الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

12898 ( أخبرنا ) أبو محمد عبد الله بن يحيى بن عبد الجبار السكري ببغداد ، أنبأ إسماعيل بن محمد الصفار ، ثنا أحمد بن منصور ، ثنا عبد الرزاق ، أنبأ معمر ، عن الزهري ، عن عبيد الله بن عبد الله بن أبي ثور ، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: لم أزل حريصا أن أسأل عمر - رضي الله عنه - عن المرأتين من أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - اللتين قال الله تعالى: ( إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما ) حتى حج عمر - رضي الله عنه - وحججت معه ، فلما كان ببعض الطريق عدل عمر - رضي الله عنه - لحاجته ، وعدلت معه بالإداوة فتبرز ، ثم أتى ، فسكبت على يديه فتوضأ ، فقلت: يا أمير المؤمنين ، من المرأتان من أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - اللتان قال الله تعالى: ( إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما ) ، فقال عمر - رضي الله عنه: واعجبا لك يا ابن عباس ، قال الزهري - رحمه الله - تعالى: كره والله ، ما سأله عنه ، ولم يكتمه ، قال: هي حفصة وعائشة ، ثم أخذ يسوق الحديث ، فقال: كنا معشر قريش قوما نغلب النساء ، فلما قدمنا المدينة وجدنا قوما تغلبهم نساؤهم ، فطفق نساؤنا يتعلمن من نسائهم ، قال: وكان منزلي في بني أمية بن زيد بالعوالي ، فتغضبت يوما على امرأتي ، فإذا هي تراجعني ، فأنكرت أن تراجعني ، فقالت: ما تنكر أن أراجعك ، فوالله ، إن أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - يراجعنه ، وتهجره إحداهن اليوم إلى الليل ، قال: فانطلقت ، فدخلت على حفصة ، فقلت: أتراجعين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؟ فقالت: نعم ، وتهجره إحداهن اليوم إلى الليل ؟ قلت: قد خاب من فعل ذلك منكن وخسر ، أفتأمن إحداكن أن يغضب الله عليها لغضب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإذا هي قد هلكت ، لا تراجعي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا تسأليه شيئا ، وسليني ما بدا لك ، ولا يغرنك أن كانت جارتك هي أوسم وأحب إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - منك - يريد عائشة ، قال: وكان لي جار من الأنصار ، وكنا نتناوب النزول إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فينزل يوما ، وأنزل يوما ، فيأتيني بخبر الوحي وغيره ، وآتيه بمثل ذلك ، قال: وكنا نتحدث أن غسان تنعل الخيل لغزونا ، فنزل صاحبي يوما ، ثم أتاني عشاء ، فضرب بابي ، ثم ناداني فخرجت إليه ، فقال: حدث أمر عظيم ، قال: قلت: ماذا ؟ أجاءت غسان ؟ قال: لا ، بل أعظم من ذلك وأطول ؛ طلق الرسول - صلى الله عليه وسلم - نساءه ، قال: فقلت: قد خابت حفصة وخسرت ، قد كنت أظن هذا كائنا حتى إذا صليت الصبح شددت علي ثيابي ، ثم نزلت ، فدخلت على حفصة وهي تبكي ، فقلت: أطلقكن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قالت: لا أدري ؟ هو هذا معتزلا في هذه المشربة ، فأتيت غلاما له أسود ، فقلت: استأذن لعمر ، فدخل الغلام ثم خرج إلي ، فقال: قد ذكرت له فصمت ، فانطلقت حتى أتيت المسجد ، فإذا قوم حول المنبر جلوس يبكي بعضهم ، فجلست قليلا ، ثم غلبني ما أجد ، فأتيت الغلام ، فقلت: استأذن لعمر ، فدخل ثم خرج إلي ، فقال: قد ذكرتك له فصمت ، فخرجت ، فجلست إلى المنبر ، ثم غلبني ما أجد ، فأتيت الغلام ، فقلت: استأذن لعمر ، فدخل ، ثم خرج إلي ، فقال: قد ذكرتك له ، فصمت ، قال: فوليت مدبرا ، فإذا الغلام يدعوني ، فقال: ادخل ، قد أذن لك ، فدخلت فسلمت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإذا هو متكئ على رمال [ ص: 38 ] حصير قد أثر في جنبه ، فقلت: أطلقت يا رسول الله نساءك ؟ قال: فرفع رأسه إلي وقال: لا ، فقلت: الله أكبر ، لو رأيتنا يا رسول الله ، وكنا معشر القريش قوما نغلب النساء ، فلما قدمنا المدينة وجدنا قوما تغلبهم نساؤهم ، فطفق نساؤنا يتعلمن من نسائهم ، فتغضبت على امرأتي يوما ، فإذا هي تراجعني - يعني: فأنكرت ، فقالت: ما تنكر أن أراجعك ، فوالله ، إن أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - ليراجعنه ، وتهجره إحداهن اليوم إلى الليل ، فقلت: قد خاب من فعل ذلك منهن وخسر ، أفتأمن إحداهن أن يغضب الله عليها لغضب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإذا هي قد هلكت ، فتبسم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقلت: يعني: قد دخلت على حفصة ، فقلت: لا يغرنك أن كانت جارتك هي أوسم منك وأحب إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - منك ، فتبسم أخرى ، فقلت: أستأنس يا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ( قال: نعم ) ، فجلست ، فرفعت رأسي في البيت ، فوالله ، ما رأيت فيه شيئا يرد البصر إلا أهب ثلاثة ، فقلت: ادع الله يا رسول الله أن يوسع على أمتك ، فقد وسع على فارس والروم وهم لا يعبدون الله ، فاستوى جالسا ، فقال: أفي شك أنت يا ابن الخطاب ، أولئك قوم عجلت لهم طيباتهم في الحياة الدنيا ، فقلت: أستغفر الله يا رسول الله ، وكان أقسم أن لا يدخل عليهن شهرا من شدة موجدته عليهن ، حتى عاتبه الله - عز وجل - . قال الزهري : فأخبرني عروة عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: فلما مضت تسع وعشرون ليلة دخل علي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بدأ بي ، فقلت: يا رسول الله أقسمت أن لا تدخل علينا - تعني: شهرا - إنك دخلت علي من تسع وعشرين أعدهن ، قال: إن الشهر تسع وعشرون ، ثم قال: يا عائشة ، إني ذاكر لك أمرا ، فلا عليك أن لا تعجلي فيه حتى تستأمري أبويك ، قال: ثم قرأ علي: ( يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا ) الآية ، قالت: قد علم ، والله ، أن أبوي لم يكونا يأمراني بفراقه ، قالت: قلت: أفي هذا أستأمر أبوي ؟ فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة . قال معمر : وأخبرني أيوب ، قال: فقالت له عائشة : لا تقل إني اخترتك ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: إنما بعثت مبلغا ، ولم أبعث متعنتا . رواه مسلم في الصحيح عن إسحاق بن إبراهيم ، ومحمد بن أبي عمر ، عن عبد الرزاق بطوله .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث