الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

كتاب الكسب

وقال : ولو أن الناس قنعوا بما دون ذلك وعمدوا إلى الفضول فقدموها لآخرتهم كان خيرا لهم والأصل فيه حديث أبي ذر رضي الله عنه : فإنه كان يتعلق بأستار الكعبة في أيام الموسم وينادي بأعلى صوته ، ألا من قد عرفني ، فقد عرفني ، ومن لم يعرفني فأنا أبو ذر جندب بن جنادة صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن أحدكم إذا أراد سفرا استعد لسفره فما لكم لا تستعدون لسفر الآخرة وأنتم تتيقنون أنه لا بد لكم منه ، ألا ومن أراد سفرا في الدنيا فإن بدا له أن يرجع تمكن وإن طلب القرض وجد ، وإن استوهب ربما يوهب له ، ولا يوجد شيء من ذلك في سفر الآخرة وسئل يحيى بن معاذ رضي الله عنه ما لنا نتيقن بالموت ولا نحبه ؟ فقال : إنكم أحببتم الدنيا فكرهتم أن تجعلوها خلفكم ، ولو قدمتم محبوبكم لأحببتم اللحوق به فعرفنا أن الأفضل أن يكتفي من الدنيا بما لا بد له منه ويقدم لآخرته ما هو زيادة على ذلك مما اكتسبه ، ولكنه لو استمتع بشيء من ذلك في الدنيا بعد ما اكتسبه من حله لم يكن به بأس والقول بتأثيم من ينفق على نفسه وعياله مما اكتسبه من حله وأدى حق الله تعالى منه غير سديد إلا أن أفضل الطريق طريق المرسلين [ ص: 286 ] عليهم السلام وقد بينا أنهم اكتفوا من الدنيا بما لا بد لهم منه خصوصا نبينا صلى الله عليه وسلم فإنه { لما عرض عليه خزائن مفاتيح الأرض ردها وقال : أكون عبدا نبيا أجوع يوما وأشبع يوما ، فإذا جعت صبرت ، وإذا شبعت شكرت } ولكن مع هذا في بعض الأوقات قد كان يتناول بعض الطيبات حتى روي أنه قال يوما { ليت لنا خبز بر قد لت بسمن وعسل فنأكله فصنع ذلك عثمان رضي الله عنه وجاء به في قصعة فقيل : إنه ما تناول من ذلك والصحيح أنه تناول بعضه ثم أمر بالتصدق بما بقي منه } { ، وقد أهدي له صلى الله عليه وسلم جدي سمين مشوي فأكل منه مع أصحابه رضي الله عنهم } { وقد تناول مما أتى به من الشاة المسمومة } { وحين قدم بين يديه الجدي المشوي قال لبعضهم : ناولني الذراع } فبهذه الآثار تبين أنه كان يتناول في بعض الأوقات لبيان أن ذلك لا بأس به لنا وكان يكتفي بما دون ذلك في عامة الأوقات لبيان الأفضل على ما روي { أن عائشة رضي الله عنها كانت تبكي رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقول يا من لم يلبس الحرير ولم يشبع من خبز الشعير } فصار الحاصل أن الاقتصار على أدنى ما يكفيه عزيمة .

وما زاد على ذلك من النعم والنيل من اللذات رخصة وقال صلى الله عليه وسلم { إن الله يحب أن تؤتى رخصه ، كما يحب أن تؤتى عزائمه } وقال صلى الله عليه وسلم { بعثت بالحنيفية السمحة ، ولم أبعث بالرهبانية الصعبة } فعرفنا أنه إن ترخص بالإصابة من النعم فليس لأحد أن يؤثمه في ذلك ، وإن ذم نفسه وكسر شهوته فذلك أفضل له ويكون من الذين يدخلون الجنة بغير حساب على ما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال { إن الله تعالى وعدني أن يدخل سبعين ألفا من أمتي الجنة بغير حساب فقيل من هم يا رسول الله قال هم الذين لا يسترقون ، ولا يتطيرون ، ولا يكتوون وعلى ربهم يتوكلون } ، وفي رواية { ثم زادني معهم سبعين ألفا } ، وفي رواية { ثم أضعف لي مع الفريق الأول والآخر سبعين ألفا } ، وفي الحديث المعروف أن النبي صلى الله عليه وسلم قال { لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع : عن عمره فيما أفناه ، وعن شبابه فيما أبلاه ، وعن ماله من أين اكتسبه وإلى أي محل صرفه } ، فإذا صرف المال إلى ما فيه ابتغاء مرضاة الله تعالى كان الحساب والسؤال أهون عليه منه إذا صرفه إلى شهوات بدنه

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث