الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                            صفحة جزء
                                                                                                                                            3485 - ( وعن ابن عباس قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : { لا تصلح قبلتان في أرض ، وليس على مسلم جزية } رواه أحمد وأبو داود ، وقد احتج به على سقوط الجزية بالإسلام وعلى المنع من إحداث بيعة أو كنيسة ) .

                                                                                                                                            3486 - ( وعن رجل من بني تغلب أنه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : { ليس على المسلمين عشور ، إنما العشور على اليهود والنصارى } رواه أحمد وأبو داود ) .

                                                                                                                                            3487 - ( وعن أنس { أن امرأة يهودية أتت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بشاة مسمومة فأكل منها ، فجيء بها إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فسألها عن ذلك ، فقالت : أردت أن أقتلك ، فقال : ما كان الله ليسلطك على ذلك ، قال : فقالوا : ألا نقتلها ؟ قال : لا } ، فما زلت أعرفها في لهوات رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رواه أحمد ومسلم وهو دليل على أن العهد لا ينتقض بمثل هذا الفعل ) .

                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                            [ ص: 70 ] حديث ابن عباس سكت عنه أبو داود ورجال إسناده موثقون ، وقد تكلم في قابوس بن الحصين بن جندب ، ووثقه ابن معين وقال المنذري : أخرجه الترمذي وذكر أنه مرسل ، ويشهد له ما تقدم أنه - صلى الله عليه وسلم - قال : { المسلم والكافر لا تتراءى ناراهما } وأخرج مالك في الموطأ عن ابن شهاب أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : { لا يجتمع دينان في جزيرة العرب } قال ابن شهاب : ففحص عمر عن ذلك حتى أتاه الثلج واليقين عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بهذا فأجلى يهود خيبر . قال مالك : وقد أجلى عمر يهود نجران وفدك .

                                                                                                                                            ورواه مالك في الموطأ أيضا عن إسماعيل بن أبي حكيم أنه سمع عمر بن عبد العزيز يقول : بلغني أنه كان من آخر ما تكلم به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن قال : { قاتل الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ، لا يبقى دينان بأرض العرب } . ووصله صالح بن أبي الأخضر عن الزهري عن سعيد عن أبي هريرة أخرجه إسحاق في مسنده ورواه عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب فذكره مرسلا ، وزاد " فقال عمر : من كان منكم عنده عهد من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فليأت به وإلا فإني مجليكم " .

                                                                                                                                            ورواه أحمد في مسنده موصولا عن عائشة ، ولفظه قالت : { آخر ما عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن لا يترك بجزيرة العرب دينان } أخرجه من طريق ابن إسحاق ، حدثني صالح بن كيسان عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عنها .

                                                                                                                                            وحديث الرجل الذي من بني تغلب أخرجه البخاري في التاريخ وساق الاضطراب فيه وقال : لا يتابع عليه قال المنذري : وقد فرض النبي - صلى الله عليه وسلم - العشور فيما أخرجت الأرض في خمسة أوساق .

                                                                                                                                            وقد أخرجه أبو داود أيضا من طريق أخرى من حديث حرب بن عبيد الله عن جده أبي أمه عن أبيه قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - { إنما العشور على اليهود والنصارى وليس على المسلمين عشور } ولم يتكلم أبو داود ولا المنذري على إسناده ، وأخرجه أيضا من طريق أخرى عن حرب بن عبيد الله فقال : " الخراج " مكان العشور . وأخرجه أيضا من طريق أخرى عن رجل من بكر بن وائل عن خاله قال : { قلت يا رسول الله أعشر قومي ؟ قال : إنما العشور على اليهود والنصارى } وقد سكت أبو داود والمنذري عنه ، وفي إسناده الرجل البكري وهو مجهول ، وخاله أيضا مجهول ولكنه صحابي قوله : ( لا تصلح قبلتان )

                                                                                                                                            سيأتي الكلام على ذلك في الباب الذي بعد هذا قوله : ( وليس على مسلم جزية ) لأنها إنما ضربت على أهل الذمة ليكون بها حقن الدماء وحفظ الأموال ، والمسلم بإسلامه قد صار محترم الدم والمال قوله : ( عشور ) هي جمع عشر وهو واحد من عشرة : أي ليس عليهم غير الزكاة من الضرائب . والمكس ونحوهما .

                                                                                                                                            قال في القاموس : عشرهم يعشرهم عشرا وعشورا : أخذ عشر أموالهم انتهى . وقال الخطابي : يريد عشور التجارات دون عشور الصدقات . قال : والذي يلزم اليهود والنصارى من [ ص: 71 ] العشور هو ما صولحوا عليه ، وإن لم يصالحوا عليه فلا شيء عليهم غير الجزية انتهى . ولعله يريد على مذهب الشافعي وأما عند الحنفية والزيدية فإنهم يقولون : يؤخذ من تجار أهل الذمة نصف عشر ما يتجرون به إذا كان نصابا ، وكان ذلك الاتجار بأماننا . ويؤخذ من تجار أهل الحرب مقدار ما يأخذون من تجارنا . فإن التبس المقدار وجب الاقتصار على العشر .

                                                                                                                                            وقد أخرج البيهقي عن محمد بن سيرين أن أنس بن مالك قال له : أبعثك على ما بعثني عليه عمر فقال : لا أعمل لك عملا حتى تكتب لي عهد عمر الذي كان عهد إليك ، فكتب لي أن تأخذ لي من أموال المسلمين ربع العشر ، ومن أموال أهل الذمة إذا اختلفوا للتجارة نصف العشر ، ومن أموال أهل الحرب العشر وأخرج سعيد بن منصور عن زياد بن حدير قال : استعملني عمر بن الخطاب على العشور فأمرني أن آخذ من تجار أهل الحرب العشر ، ومن تجار أهل الذمة نصف العشر ، ومن تجار المسلمين ربع العشر وأخرج مالك عن ابن شهاب عن سالم عن أبيه " كان عمر يأخذ من القبط من الحنطة والزيت نصف العشر ، يريد بذلك أن يكثر الحمل إلى المدينة ، ولا يؤخذ ذلك منهم إلا في السنة مرة لظاهر اقترانه بربع العشر الذي على المسلمين . وأما اشتراط النصاب والانتقال بأمان المسلمين كما قاله جماعة من الزيدية فلم أقف في شيء من السنة أو أفعال أصحابه على ما يدل عليه ، وفعل عمر وإن لم يكن حجة لكنه قد عمل الناس به قاطبة فهو إجماع سكوتي . ويمكن أن يقال : لا يسلم الإجماع على ذلك ، والأصل تحريم أموال أهل الذمة حتى يقوم دليل ، والحديث محتمل .

                                                                                                                                            وقد استنبط المصنف رحمه اللهمن حديث ابن عباس المذكور في الباب المنع من إحداث بيعة أو كنيسة . وأخرج البيهقي من طريق حزام بن معاوية قال : كتب إلينا عمر " أدبوا الخيل ، ولا يرفع بين ظهرانيكم الصليب ، ولا تجاوركم الخنازير " وفي إسناده ضعف . وأخرجه أيضا الحافظ الحراني وروى ابن عدي عن عمر مرفوعا { لا تبنى كنيسة في الإسلام ولا يجدد ما خرب منها } وروى البيهقي عن ابن عباس : " كل مصر مصره المسلمون لا تبنى فيه بيعة ولا كنيسة ولا يضرب فيه ناقوس ولا يباع فيه لحم خنزير " وفي إسناده حنش وهو ضعيف وروى أبو عبيد في كتاب الأموال عن نافع عن أسلم " أن عمر أمر في أهل الذمة أن تجز نواصيهم ، وأن يركبوا على الأكف عرضا ولا يركبوا كما يركب المسلمون ، وأن يوثقوا المناطق " قال أبو عبيد : يعني الزنانير وروى البيهقي عن عمر " أنه كتب إلى أمراء الأجناد أن يختموا رقاب أهل الذمة بخاتم الرصاص ، وأن تجز نواصيهم ، وأن تشد المناطق "



                                                                                                                                            وحديث أنس المذكور في الباب استدل به المصنف رحمه اللهعلى أن إرادة القتل من الذمي لا ينتقض بها عهده ; لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يقتلها بعد أن اعترفت بذلك ، والقصة معروفة في كتب [ ص: 72 ] السير والحديث . والخلاف فيها مشهور



                                                                                                                                            وقد جزم بعض أهل العلم بأنه يقتل من سب النبي - صلى الله عليه وسلم - من أهل الذمة ، واستدل بأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بقتل من كان يشتمه من كفار قريش كما سبق . وتعقبه ابن عبد البر بأن كفار قريش المأمور بقتلهم يوم الفتح كانوا حربيين ، وأخرج عبد الرزاق عن ابن جريج قال : " أخبرت أن أبا عبيدة بن الجراح وأبا هريرة قتلا كتابيين أرادا امرأة على نفسها مسلمة " وروى البيهقي من طريق الشعبي عن سويد بن غفلة قال : " كنا عند عمر وهو أمير المؤمنين بالشام ، فأتى نبطي مضروب مشجج يستعدي ، فغضب عمر وقال لصهيب : انظر من صاحب هذا ، فذكر القصة فجيء به فإذا هو عوف بن مالك ، فقال : رأيته يسوق بامرأة مسلمة ، فنخس الحمار ليصرعها فلم تصرع ثم دفعها فخرت عن الحمار فغشيها ، ففعلت به ما ترى ، فقال عمر : والله ما على هذا عاهدناكم ، فأمر به فصلب ثم قال : يا أيها الناس فوا بذمة محمد - صلى الله عليه وسلم - فمن فعل منهم هذا فلا ذمة له "




                                                                                                                                            الخدمات العلمية