الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب في الرؤية

4733 [ ص: 296 ] 577 \ 4566 وعن أبي هريرة رضي الله عنه ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ينزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى سماء الدنيا حتى يبقى ثلث الليل فيقول : من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟ .

وأخرجه الباقون.

التالي السابق




قال ابن القيم رحمه الله: وفي لفظ لمسلم فيه : ينزل الله عز وجل إلى سماء الدنيا كل ليلة، حتى يمضي ثلث الليل الأول، فيقول: أنا الملك، وأنا الملك، من ذا الذي يدعوني فأستجيب له ؟ من ذا الذي يسألني فأعطيه ؟ من ذا الذي يستغفرني فأغفر له ؟ فلا يزال كذلك حتى يضيء الفجر .

وفي لفظ آخر لمسلم : إذا مضى شطر الليل- أو ثلثاه - ، ينزل الله تبارك وتعالى إلى سماء الدنيا فيقول: هل من سائل يعطى ؟ هل من داع فيستجاب له؟ هل من مستغفر فيغفر له؟ حتى ينفجر الصبح .

وفي لفظ آخر لمسلم : من يدعوني فأستجيب له؟ أو يسألني فأعطيه؟ ثم يقول: من يقرض غير عديم ولا ظلوم؟ .

[ ص: 297 ] وفي لفظ آخر له : ثم يبسط يديه تبارك وتعالى: من يقرض غير عديم ولا ظلوم .

وفي "صحيح مسلم" أيضا، عن أبي سعيد، وأبي هريرة قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله تعالى يمهل، حتى إذا ذهب ثلث الليل الأول ينزل إلى السماء الدنيا، فيقول: هل من مستغفر؟ هل من تائب؟ هل من سائل؟ هل من داع؟ حتى ينفجر الفجر .

قال الترمذي: وفي الباب عن علي، وأبي سعيد، ورفاعة الجهني، وجبير بن مطعم، وابن مسعود، وأبي الدرداء، وعثمان بن أبي العاص، وحديث أبي هريرة حديث حسن صحيح.

وقد روي هذا الحديث من أوجه كثيرة، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ينزل الله عز وجل حين يبقى [ ص: 298 ] ثلث الليل الآخر ، وهو أصح الروايات. آخر كلامه.

وفي الباب، عن عبادة بن الصامت...

قال عباد بن العوام: "قدم علينا شريك واسط، فقلنا له: إن عندنا قوم ينكرون هذه الأحاديث، أن الله عز وجل ينزل إلى سماء الدنيا، فقال شريك: إنما جاءنا بهذه الأحاديث من جاءنا بالسنن، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: الصلاة والصيام والزكاة والحج، وإنما عرفنا الله عز وجل بهذه الأحاديث".

قال الشافعي في رواية الربيع: وليس في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا [ ص: 299 ] اتباعها بفرض الله عز وجل، والمسألة بكيف في شيء قد ثبتت فيه السنة ما لا يسع عالما.

وقال مطرف: سمعت مالكا يقول - إذا ذكر عنده الزائغون في الدين -: قال عمر بن عبد العزيز: "سن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وولاة الأمور بعده سننا، الأخذ بها اتباع لكتاب الله، واستكمال لطاعة الله، وقوة على دين الله، ليس لأحد من الخلق تغييرها ولا تبديلها، ولا النظر في شيء خالفها، من اهتدى بها فهو مهتد، ومن استنصر بها فهو منصور، ومن تركها واتبع غير سبيل المؤمنين، ولاه الله ما تولى، وأصلاه جهنم وساءت مصيرا .

وقال إسحاق بن منصور: قلت لأحمد بن حنبل : ينزل ربنا كل ليلة حتى يبقى ثلث الليل الآخر إلى سماء الدنيا أليس تقول بهذه الأحاديث: ويرون أهل الجنة ربهم ، و لا تقبحوا الوجه ، و "اشتكت [ ص: 300 ] النار إلى ربها" ، و أن موسى لطم عين ملك الموت؟ فقال أحمد: هذا كله صحيح. قال إسحاق: ولا يدعه إلا مبتدع أو ضعيف الرأي.

فإن قيل: فكيف تصنعون فيما رواه النسائي: أخبرني إبراهيم بن يعقوب، حدثني عمر بن حفص بن غياث، حدثنا أبي، حدثنا الأعمش، حدثنا أبو إسحاق، حدثنا مسلم الأغر، قال: سمعت أبا هريرة وأبا سعيد الخدري يقولان: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله يمهل حتى يمضي شطر الليل الأول، ثم يأمر مناديا ينادي ويقول: هل من داع يستجاب له؟ هل من مستغفر [ ص: 301 ] يغفر له، هل من سائل يعطى؟ - وهذا الإسناد ثقات كلهم- ؟ .

قلنا: وأي منافاة بين هذا وبين قوله : " ينزل ربنا، فيقول"؟ وهل يسوغ أن يقال: إن المنادي يقول: " أنا الملك " ، ويقول : " لا أسأل عن عبادي غيري " ، ويقول : " من يستغفرني فأغفر له "؟

وأي بعد في أن يأمر مناديا ينادي : "هل من سائل فيستجاب له" ثم يقول هو سبحانه : " من يسألني فأستجيب له "؟ وهل هذا إلا أبلغ في الكرم والإحسان أن يأمر مناديه يقول ذلك، ويقول سبحانه بنفسه! وتتصادق الروايات كلها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا نصدق بعضها، ونكذب ما هو أصح منه، وبالله تعالى التوفيق.



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث