الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء إنما أمرهم إلى الله ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون

جزء التالي صفحة
السابق

( إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء إنما أمرهم إلى الله ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون )

قد كانت خاتمة ما وصى الله تعالى به هذه الأمة على لسان خاتم رسله آنفا الأمر باتباع صراطه المستقيم ، والنهي عن اتباع غيره من السبل . وقد ذكر بعد تلك الوصايا شريعة التوراة المشابهة لشريعة القرآن ووصاياه ، بما علم به أن هذه أكمل ، لأن الأشياء إنما تكمل بخواتيمها . وقفى على ذلك بالمقارنة بين أهل الكتاب والعرب أئمة أهل القرآن ، مذكرا إياهم باعتقادهم أنهم أقوى من أهل الكتاب استعدادا للهداية ، محتجا عليهم بذلك عسى أن يثوب المستعدون للإيمان إلى رشادهم ، ويفكر المعاندون في عاقبة عنادهم ، وتلا ذلك تذكيره لهم ولسائر المخاطبين بالقرآن بما ينتظر في آخر الزمان لكل من الأمم والأفراد ، ولما تمت بذلك الحجة ، ووضحت المحجة ، ذكر - تعالى جده وجل ثناؤه - هذه الأمة بما هي عرضة له بحسب سنن الاجتماع من إضاعة الدين بعد الاهتداء به ، بمثل ما أضاعه به من قبلهم ، وهو الاختلاف والتفرق فيه بالمذاهب والآراء والبدع التي تجعلهم أحزابا وشيعا ، تتعصب كل منها لمذهب من المذاهب أو إمام فيضيع العلم وتنفصم عروة الوحدة للأمة الواحدة بعد أخوة الإيمان فتصبح أمما متعادية ليس لها مرجع متفق عليه يجمع كلمتها فيحل بها ما حل بالأمم التي تفرقت قبلها ، فقال عز وجل : ( إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء ) قرأ الجمهور ( فرقوا دينهم ) من التفريق وهو الفصل بين أجزاء الشيء الواحد وجعله فرقا وأبعاضا . وقرأ حمزة والكسائي ( فارقوا ) من المفارقة للشيء وهو تركه والانفصال منه ، وهذه القراءة رويت عن علي وابن مسعود رضي الله عنهما ، وهي تفيد أن تفريق الدين قد يستلزم مفارقته لأنه واحد لا يتجزأ . فمن التفريق الإيمان ببعض الكتاب دون بعض ولو بالتأويل وترك العمل ، والكفر بالبعض كالكفر بالجميع مفارقة للدين الذي لا يتجزأ ( أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض ) ( 2 : 85 ) الآية ومثله الإيمان ببعض الرسل دون بعض . على أن المفارقة قد تكون للجماعة التي تقيم الدين لأصل الدين بجحوده والكفر به أو تأويل هدايته . وسيأتي تفصيل القول في ذلك .

ذهب بعض مفسري السلف إلى أن الآية نزلت في أهل الكتاب إذ فرقوا دين إبراهيم [ ص: 189 ] وموسى وعيسى فجعلوه أديانا مختلفة ، وكل منها مذاهب لها شيع مختلفة يتعادون ويتقاتلون فيه . وذهب آخرون إلى أنها في أهل البدع والفرق الإسلامية التي مزقت وحدة الإسلام بما استحدثت من النحل والمذاهب ، وكل من القولين حق ، والصواب هو الجمع بينهما ، فإن الله تعالى بعد أن أقام حجج الإسلام في هذه السورة وأبطل شبهات الشرك ذكر أهل الكتاب وشرعهم . وأمر المستجيبين لدعوة الإسلام بالوحدة وعدم التفرق كما تفرق من قبلهم وقد فصل هذا بقوله بعد الأمر بالاعتصام والنهي عن التفرق من سورة آل عمران : ( ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم ) ( 3 : 105 ) ثم بين أن رسوله بريء من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا كما فعل أهل الكتاب ، فهو يحذر ما صنعوا ، فمن اتبع سنتهم في هذا التفريق أحق ببراءة الرسول صلى الله عليه وسلم منه بعد هذا البيان والتحذير .

أخرج ابن أبي حاتم ، عن ابن عباس قال : اختلفت اليهود والنصارى قبل أن يبعث محمد صلى الله عليه وسلم فلما بعث محمد أنزل الله عليه : ( إن الذين فرقوا دينهم ) الآية . وأخرج أكثر رواة التفسير المأثور عن أبي هريرة في قوله تعالى : ( إن الذين فرقوا دينهم ) الآية . قال هم في هذه الأمة . بل أخرج الحكيم الترمذي وابن جرير والطبراني وغيرهم عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم " هم أهل البدع والأهواء من هذه الأمة " وأخرج الحكيم الترمذي وابن حاتم وأبو الشيخ والطبراني والبيهقي في شعب الإيمان وغيرهم عن عمر بن الخطاب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعائشة : " يا عائشة إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا هم أصحاب البدع وأصحاب الأهواء وأصحاب الضلالة من هذه الأمة ليست لهم توبة . يا عائشة إن لكل صاحب ذنب توبة إلا أصحاب البدع وأصحاب الأهواء ليست لهم توبة . أنا منهم بريء وهم مني برآء " وليس المعنى أنهم إذا عرفوا بدعتهم وظهر لهم خطؤهم فرجعوا وتابوا إلى ربهم لا يقبل توبتهم ، بل معناه أنهم لا يتوبون لأنهم يزعمون أنهم مصيبون . اهـ . ملخصا من الدر المنثور - وثم آثاررويت عن بعض السلف بأنهم الحرورية أو الخوارج مطلقا ، ومراد قائليها أنهم منهم لا أن الآية فيهم وحدهم . وجاء في الكلام على الآية من كتاب الاعتصام للإمام أبي إسحاق إبراهيم الشاطبي ما نصه :

قال ابن عطية : هذه الآية تعم أهل الأهواء والبدع والشذوذ في الفروع وغير ذلك من أهل التعمق في الجدال والخوض في الكلام ، هذه كلها عرضة للزلل ومظنة لسوء المعتقد ، ( قال الشاطبي ) يريد والله أعلم بأهل التعمق في الفروع ما ذكره أبو عمر بن عبد البر في فصل ذم الرأي من كتاب العلم له وسيأتي ذكره بحول الله . وحكى ابن بطال في شرح [ ص: 190 ] البخاري عن أبي حنيفة أنه قال : لقيت عطاء بن أبي رباح بمكة فسألته عن شيء فقال : من أين أنت ؟ قلت : من أهل الكوفة . قال : أنت من أهل القرية الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا ؟ قلت : نعم ، قال : من أي الأصناف أنت ؟ قلت : ممن لا يسب السلف ويؤمن بالقدر ، ولا يكفر أحدا بذنب . فقال عطاء : عرفت فالزم . وعن الحسن قال : خرج علينا عثمان بن عفان - رضي الله عنه - يوما يخطبنا فقطعوا عليه كلامه فتراموا بالبطحاء ، حتى جعلت ما أبصر أديم السماء . قال : وسمعنا صوتا من إحدى حجر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم فقيل : هذا صوت أم المؤمنين . قال فسمعتها وهي تقول : ألا إن نبيكم قد برئ ممن فرق دينه واحتزب ، وتلت : ( إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء ) قال القاضي إسماعيل : أحسبه يعني بقوله " أم المؤمنين " أم سلمة وأن ذلك قد ذكر في بعض الحديث وقد كانت عائشة في ذاك الوقت حاجة . وعن أبي هريرة أنها نزلت في هذه الأمة . وعن أبي أمامة هم الخوارج . قال القاضي : ظاهر القرآن يدل على أن كل من ابتدع في الدين بدعة من الخوارج وغيرهم فهو داخل في هذه الآية ، لأنهم إذا ابتدعوا تجادلوا وتخاصموا وتفرقوا وكانوا شيعا اهـ . ما أورده الشاطبي في ذم البدع بالأدلة النقلية من الباب الثاني ( ج1 ) وأعاد الكلام عليهم في بحث تفرق الأمة من الباب السادس ( ج3 ) فقال : إن لفظ الدين فيها يشمل العقائد وغيرها .

وأقول : إن ما نقله عن القاضي من عموم الآية صحيح وهي أعم مما قال ، فمجموع الأخبار والآثار الواردة في تفسيرها تدل على شمولها للتفرق في أصول الدين وفروعه وحكومته وتولي أهله بعضهم بعضا ، فعصبية المذاهب الكلامية والفقهية كلها داخلة في ذلك ، كعصبية الخلافة والملك ، والعصبية الجنسية التي تفرق بين العربي والتركي والفارسي والهندي والملاوي إلخ بحيث يعادي المسلمون بعضهم بعضا ويقابل بعضهم بعضا ، كما قالت أم المؤمنين في الثورة على عثمان - وقد خرج بعضهم أن ذلك كان يوم مقتله - كما رواه عبد بن حميد في تفسيره عن الحسن قال : رأيت يوم قتل عثمان ذراع امرأة من أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أخرجت من بين الحائط والستر وهي تنادي : ألا إن الله ورسوله بريئان من الذين فارقوا دينهم فكانوا شيعا . والظاهر أن الرواية واحدة .

هذا وإن قراءة ( فرقوا ) وحدها لا تدل على أن كل تفرق في الدين مفارقة له وردة عنه كما تدل على ذلك قراءة ( فارقوا ) ، فالظاهر أن بين التفريق والمفارقة عموما وخصوصا من وجه ، ولكن الله تعالى يقول في سورة الروم : ( ولا تكونوا من المشركين من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون ) ( 30 : 31 ، 32 ) وفيها القراءتان أيضا وقد قال المفسرون : إن قوله تعالى : ( من الذين فرقوا دينهم ) بدل من قوله : ( من المشركين ) .

[ ص: 191 ] وجملة القول في تفسير الجملة أن المراد بالذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا أهل الكتاب والمراد بجعل الرسول صلى الله عليه وسلم بريئا منهم تحذير أمته من مثل فعلهم ، ليعلم أن من فعل فعلهم من هذه الأمة فالرسول صلى الله عليه وسلم بريء منهم بالأولى لا كما يزعم بعض الجاهلين المضلين من أن ما ورد في الكتاب والسنة من صفات الكفار وأفعالهم خاص بهم فإذا تلبس به المسلمون لا يكون حكمهم فيه كحكم من قبلهم ، كأن الله تبارك وتعالى أباح للمسلمين الشرك والكفر والنفاق والبدع والضلالات ، وضمن لهم جنته ورضوانه بمجرد انتسابهم إلى الإسلام ، أو إلى مذهب زيد أو عمرو من علماء الكلام ، وهذا هدم لكتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وسيرة المهتدين بهما من خير القرون .

ثم بين تعالى عاقبة هؤلاء المفرقين لدينهم بقوله :

( إنما أمرهم إلى الله ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون ) أي إنه عز وجل هو الذي يتولى وحده أمر جزائهم على مفارقة دينهم والتفريق له في الدنيا بما مضت به سنته في الاجتماع البشري من ضعف المتفرقين ، وفشل المتنازعين ، وتسلط الأقوياء عليهم ولبسهم شيعا يذيق بعضهم بأس بعض ، بما تثيره عداوة التفرق بينهم من التقاتل والحروب ، كما بينه تعالى في آيات أخرى كقوله تعالى : ( ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم من بعد ما جاءتهم البينات ولكن اختلفوا ) ( 2 : 253 ) إلخ وقوله : ( فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة وسوف ينبئهم الله بما كانوا يصنعون ) ( 5 : 14 ) وقوله : ( قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم ) ( 6 : 65 ) إلخ وبعد تعذيبهم بأيديهم وأيدي أعدائهم في الدنيا يبعثهم في الآخرة ، ثم ينبئهم عند الحساب بما كانوا يفعلون في الدنيا من الاختلاف والتفرق بتفريق الدين ، أو مفارقته اتباعا للأهواء وما يستلزم ذلك ويجازيهم عليه في النار .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث