الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

أبواب السبق والرمي باب ما يجوز المسابقة عليه بعوض

3515 - ( عن أبي هريرة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : { لا سبق إلا في خف أو نصل أو حافر } رواه الخمسة ، ولم يذكر فيه ابن ماجه " أو نصل " ) .

3516 - ( وعن ابن عمر قال : { سابق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين الخيل فأرسلت التي ضمرت منها ، وأمدها الحفياء إلى ثنية الوداع ، والتي لم تضمر أمدها ثنية الوداع ، إلى مسجد بني زريق } رواه الجماعة وفي الصحيحين عن موسى بن عقبة أن بين الحفياء إلى ثنية الوداع ستة أميال أو سبعة . وللبخاري قال سفيان : من الحفياء إلى ثنية الوداع خمسة أميال أو ستة ، ومن ثنية الوداع إلى مسجد بني زريق ميل ) .

التالي السابق


حديث أبي هريرة أخرجه أيضا الشافعي والحاكم من طرق وصححه ابن القطان وابن حبان وابن دقيق العيد وحسنه الترمذي وأعله الدارقطني بالوقف ، ورواه الطبراني وأبو الشيخ من حديث ابن عباس قوله : ( لا سبق ) هو بفتح السين والباء الموحدة مفتوحة أيضا : ما يجعل للسابق على من سبقه من جعل ، قاله الخطابي وابن الصلاح وحكى [ ص: 88 ] ابن دقيق العيد فيه الوجهين . وقيل هو بفتح السين وسكون الموحدة مصدر وبفتحها : الجعل وهو الثابت في كتب اللغة ، وقوله : " في خف " كناية عن الإبل والحافر عن الخيل .

والنصل عن السهم أي ذي خف أو ذي حافر أو ذي نصل ، والنصل : حديدة السهم . فيه دليل على جواز السباق على جعل ، فإن كان الجعل من غير المتسابقين كالإمام يجعله للسابق فهو جائز بلا خلاف ، وإن كان من أحد المتسابقين جاز ذلك عند الجمهور كما حكاه الحافظ في الفتح ، وكذا إذا كان معهما ثالث محلل بشرط أن لا يخرج من عنده شيئا ليخرج العقد عن صورة القمار ، وهو أن يخرج كل منهما سبقا ، فمن غلب أخذ السبقين فإن هذا مما وقع الاتفاق على منعه كما حكاه الحافظ في الفتح ومنهم من شرط في المحلل أن لا يكون يتحقق السبق ، وهكذا وقع الاتفاق على جواز المسابقة بغير عوض ، لكن قصرها مالك والشافعي على الخف والحافر والنصل ، وخصه بعض العلماء بالخيل ، وأجازه عطاء في كل شيء . وقد حكى في البحر عن أبي حنيفة أن عقد المسابقة على مال باطل . وحكي عن مالك أيضا أنه لا يجوز أن يكون العوض من غير الإمام .

وحكي أيضا عن مالك وابن الصباغ وابن خيران أنه لا يصح بذل المال من جهتهما وإن دخل المحلل .

وروي عن أحمد بن حنبل أنه لا يجوز السبق على الفيلة .

وروي عن الإمام يحيى وأصحاب الشافعي أنه يجوز على الأقدام مع العوض . وذكر في البحر أن شروط صحة العقد خمسة : الأول : كون العوض معلوما . الثاني : كون المسابقة معلومة الابتداء والانتهاء . الثالث : كون السبق بسكون الموحدة معلوما ، يعني المقدار الذي يكون من سبق به مستحقا للجعل . الرابع : تعيين المركوبين . الخامس : إمكان سبق كل منهما فلو علم عجز أحدهما لم يصح إذ القصد الخبرة قوله : ( ضمرت ) لفظ البخاري " التي أضمرت " والتي لم تضمر بسكون الضاد المعجمة ، والمراد به أن تعلف الخيل حتى تسمن وتقوى ثم يقلل علفها بقدر القوت وتدخل بيتا وتغشى بالجلال حتى تحمى فتعرق ، فإذا جف عرقها خف لحمها وقويت على الجري ، هكذا في الفتح ، وذكر مثل معناه في النهاية ، وزاد في الصحاح : وذلك في أربعين يوما قوله : ( الحفياء ) بفتح المهملة وسكون الفاء بعدها تحتانية ثم همزة ممدودة ، ويجوز القصر . وحكى الحازمي تقديم التحتانية على الفاء .

وحكى عياض ضم أوله وخطأه . قوله : ( ثنية الوداع ) هي قريب من المدينة سميت بذلك لأن المودعين يمشون مع حاج المدينة إليها قوله : ( زريق ) بتقديم الزاي . والحديث فيه مشروعية المسابقة وأنها ليست من العبث بل من الرياضة المحمودة الموصلة إلى تحصيل المقاصد في الغزو والانتفاع بها عند الحاجة ، وهي دائرة بين الاستحباب والإباحة بحسب الباعث على ذلك . قال القرطبي : لا خلاف في جواز المسابقة على الخيل وغيرها من [ ص: 89 ] الدواب وعلى الأقدام ، وكذا الرمي بالسهام واستعمال الأسلحة لما في ذلك من التدرب على الجري ، وفيه جواز تضمير الخيل ، وبه يندفع قول من قال : إنه لا يجوز لما فيه من مشقة سوقها ، ولا يخفى اختصاص ذلك بالخيل المعدة للغزو .

وفيه مشروعية الإعلام بالابتداء والانتهاء عند المسابقة .

3517 - ( وعن ابن عمر { أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سبق بالخيل وراهن } وفي لفظ : سبق بين الخيل وأعطى السابق . رواهما أحمد ) 3518 - ( وعن ابن عمر { أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سبق بين الخيل وفضل القرح في الغاية } رواه أحمد وأبو داود ) .

3519 - ( وعن أنس وقيل له : { أكنتم تراهنون على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يراهن ؟ قال : نعم والله لقد راهن على فرس يقال له سبحة ، فسبق الناس فبهش لذلك وأعجبه } رواه أحمد ) .

3520 - ( وعن أنس قال : { كانت لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ناقة تسمى العضباء ، وكانت لا تسبق ، فجاء أعرابي على قعود له فسبقها فاشتد ذلك على المسلمين وقالوا : سبقت العضباء ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إن حقا على الله أن لا يرفع شيئا من الدنيا إلا وضعه } رواه أحمد والبخاري ) .

حديث ابن عمر الأول أخرجه أيضا ابن أبي عاصم من حديث نافع عنه ، وقوى إسناده الحافظ وقال في مجمع الزوائد : رواه أحمد بإسنادين رجال أحدهما ثقات ، ويشهد له ما أخرجه ابن حبان وابن أبي عاصم من حديث ابن عمر بلفظ { أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سابق بين الخيل وجعل بينهما سبقا } وفي إسناده عاصم بن عمر وهو ضعيف ، وقد اضطرب فيه رأي ابن حبان فصحح حديثه تارة ، وقال في الضعفاء : لا يجوز الاحتجاج به ، وقال في الثقات : يخطئ ويخالف .

وحديث ابن عمر الثاني سكت عنه أبو داود والمنذري وصححه ابن حبان وحديث أنس الأول قال في مجمع الزوائد : رجال أحمد ثقات .

وأخرجه أيضا الدارمي والدارقطني والبيهقي من حديث أبي لبيد قال : " أتينا أنس بن [ ص: 90 ] مالك " وأخرج نحوه البيهقي من طريق سليمان بن حزم عن حماد بن زيد أو سعيد بن زيد عن واصل مولى أبي عتبة قال : حدثني موسى بن عبيد قال : { كنا في الحجر بعدما صلينا الغداة ، فلما أسفرنا إذا فينا عبد الله بن عمر ، فجعل يستقرينا رجلا رجلا ويقول : صليت يا فلان ؟ حتى قال : أين صليت يا أبا عبيد ؟ فقلت : ههنا ، فقال بخ بخ ما يعلم صلاة أفضل عند الله من صلاة الصبح جماعة يوم الجمعة ، فسألوه : أكنتم تراهنون على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؟ قال : نعم ، لقد راهن على فرس يقال لها سبحة فجاءت سابقة } .

قوله : ( سبق ) بفتح السين المهملة وتشديد الموحدة بعدها قاف قوله : ( وفضل القرح ) بالقاف مضمومة وتشديد الراء بعدها حاء مهملة جمع قارح : وهو ما كملت سنه كالبازل من الإبل .

قوله : ( سبحة ) بفتح المهملة وسكون الموحدة بعدها حاء مهملة هو من قولهم فرس سباح : إذا كان حسن مد اليدين في الجري قوله : ( فبهش ) بالباء الموحدة والشين المعجمة أي : هش وفرح كذا في التلخيص قوله : ( تسمى العضباء ) بفتح العين المهملة وسكون الضاد المعجمة ومد الياء ، وقد تقدم ضبطها وتفسيرها غير مرة .

قوله : ( وكانت لا تسبق ) زاد البخاري قال حميد : أو لا تكاد تسبق شك منه وهو موصول بإسناد الحديث المذكور كما قال الحافظ قوله : ( فجاء أعرابي ) قال الحافظ : لم أقف على اسم هذا الأعرابي بعد التتبع الشديد قوله

( على قعود ) بفتح القاف وهو ما استحق الركوب من الإبل . وقال الجوهري : هو البكر حتى يركب ، وأقل ذلك أن يكون ابن سنتين إلى أن يدخل في السادسة فيسمى جملا . وقال الأزهري : لا يقال إلا للذكر ولا يقال للأنثى قعودة ، وإنما يقال لها قلوص . وقد حكى الكسائي في النوادر قعودة للقلوص ، وكلام الأكثر على غيره . وقال الخليل : القعودة من الإبل : ما يقتعده الراعي لحمل متاعه والهاء فيه للمبالغة قوله : ( أن لا يرفع شيئا ، . . . إلخ ) في رواية موسى بن إسماعيل أن لا يرتفع ، وكذلك في رواية للبخاري ، وفي رواية للنسائي { أن لا يرفع شيء نفسه في الدنيا } وفي الحديث اتخاذ الإبل للركوب والمسابقة عليها ، وفيه التزهيد في الدنيا للإشارة إلى أن كل شيء منها لا يرتفع إلا اتضع ، وفيه حسن خلق النبي - صلى الله عليه وسلم - وتواضعه .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث