الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

الفرع الرابع عشر في حكم قص المحرم أظافره أو بعضها

وقد اختلف أهل العلم في ذلك ، فالصحيح من مذهب مالك : أنه إن قلم ظفرين فصاعدا : لزمته الفدية مطلقا ، وإن قلم ظفرا واحدا ، لإماطة أذى عنه : لزمته الفدية أيضا ، وإن قلمه لا لإماطة أذى : لزمه إطعام حفنة بيد واحدة .

قال الشيخ الحطاب في كلامه على قول خليل في مختصره : وفي الظفر الواحد لا لإماطة الأذى حفنة ، ما نصه : أما لو قلم ظفرين فلم أر في ابن عبد السلام والتوضيح ، وابن فرحون في شرحه ، لا ومناسكه وابن عرفة ، والتادلي ، والطراز وغيرهم خلافا في لزوم الفدية ، ولم يفصلوا كما فصلوا في الظفر الواحد ، والله أعلم . انتهى منه .

ولا ينبغي أن يختلف في أن الظفر إذا انكسر جاز أخذه ، ولا شيء فيه ; لأنه بعد الكسر لا ينمو فهو كحطب شجر الحرم . والله أعلم .

ومذهب الشافعي وأصحابه : أن حكم الأظفار كحكم الشعر ، فإن قلم ثلاثة أظفار فصاعدا ، فعليه الفدية كاملة ، وأظفار اليد والرجل في ذلك سواء ، وإن قلم ظفرا واحدا أو ظفرين ففيه الأقوال الأربعة فيمن حلق شعرة واحدة أو شعرتين ، وقد قدمنا أن أصحها عندهم أن في الشعرة مدا ، وفي الشعرتين : مدين ، وباقي الأقوال المذكورة موضح قريبا ومذهب الإمام أحمد في الأظفار كمذهبه في الشعر ، ففي أربعة أظفار ، أو ثلاثة على الرواية الأخرى : فدية كاملة ، وحكم الظفر الواحد كحكم الشعرة الواحدة ، وحكم الظفرين كحكم الشعرتين ، وقد تقدم موضحا قريبا .

ومذهب أبي حنيفة في هذه المسألة : أنه لو قص أظفار يديه ورجليه جميعا بمجلس واحد ، أو قص أظفار يد واحدة كاملة في مجلس ، أو رجل كذلك لزمه الدم ، وإن قطع مثلا خمسة أظفار ثلاثة من يد واثنان من رجل ، أو يد أخرى ، أو عكس ذلك : فعليه الصدقة ، وهي نصف صاع من بر عن كل ظفر ، والمعروف عند الحنفية في باب الفدية : أن ما كان لعذر ففيه فدية الأذى المذكورة في الآية ، وما كان لغير عذر ففيه الدم ، كما تقدم . أما لو [ ص: 47 ] قص أظفار إحدى يديه ، أو رجليه في مجلس ، والأخرى في مجلس آخر ، فعند أبي حنيفة ، وأبي يوسف : يتعدد الدم ، حتى إنه يمكن أن تلزمه أربعة دماء للرجلين واليدين ، إذا كانت كل واحدة في مجلس ، وعند محمد : لا يلزمه إلا دم واحد ، ولو تعددت المجالس إلا إذا تخللت الكفارة بينهما ، وقد علمت أنه لو قص أظافر أكثر من خمسة متفرقة من الرجلين واليدين : ليس عليه إلا الصدقة عندهم .

وقال زفر : يجب الدم بقص ثلاثة أظفار من اليد أو من الرجل ، وهو قول أبي حنيفة الأول ، بناء على اعتبار الأكثر ، والثلاثة أكثر من الباقي بعدها بالنسبة إلى الخمسة .

وقال ابن قدامة في " المغني " : قال ابن المنذر : وأجمع أهل العلم على أن المحرم ممنوع من أخذ أظفاره ، وعليه الفدية بأخذها في قول أكثرهم ، وهو قول حماد ، ومالك ، والشافعي ، وأبي ثور ، وأصحاب الرأي . وروي ذلك عن عطاء ، وعنه لا فدية عليه ; لأن الشرع لم يرد فيه بفدية ، ولم يعتبر ابن المنذر في حكايته الإجماع قول داود الظاهري : إن المحرم له أن يقص أظفاره ، ولا شيء عليه لعدم النص ، وفي اعتبار داود في الإجماع خلاف معروف ، والأظهر عند الأصوليين اعتباره في الإجماع . والله تعالى أعلم .

ثم قال صاحب " المغني " : ولنا أنه أزال ما منع إزالته لأجل الترفه ، فوجبت عليه الفدية كحلق الشعر ، وعدم النص فيه لا يمنع قياسه . كشعر البدن مع شعر الرأس ، والحكم في فدية الأظفار كالحكم في فدية الشعر سواء ، في أربعة منها دم . وعنه في ثلاثة دم ، وفي الظفر الواحد مد من طعام وفي الظفرين : مدان على ما ذكرنا من التفصيل والاختلاف فيه . وقول الشافعي وأبي ثور كذلك انتهى محل الغرض منه .

وإذا عرفت مذاهب الأئمة في حكم قص المحرم أظفاره ، وما يلزمه في ذلك فاعلم أني لا أعلم لأقوالهم مستندا من النصوص ، إلا ما ذكرنا عن ابن المنذر ، من الإجماع على أن المحرم ممنوع من أخذ أظفاره ، أما لزوم الفدية ، فلم يدع فيه إجماعا ، وإلا ما جاء عن بعض السلف من الصحابة والتابعين ، من تفسير آية الحج ، فإنه يدل على منع المحرم من أخذ أظفاره كمنعه من حلق شعره حتى يبلغ الهدي محله ، والآية المذكورة هي قوله تعالى : ثم ليقضوا تفثهم الآية [ 22 \ 29 ] .

قال صاحب " الدر المنثور في التفسير بالمأثور " : وأخرج ابن جرير ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - في قوله : ثم ليقضوا تفثهم قال : " يعني [ ص: 48 ] بالتفث : وضع إحرامهم من حلق الرأس ، ولبس الثياب ، وقص الأظفار ، ونحو ذلك " .

وقال أيضا : وأخرج ابن أبي شيبة ، عن محمد بن كعب قال : التفث : حلق العانة ونتف الإبط ، والأخذ من الشارب ، وتقليم الأظفار ، ا هـ . ونحو هذا كثير في كلام المفسرين وإن فسر بعضهم الآية بغيره .

وعلى التفسير المذكور فالآية تدل على : أن الأظفار كالشعر بالنسبة إلى المحرم ، ولا سيما أنها معطوفة بـ " ثم " على نحر الهدايا ; لأن الله تعالى قال : ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام والمراد بذكر اسمه على ما رزقهم من بهيمة الأنعام التسمية عند نحر الهدايا والضحايا ، ثم رتب على ذلك قوله : ثم ليقضوا تفثهم فدل على أن الحلق وقص الأظافر ونحو ذلك ينبغي أن يكون بعد النحر كما قال تعالى : ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدي محله [ 2 \ 196 ] ، وقد بين النبي - صلى الله عليه وسلم - : أن من حلق قبل أن ينحر لا شيء عليه . كما بيناه موضحا في سورة البقرة في الكلام على قوله : فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي ، ويؤيد التفسير المذكور الدال على ما ذكرنا كلام أهل اللغة .

قال الجوهري في صحاحه : التفث في المناسك : ما كان من نحو قص الأظفار ، والشارب وحلق الرأس ، والعانة ، ورمي الجمار ، ونحر البدن ، وأشباه ذلك . قال أبو عبيدة : ولم يجئ فيه شعر يحتج به انتهى منه .

قال صاحب " القاموس " : التفث محركة في المناسك : الشعث ، وما كان من نحو قص الأظفار ، والشارب ، وحلق العانة ، وغير ذلك . وككتف الشعث والمغبر ، ا هـ .

وقال صاحب " اللسان " : التفث : نتف الشعر وقص الأظفار ، إلخ .

وقال أبو عبد الله القرطبي في تفسيره في الكلام على معنى التفث : قال ابن العربي : وهذه اللفظة غريبة لم يجد أهل العربية فيها شعرا ، ولا أحاطوا بها خبرا ، لكني تتبعت التفث لغة فرأيت أبا عبيدة معمر بن المثنى قال : إنه قص الأظفار وأخذ الشارب ، وكل ما يحرم على المحرم إلا النكاح ، ولم يجئ فيه شعر يحتج به . وقال صاحب " العين " : التفث : هو الرمي والحلق ، والتقصير ، والذبح ، وقص الأظفار ، والشارب ، والإبط . وذكر الزجاج والفراء نحوه ، ولا أراهم أخذوه إلا من قول العلماء ، وقال قطرب : تفث الرجل : إذا كثر وسخه . قال أمية بن أبي الصلت :

[ ص: 49 ]

حلقوا رءوسهم لم يحلقوا تفثا ولم يسلوا لهم قملا وصئبانا



وما أشار إليه قطرب هو الذي قاله ابن وهب عن مالك ، وهو الصحيح في التفث ، وهذه صورة إلقاء التفث لغة ، إلى أن قال : قلت : ما حكاه عن قطرب ، وذكر من الشعر قد ذكره في تفسيره الماوردي ، وذكر بيتا آخر فقال : قضوا تفثا ونحبا ثم ساروا إلى نجد وما انتظروا عليا

وقال الثعلبي : وأصل التفث في اللغة : الوسخ ، تقول العرب للرجل تستقذره : ما أتفثك أي : ما أوسخك وأقذرك .

قال أمية بن أبي الصلت :

ساخين آباطهم لم يقذفوا تفثا     وينزعوا عنهم قملا وصئبانا



انتهى من القرطبي .

والظاهر أن قوله : ساخين آباطهم . . البيت ، من قولهم : سخا يسخو سخوا إذا سكن من حركته : يعني : أنهم ساكنون عن الحركة إلى آباطهم بالحلق ، بدليل قوله بعده :

. . . لم يقذفوا تفثا     وينزعوا عنهم قملا وصئبانا



التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث