلام النظر إليها واستهدفها، تبقى ممتدة ومسـتمرة ومستزيدة للعطاء والثواب حتى بعد الموت، من مثل الصـدقة الجـارية، والعـلم النافع، والذرية الصالحة المستقيمة على الطريق.

هذه الرؤية أو هذه العقيدة وهذا الإيمان والتصديق، الذي يمتلكه المسلم ويتميز به وينتشله من الإحبـاط والقلق واليـأس والسقـوط والسلبية، وربما الانتحار، جاء نتيجة لنـزوع فطري عفوي إنساني صوب الخلود وحب الاستمرار والبقاء، الذي يعيش في أعماق كل إنسان، والذي انحدر إلى البشرية من صلب آدم، أبو البشر، عليه السلام، عندما أقدم على الأكل مما توهم أنها شجرة الخلد وملك لا يبلى:

( وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها رغدا حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين ) (البقرة:35) ،

لكن الإنسان، بغياب معرفة الوحي، قد يضل طريقه السوي فيعبر عن هذا النـزوع إلى الخلود بأشكال وممارسات قد تكون في بعض الأحيان أقرب إلى الأوهام من مثل صناعة التماثيل والأنصاب وتثبيت بعض المشاهد بلقطات تصويرية، أو إقامة نصب تذكارية، أو نحت تماثيل تبرز بعض جوانب العظمة والتميز، أو الإنفاق على جيوش من المداحين والإعلاميين لإطرائه والحديث عن عظمته وإنجازاته، التي يتوهم أنها ستخلد ذكره، وقد يصل الأمر عند بعضهم أن تتعاظم رغبته في الخلود والاحتفاظ باللحظة السعيدة التي يعيشها والخوف من فواتها؛ لأنه لا يرضى أن تنقضي، فيقدم على إيقاف حياته عندها وينتحر.

هذه المعـادلة الحياتية الصعبة، وهذا النـزوع الفطري إلى الخلود عالجه الإسـلام بحسن توجيهـه الوجهـة السـوية الإيجـابية، فرتب عليه الإيمان بيوم الخلود، يوم القيامة، حيث العمل المورث للسعادة والبقاء الدائم وعدم وجود المنغصات جزءا من عقيدة المسلم، تلك العقيدة التي تكسبه الاطمئنان والإيجابية والفاعلية وترشد سلوكه إلى ممارسة أعمال تضمن استمرار حياته وطول عمره وعدم انقطاعه، وذلك بإغرائه بتقديم الصدقات الجارية المستمرة ذات النفع العام، التي تضمن له الاستمرار وعدم الانقطاع والانطفاء بالموت.

فالرسول صلى الله عليه وسلم يقول: ( إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة: إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له ) (أخرجه مسلم ) ؛ فالعلم النافع، والعمل الخير، والتربية الصالحة هي محاور العيش السعيد في الدنيا والحياة المديدة، والفوز بالآخرة دار الخلد.. والعمل الخير وخير أنواع العمل يتمثل في الحياة الإسلامية بتشريعات «الوقف» الذي بدأ خطواته الأولى مع نزول الوحي وإقامة المجتمع المسلم الأول، الأنموذج، والحرص على تحقيق كفايته وتنميته.

وبعد:

فهذا «كتاب الأمة» الخامس والثلاثون بعد المائة: «إحياء دور الوقف.. لتحقيق مستلزمات التنمية»، للدكتور أسامة عبد المجيد العاني، في سلسلة «كتاب الأمة»، التي يصدرها مركز البحوث والدراسات في وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية في دولة قطر، في محاولتها الدائبة لاسترداد خيرية الأمة، وتجديد فاعليتها، وإقدارها على الإفادة من تجربتها الحضارية التاريخية، وتفعيل إمكانات النهوض، وتأهيلها لتحقيق الشـهود الحضاري بما تمتلك من معايير العدل وقيم الوسطية والنص المعصوم والسيرة العملية التي تشكل الدليل في تنـزيل النص الإلهي على واقع الناس، استجابة لقوله تعالى: ( وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا ) (البقرة:143) .

إن مهمة الشهادة على الناس والقيادة لهم تقتضي بناء مؤهلات والالتزام باستحقاقات لا تتوفر في كثير من الأحيان إلا بفقه النص وفهم الواقـع، وتجنب مجـازفات الإسقاط للأحكام الشرعية على غير محالها، وعدم توفير استطاعات تطبيقها، والتوهم بأن الواقع بكل إصاباته وتخلفه وانسلاخه عن قيمه واستلابه من قبل (الآخر) يمثل الجيل الرباني الفريد، المؤهـل لتـلقي الأحـكام الشرعية التي التزمها جيـل خير القرون، وعدم فقه الواقع، والحكم عليه من خلال الأماني والرغبات، وعدم التمييز بين الإسقاط الذي يقع فيه الكثير ممن لا فقه لهم ولا كسب معرفي وبين التنـزيل للأحكام على واقع الناس بحسب استطاعاتهم وأخذهم بالأحكام الشرعية شيئا فشيئا.

فالذي يستقرئ مسيرة النبوة يدرك أن الإسلام يبدأ مع الناس من حيث هم، ويرتقي بهم شيئا فشيئا، فإذا ما بذلوا اسـتطاعاتهم واستفرغوا جهدهم فقد طبقوا الشريعة المكلفين بها وفق اسـتطاعاتهم، وإن لم يستكملوا سائر فروعها وأبنيتها، شريطة أن يؤمنوا بذلك ويعملوا على استكماله.

إن عملية تطبيق الشريعة واستعادة خيرية الأمة وإعادة ضخ الدم في شرايينها وتجديد مرجعيتها إنما يتحقق –كما أسلفنا- من خلال فقه النص وفهم الواقع، أي الاجتهاد في مورد النص ومحل تنـزيله، والنظر في مدى توفر الاستطاعة الممكنة من التنـزيل، والاهتداء بمسيرة السيرة، والمقاربة مع مواصفات خير القرون، والانطلاق من المرتكزات الأساس، التي قامت عليها حضارة الإسلام في سعينا لإعادة البناء وإبصار فقه الحياة، إلى جانب فقه النص.

وفي تقديري البسيط أن فقه النص لا يكتمل وتتحقق مقاصده إلا بفقه الحياة وامتلاك آليات التنـزيل وإلا تحولت القيم الإسلامية إلى قيم مثالية طوباوية فلسفية نظرية بعيدة عن واقـع الناس؛ فالدين إنما شرع للحياة الدنيا وإعادة صياغتها على مختلف الأصعدة وليس للهروب منها ورسم الأحكام في الفراغ. وبناء الحياة وإعادة بنائها لا يتحقق بالأفكار الطوباوية والقيم الحالمة وإنما يتحقق بالتفكر والتدبر والتعقل؛ يتحقق بالإخلاص والصواب، بالإيمان والعمل بالقوة والأمانة، بالنظرية والتطبيق، بالانطلاق والارتباط بالمرجعية والاتصال بالعصر، بالتحقق من الاختصاصات المعرفية التي تمكن من إبداع آليات بناء المجتمع وإقامة العمران.

ولعل من الركائز الأساس لإعادة الحياة الإسلامية وبناء الحضارة وإقامة العمران وتوفير التنمية وتحقيق مقاصد الدين إدراك الأبعاد التنموية والدينية لدور «الوقف» في المجالات المتعددة، الصحية والاجتماعية والتعليمية والاقتصادية والإنسانية... إلخ.

إن «الوقف» بمقـدار ما يمثل صـدقة جـارية ممتدة غير منقطعة الثواب ويسـاهم باستـمرار عطـاء الإنسان، حتى بعد موته، على المستوى الفردي، بمقدار ما يمثل الوسيلـة الأهم في إقامة التنمية المستدامة على المستوى الاجتماعي؛ لأنه يمثل الروح الحضارية السارية في الحياة الإسلامية والمحرك الحضاري والرافعة الحقيقية الفاعلة، من الناحية الروحية والمادية؛ لأنه يبني الحياة، ويقيم العمران، ويغطي الحاجات، ويتيح فرص العمل، ويوسع دائرة الملكية الجماعية، ويحد من النـزعات الفردية والأثرة الناتجة عن تكدس المال حتى يصبح دولة بين الأغنياء دون الفقراء والمعوزين، ويشجع الروح الجماعية ويذكي النـزوع باتجاه الآخرين واستشعار حاجاتهم وإيثار مصالحهم. وبالإمكان القول: إن نظام «الوقف» في الإسلام بكل أحكامه الشرعية، الذي انطلق من القيم في الكتاب والسنة وفعل الصحابة، وارتكز إلى بناء هياكل المجتمع، وغطى جميع مرافقه، وحقق التكافل الاجتماعي، وقوى النسيج الاجتماعي، يتميز عن سائر الصدقات والنذور والكفارات والموارد المالية، التي شرعها الإسـلام، والتي قد تكون اسـتهلاكية في كثير من الأحيان، بأنه يمثل الاسـتثمار الإنتاجي والتنمية المسـتدامة، حيث يقع على التأبيد، ومن أهم شروطه حبس العين، بقاؤها واستمرارها، والتحرك بالمنفعة والنواتج.. فهو عطاء مستمر، غير محدد بزمن، وهذا بطبيعة الحال يضمن للمشروعات الإنتاجية والتنموية الامتداد والاستمرار والاستقرار.

أما بقية الصـدقات والهـدايا والوصايا والزكوات والكفارات والنذور فيغلب عليها الطابع الاستهلاكي وسد الحاجات الطارئة وترميم الإصابات الآنية.

والأمر الملفت حقا أنه على الرغم من أن «الوقف» نظام إسلامي ندب إليه الدين الإسلامي، ورتب عليه الثواب الدائم، وبدأه الرسول صلى الله عليه وسلم في سنته العملية، كمحل لاقتداء المسلمين، وتبعه الصحابة، رضوان الله عليهم، كمحل للاتباع، فإن نظام «الوقف» وعطاءه وفعله الاجتماعي العام أصبح نظاما ماليا اجتماعيا استثماريا وطنيا يتطلع إليه ويساهم فيه كل مواطن، في المجتمع الإسلامي، حتى ولو كان غير مسلم، كما أن ريعه يعم جميع المواطنين! ولا يفوتنا هنا أن نذكر بـ «وقف» مخيريق اليهودي، الذي ناط بالرسول صلى الله عليه وسلم أن يضعه حيث يرى، وهو ما يزال على يهوديته، التي مات عليها؛ وكذلك ما حصل من زوج الرسول صلى الله عليه وسلم أم المؤمنين صفية، رضي الله عنها، عندما وقفت على أخيها اليهودي وهي مسلمة.

فنظام «الوقف» وعطـاؤه أصبح مؤسسـة مواطنة، ونفعـه وعطاؤه لم يقتصر على دين أو جنس أو لون، وإنما هو عطاء إنساني غير مجذوذ.

وقضية أخرى قد تكون ملفته أيضا، وهي أن هذا النظام، بكل أحكامه ومقاصده وفعله الاجتماعي، قد مضى عليه ما يقارب خمسة عشر قرنا عندما كانت المجتمعات البشرية ما تزال تحبو صوب التحضر وبناء المجتمعات وتحقيق التكافل وتنمية الحس الاجتماعي، والباحث المنصف هو الذي ينظر لموضوع «الوقف» كفكرة رائدة متقدمة من خلال زمانه ومكانه ومحيطه.

ولا يضير هذا النظام في أصله أنه تجمد في أحكامه ووسائله ومجاله وأوعيته، وتحول إلى قوالب جامدة اكتسبت نوعا من القدسية والرتابة، بسبب توقف الاجتهاد فيها والتوليد لأحكام جديدة وحصول السبق من قبل الآخرين، الذين طوروا نظام التبرعات والعمل التطوعي، طوروا أوعيته ووسائله ومقاصده ومجاله حتى باتت المؤسسات العلمية والصحية والاقتصادية والاجتماعية والتنموية الكبرى والمؤثرة في العالم المتقدم تمتد وتتطور ويعظم نفعها، وتبتكر وسائل وأدوات جديدة، وتمتد إلى خارج الحدود، ولا تعيش عالة على غيرها، وتتمكن بسبب أصول الوقف الثابتة ومشـاريع الاستثمار المجدية من وضع خطط طويلة الأمد، دون أن تتعرض لأية مخاطر، إنها تبصـر طريقـها لمئات السـنين، وتسـاهم باستمرار واستقرار مجتمعاتها، في الوقت الذي ما يزال نظام «الوقف» في حياتنا الحاضـرة يعاني من التخلف والجمود والتقليد والعجز، الذي انعكس عليه من خلال مناخ التخلف وإنسـان التخلف، إنه في كثير من جوانبه ما يزال يحـكم بعقلية نظام المقايضة من الناحية المالية، ويمارس فيه تقديس أشكاله ووسائله، حتى لو أفقدته روحه.

إن «الوقف» في حياتنا المعاصرة لم يكتشف أبعادا جديدة لفعله ومرافق إنسانية حديثة، ووسائل استثمارية وتنموية متقدمة إلا بأقدار بسيطة، كما أنه لم يستفد بالقدر الكافي من طرائق الإدارة، التي أصبحت فنا وعلما، ووسائل الاستثمار الحديثة وإعادة هيكلة مؤسساته، وكأن شكله القديم ووسائله وأدواته وأوعيته ومجاله هي مقدسات لا تمس ولا تراجع! علما بأن الذي عنده إطلاع بسيط على أحكام «الوقف» الشرعية والتزاماته وشروط الواقف واستبدال الوقف وجواز الرجوع عنه وتعظيم استثماره، وكونه ملكية عامة، تخرج عن إطار الفرد، أو هو ملكية لله تعالى لها أحكامها الخاصة، تلك الأحكام الخاصة التي تحول دون إدخاله في إطار وأنظمة الملكية العامة ووسائل التصرف بها، حماية له من سطوة الطغاة والحكام الظلمة.

إن الذي يقرأ وجهة نظر جميع المذاهب الفقهية، التي استوعبت كل الاحتمالات الممكنة يرى كم الفضاء الاجتهادي واسعا، والمدى للحركة والإبداع والابتكار رحبا، وإمكانية الاختيار للأنسب لعصرنا ومشكلاته متاحة؛ إنها المرونة الكاملة، التي تتمتع بها سائر أحكام المعاملات المبنية أصلا على تحقيق مصالح الناس والمجتمع.

ولئن كانت أحكام الأمور العبادية تتناهى بطبيعتها، والطريق إليها الاقتداء والاتباع، ولا تتجاوز سقفا للاجتهاد محكوما إلى حد بعيد، لذلك قد يسوغ فيها إغلاق باب الاجتهاد؛ لأنها استبحرت حتى لم تدع استزادة لمستزيد، فإن أمور المعاملات المبنية على تحقيق المصالح الدنيوية أو المعللة بتحقيق المصالح الدنيوية المتجددة لا تتناهى ولا تحدها حدود، لا يجوز توقف الاجتهاد فيها تحت أية ذريعة من الذرائع؛ إن إغلاق باب الاجتهاد جعل الكثير منها يراوح مكانه من عصور ماضية خارجة عن حدود الزمان والمكان؛ لقد أصبحت تعاني من غربة الزمان والمكان.

ومن هنا ندرك أهمية ما كان من التفصيل في الأمور العبادية القائمة على الاتباع وأمور الإرث وتوزيع التركات، وندرك ما كان من أهمية الإجمال والعموم في تنظيم المعاملات المتطورة والسريعة، القائمة على الاجتهاد في اكتشاف المصالح والاجتهاد في تنـزيل النص عليها وتحقيقها.

وندرك أيضا لماذا جعل بعض الفقهاء تحقيق المصلحة غاية النص، وحكمته وعلته، التي يدور عليها، إلى درجة وصل معها إلى تقييد النص بالمصلحة!

ولعلنا نقول هنا: إن إشكالية إغلاق باب الاجتهاد وتوقيف فعل العقل في النظر والتدبر والاعتبار والقياس وتعدية الرؤية من المنصوص عليه إلى الحادث المشابه أدى إلى الخروج من ساحة الحياة بشكل شبه كلي، وقضى على فاعلية الأمة ونشاطها الذهني وإنتاجها العقلي والفكري والفقهي، وانتهى بها إلى الدوران حول ما أبدعه الأسلاف، وعلى أحسن الأحوال إعادة إنتاجه مرة أخرى لكن على شكل آخر، لا جديد فيه إلا لون الورق، وطريقة الطباعة والتجليد!

لقد كانت الإصابة في فقه «الوقف» خطيرة جدا، قد تتجاوز الكثير من الإصابات في المجالات الأخرى؛ انعكست على الفعل الاجتماعي، والنسيج المجتمعي، وضمور الفعل الخيري، وتيبس حركته ومحدوديتها؛ لقد توقف حراك «الوقف» كما توقفت الكثير من مفاصل المجتمع، بسبب إغلاق باب الاجتهاد بذريعة فساد العصر وعدم وجود الكفاءات الفقهية وعدم توفر شروط الاجتهاد النظرية التعجيزية، في معظم الأحيان، والخوف على قيم الدين من العبث، فكانت النتيجة أخطر بكثير مما يمكن أن يكون من خطأ أو إصابة نتيجة للاجتهاد.

كانت النتيجة خروج العقل المسلم من ساحة الفعل الثقافي والحضاري، وخروج الفقه من حركة الحياة، وتقطع الأمة أمما، وشيوع التقليد، وتبعثر رقعة التفكير، والتمزق الاجتماعي، سواء في ذلك التقليد للسلف الذين اجتهدوا لعصرهم فأبدعوا وسبقوا وأنجزوا حضارة ما تزال تعتبر مفخرة من مفاخر العطاء البشري، أو التقليد الأعمى لـ (الآخر) دون القدرة على التمييز بين ما نأخذ وما ندع؛ لأن القادر على ذلك التمييز هو العاقل الواعي المجتهد، الذي يمتلك المقياس والمعيار المتأتي من قيمه، المنطلق من معادلته الاجتماعية؛ لذلك أصبحنا نعاني من غربة الزمان، بتقليد الماضي دون تبصر، وغربة المكان بتقليد (الآخر) دون بصيرة، ودون أن ندري أننا إنما ندور في المكان الواحد... وتمضي الأيام.

إن الماضي بإنجازاته الباهرة يتحول إلى عبء ومعوق عند إنسان التخلف «الإنسان الكل» بدل أن يشكل عنده الماضي محرضا وباعث نهضة وكاشف بصيرة؛

( وضرب الله مثلا رجلين أحدهما أبكم لا يقدر على شيء وهو كل على مولاه أينما يوجهه لا يأت بخير ) (النحل:76) ؛

وإن إنجاز (الآخر) وأشياءه التي تلقى إلينا أو علينا دون القدرة على تمييز ما يحقق الانتفاع ويوصل إلى حسـن الاختيـار سـوف يؤدي إلى تكريس التخـلف وإطفاء الفاعلية والاسترخـاء وعدم استشعار الحاجة؛ ذلك أن «الإنسان العدل» الغائب اليوم عن عالمنا الإسلامي بالأقدار المطلوبة هو الذي يعرف وينكر، يأخذ ويرد، يقبل ويرفض.

فحالة التقليد التي تحكمنا ولما نحاول الانعتاق منها بفتح منافذ النقد والتفكير لم تمكننا من الامتداد بحضارتنا والاجتهاد في تنـزيل قيمنا على واقعنا؛ وفي الوقت نفسه لم تمكننا من الإفادة من (الآخر) بمنجزاته وتقدمه، وتحول الفخر بالماضي، الذي نلجأ إليه هربا من واقعنا الأليم ومعالجة لمركب النقص والعجز فينا، إلى لون من التلاوم والتبرم والشكوى والخوف وإفراز ذهنية الاستحالة؛ هذا الماضي العظيم أصبح عظيما مانعا بدل أن يكون دافعا. ولعل هذا أظهر ما يكون في نظام «الوقف» الذي ما يزال يراوح في مكانه، بكل شروطه وأحكامه وأوعيته وأدواته، التي هي في نهاية المطاف اجتهاد قابل للنقد والنقض والتجاوز، بسبب تجدد الظروف والأحوال والحاجات؛ إنه ما يزال يراوح من قرون إلا من بعض الإضاءات هنا وهناك يرجى لها أن تكون من بصائر الحاضر وبشائر المستقبل؛ مع تقديرنا الكامل لأصحاب النوايا الطيبة، الخائفين على الوقف من العبث خوف الأم على وليدها المريض من الذهاب به إلى الطبيب، الخوف الذي لا يساهم بشفائه، حيث لا بد له من خبرة الطبيب.

لقد اختلف مفهوم الأشياء الـمتقومة بمال، حتى مفهوم المال نفسه، فأصبحت الخبرة مالا، والوقت مالا، والخدمات مالا، والتصميم مالا، والاختراع مالا، والإبداع مالا، ومؤسسات الإنتاج مالا، واختلفت شروط التملك التام ومفاهيم القدرة على التسليم ووسائل التسليم والتحويل، ومع ذلك لم تتطور تلك المفاهيم في المجال الوقفي، الأمر الذي أدى إلى جمود الحركة والافتقار إلى المرونة والامتداد بعطاء الوقف، حيث ما يزال ينتسب إلى حقبة نظام المقايضة، كما أسلفنا، ونحن نعيش في عصر (الفيزا كارت) .

وليس ذلك فقط، فالثقافة السائدة والشائعة والمتوارثة أن «الوقف» وقف على الأثرياء وأصحاب الأموال والإقطاعات الكبيرة، لذلك فشريحته هي بعض المجتمع، بينما بالإمكان أن يمتد في الشرائح الاجتماعية المتعددة وتنشط أوعيته وذلك بأن تبتكر أوعية ومجالات جديدة تجعله يستوعب معظم شرائح المجتمع، الغنية والمتوسطة وحتى الفقيرة، بحيث يتيح لها المجال للمشـاركة والمسـاهمة، فبعضهم قد يشـارك بمال يوقفه، وبعضهم قد يشارك بوقت يمتلكه يمكن أن ينتج ويتحول إلى مال، وآخر يمكن أن يشارك بخبرة تثمر عطاء ومالا، ومنهم من يجعل تخصصه لساعات في الأسبوع لخدمة المجتمع، ومنهم من يشـارك بوقف مرافق عامة يملكها لبعض الوقت أو كل الوقت.

وأعتقد أن تذليل الأمر وتسهيله لمشاركة الجميع، مهما كانت إمكاناتهم وخبراتهم وتخصصاتهم ميسور؛ ولعل في إصدار سندات ذات قيم متفاوتة تتجمع لتتيح وقفا كبيرا لا يحتاج إلى أكثر من حسن إدارة ودقة اجتهاد، وبذلك يشعر الجميع بمسؤوليته الاجتماعية، ويساهم الجميع بارتقاء مجتمعهم، ويشعر الجميع بقربهم إلى الله وفعلهم الخير و «درهم»، في كثير من الأحيان، يسبق «مائة ألف درهم».

وليس ذلك فقط، بل يمكن النظر والتطوير في مجالات «الوقف» ومحاله، فليس المجال مقصور على بناء مسجد، على أهمية دوره الاجتماعي، أو تكية أو مصحة أو ميتم أو سبيل ماء، وهذا جميعه على غاية من الأهمية، لكن لا بد من التفكير أن هناك مرافق مهمة ومؤثرة، وثغورا مفتوحة في مجالات الحياة جميعا؛ وهناك أولويات من حيث النفع العام والإسهام في تنمية المجتمع واستكمال إحياء الفروض الكفائية فيه، فإن «الوقف» هو الكفيل بإغناء هذه المجالات جميعا. أين هو من إقامة معاهد الدراسات ومراكز البحوث؟ أين هو من ابتعاث الطلبة لاستكمال التخصصات النافعة والنادرة؟ أين هو من مجالات البحث العلمي النافع البعيد عن هدر الوقـت والمال حيث استعـاذ الرسول صلى الله عليه وسلم : ( من علم لا ينفع ) (أخرجه مسلم ) ؟ أين هو من إقامة المؤسسـات الاستثمارية الكبرى، التي بها قوام المجتمع وتحقيق مقاصد الدين، وإتاحة الفرصة للأيدي العاملة العاطلة لتوفير مجالات عمل لها؟ أين التشريعات والقوانين، التي تحقق للعملية الوقفية انسيابا وسلاسة وشفافية؟

في العالم المتقدم اليوم «الوقف» هو الذي يغطي حاجات الدولة والمجتمع، بل ويقوم بوظيفة الدولة في إقامة الجامعات الكبرى ومراكز البحوث والدراسات، ويسعى الأغنياء إليه تخليدا لذكراهم وتحقيقا لنـزعة الخلود عندهم، يخلدون ذكراهم بهذه الأعمال الكبرى؛ والدولة تشجع ذلك وتعفي صاحبه من الضرائب وفي مقدمتها ضريبة الدخل؛ وتقيم في الجامعات نصبا تذكارية لهؤلاء الأعلام الكبار في مجالاتهم.

وأكثر من ذلك، فالكتـاب والفنانون والشـعراء والرسـامون وأهل الشهرة يقيمون معارض وحفلات ولوحات معروضة للمزاد، وهذه كلها أموال أو سبب في تحصل أموال، ليعود ريعها إلى المشروعات الاجتماعية، تخليدا لذكراهم، ونحن نقرأ وندرس وندرس قول الرسول صلى الله عليه وسلم : ( إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة: إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له ) ؛ هذه المجالات هي التي تلخص مقاصد الحياة في التكافل الاجتماعي والاقتصادي والتقدم العلمي والمعرفي والتربية والتوارث لقيم الخير وضمان امتدادها، فأين نحن من ذلك كله، أم ما زلنا دون أن نخطو خطوة باتجاه تطوير محال «الوقف» ومجالاته؟

ولعل الجمود أوضح ما يكون، من بعض الوجوه، في محاصرة «الوقف» وتوقفه عن العطاء، وفوات مقاصده، بما يصطلح عليه بالتزام «شرط الواقف»، الذي أضفي عليه من القدسية لدرجة أصبح يعادل نص الشارع: «شرط الواقف كنص الشارع».. ولا شك أن احترام اختيار الواقف وتقدير رأيه من الأمور المطلوبة؛ لأنه صاحب المال، لكن إذا تحول هذا الشرط ليصبح لونا من التعسـف في استعمال الحق ويتحول إلى معوق وحاجز عن الانتفاع بالوقف وتفويت غرض الوقف ومقصده، بسبب تجاوز الزمن له، فإن الالتزام به يصبح نوعا من الحماقة التي تؤدي إلى الإلغاء الضمني لشرط الواقف.

ومن ذلك أيضا عملية «استبدال الوقف» عندما يصبه العقم وعدم النفع بسبب أو لآخر.. وهكذا أمور كثيرة.. وفي المذاهب الفقهية المعتمدة اجتهادات متنوعة لدرجة التعارض تمكن من ترجيح المصـلحة، التي تحقق غرض «الوقف» وتوصل إلى مقصـده، دون أن نخرج على اجتهادات السـابقين؛ فلماذا العطـالة وتقديس غير المقدس وتسـوية اجتهاد الشـارح بنص الشارع؟ وبشكل طبعي لم تعد الظروف والمشكلات والقضايا الاجتماعية والاقتصادية والتنموية والسياسات المالية والاقتصادية والنقدية والتمويلية والاستثمارية هي ذاتها قبل قرون، ولا قبل سنوات، وهي في تطور يومي مستمر، ولم تعد تغني معها الوسائل البسيطة، التي جاءت كثمرة اجتهادية لعصرها، بل إن تلك الصورة البسيطة التي كان يضطلع بها «ناظر الوقف» والمجالات التي يضطلع بها تطورت إلى مجموعة علوم ومعارف واختصاصات ومؤسسات، أصبحت أكبر من طاقة شخص أو أشخاص لمجرد أن يحيطوا بها، وليس للتعامل معها، فلابد لأي عمل واستثمار وشأن مالي واستثماري وإداري في شتى المجالات من متخصصين بالاستثمار ووسائله ومجالاته ومخاطره وجدوى مشروعاته، ولجان متابعة لتقويم مراحله، ولا بد له من متخصصين بالإدارة وآلياتها، ومتخصصين بالقانون التجاري والمالي والاقتصادي، وحتى الدولي، ومتخصصين في التخطيط التنموي وإدارة المشاريع، بحيث يقسم العمل بين مجموعة اختصاصات، ولا بد للجميع من أن ينطلقوا من مرجعية شرعية، إضافة إلى متخصصين بفقه الوقف قادرين على التـوليد لرؤى متقدمـة تتوازى مع العصـر وتبصر كل أدواته ووسائله وتجاربه، على مستـوى الذات و (الآخر) ، في مجـال العمل التطوعي والاستثماري.

وقد يكون من المفيد جدا التفكير بإقامة مشاريع وقفية استثمارية تعاونية كبرى، غايتها الاستثمار، يشارك فيها مجموعة مساهمين بسندات وقفية، وتكون لها، كما لسائر المشروعات الاستثمارية، هياكلها الإدارية وأوعيتها المالية ووسائلها الاستثمارية وجمعياتها العامة، بحيث تستوعب كل الإمكانات والطاقات والشرائح الاجتماعية، كلا بحسب إمكاناته وما يمكن أن يقدمه، بحيث يصبح ريع هذه المشروعات الاستثمارية، التي تستوعب كل المساهمات، قليلها وكثيرها، يغطي الكثير من المرافق الاجتماعية والتعليمية والصحية والتنموية، وبذلك يسترد «الوقف» دوره في الفعل الاجتماعي والتنموي.

إن «الوقف» اليوم بحاجة إلى رؤية متقدمة منطلقة من رصيد الماضي ومتصلة بالحاضر ومستشرفة للمستقبل، ومستفيدة مما توصل إليه العالم من أنظمة للإدارة والاستثمار وإقامة المشروعات الكبيرة ذات الجدوى، بحيث يشعر كل فرد في المجتمع بالمساهمة، وعدم قصره على الأغنياء وأصحاب الأموال الكبيرة.

وهذا من وجه آخر لا يعني أن «الوقف» مؤسسة أو شركة استثمارية غايتها تجميع الأموال الطائلة؛ وإنما الاستثمار في المجال الوقفي إنما هو لتحقيق غرض «الوقف» في الفعل الاجتماعي والتنموي والتكافلي... إلخ، لذلك يبقى الاقتصار على المباهاة بكمية الأموال دون تعظيم دورها في تنمية المجتمع مؤشر تخلف.

إن تعظيـم دور «الوقف» في الحيـاة يتطلب إقامة مشاريع عامة تنموية تعطي مردودا كبيرا قادرا على انتشال المجتمعات والترقي بها على الأصعدة المختلفة. وقد يكون من المفيد أن نشير إلى أن الإهمال الكبير، الذي لحق بمؤسسة «الوقف» في معظم بلاد العالم الإسلامي، الأمر الذي أدى إلى تجمده وتراجع دوره وتضاؤل وتآكل مؤسساته وغيابه، أصبح محلا للمراجعة وإعادة النظر، وبدأت الخطوات الأولى على الطريق الصحيح، الأمر الذي استدعى ملف «الوقف» إلى ساحة الاهتمام والاستثمار والتنمية، وسوف يتطور ويتطور ويستقطب متخصصين أصحاب رأي وخبرة إلى جانب المخلصين أصحاب الطيبة والنوايا الحسنة.

ولعل في تجربة دولة قطر المعاصرة وبعض المؤسسات الوقفية الأخرى في العالم الإسلامي مؤشرا طيبا على استشعار دور الوقف وأهميته في التنمية، بكل جوانبها، ووضع التشريعات وتوفير الخبرات والتخصصات اللازمة لتحقيق ذلك.

والجدير بالإشارة أيضا أن نظام «الوقف» تاريخيا لم يقتصر على القيام بحاجات المجتمع في مجال الصحة والتعليم والتكافل والتنمية والدعوة والثقافة، وإنما كان له دور حمائي لكيان المجتمع الإسلامي حال دون أنظمة الاستبداد السياسي والاستعمار من التسلط والسيطرة والسلب لأراضي «الوقف» ومؤسساته؛ لأنه ملك الله، لا يجوز التصرف به.

وحسبنا أن نقول: إن الإقدام على وقف المؤسسات والأراضي وسائر المرافق العامة هو الذي سوف يحميها في المستقبل من أيدي العابثين؛ ولقد تنبه أسلافنا إلى ذلك فأوقفوا الأرض والمؤسسات، الأمر الذي حال ويحول دون السيطرة عليها؛ ولعل المسجد الأقصى وما يحيط به من الأوقاف غير القابلة للتصرف، إلى جانب جهاد ومرابطة أهل بيت المقدس، كان هو السبب الأساس في بقاء المسجد واستمراره ومد الصامدين والمرابطين بروح إيمانية عالية جعلتهم يقدمون أرواحهم في سبيل الدفاع عن أولى القبلتين.

ومهما حاولنا الكلام عن أهمية «الوقف» القادم من تراثنا العريق، ودوره في التنمية بكل آفاقها، يبقى المطلوب القدرة على الإبصار المهم لدور «الوقف» الآتي من المستقبل بكل فضائه وآفاقه؛ كيف نوسع دائرة المشاركة لينخرط الناس جمعيهم في الفعل الوقفي؟

كيف نعيد النظر في محاله ونطور مجالاته؟

كيف نقرأ الاجتهادات الفقهية الغنية، فتشكل سبيلا لنا لخصوبة الرؤية وإدراك المصلحة؟

كيف نفيد من تجارب (الآخر) في الإدارة والاستثمار وإصدار السندات الوقفية وطبيعة المشروعات التي يمولها «الوقف»؟.. إن (الآخر) اكتسب الفكرة من سبق الإسلام وتقدم بها من حيث توقفنا.

ويبقى ملف «الوقف» مفتـوحا من كل زواياه، يتطـلب مزيدا من الفقه والاجتهاد والاختصـاص والتشـريع، الذي ينأى به عن متناول السلطات الغاشمة. وهذا الكتاب، يعتبر محاولة جادة لاستلهام التجربة الوقفية التاريخية، التي اضطلع بها «الوقف» في تغطية حاجات المجتمع، وتحقيق تكامله، والإسهام في تنميته الشاملة، والامتداد بالمجتمع الإسلامي وحمايته، خاصة في الفترات التي انفصل فيها السلطان عن القرآن، فكان الاستبداد وكان الاستعمار وكان الانسلاخ من قيم الإسلام؛ حيث يدعو الباحث للإفادة من تجربة الغرب المتقدم في مجال الأموال الموقوفة، في موضوعها وآلية إدارتها، التي قطعت شوطا كبيرا في تقديم الخدمات بشكل عام، في محاولة لتفعيل دور «الوقف» وتوسيع مشاركاته وتنويع مجالاته لمعاودة النهوض وتوفير متطلبات التنمية.

وعلى الرغم من أن «الوقف» أخذ مساحة مقدورة في مشروعاتنا الثقافية، في «مدرسة الأمة»، حيث أصدرنا «الوقف ودوره في التنمية» كجائزة وقفية عالمية محكمة، وأصدرنا: «الوقف في المجتمع الإسلامي» وأصدرنا: «دور الوقف في الرعاية الصحية»... وغيرها، إلا أننا نعتقد أن هذا الملف بطبيعته وتطور المجتمع من حوله يتطلب دائما مزيدا من النظر والتدبر والاجتهاد والامتداد، متخذين تاريخنا وإنجاز أسلافنا محرضا حضاريا ودليلا مرشدا، لتنصرف جهودنا إلى ارتياد آفاق جديدة ولا تنحصر بإعادة الإنتاج لما سبق.

والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث