الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

تنبيهان

الأول : في ذكر أشياء مما ذكر وردت فيها نصوص ، وتفصيل ذلك : فمن ذلك العصفر وقد رأيت في النقول التي ذكرنا من قال من أهل العلم : بأنه ليس بطيب ، وأنه لا بأس بلبس المحرم له ، وقد قدمنا فيه حديث أبي داود المصرح بأنه لا بأس بلبس النساء له ، وهن محرمات ، وفيه ابن إسحاق ، وقد صرح فيه بالسماع ، فعلم أنه لم يدلس فيه إلى آخر ما قدمنا فيه ، والظاهر بحسب الدليل : أن المعصفر لا يجوز لبسه ، وإن جوزه كثير من أجلاء العلماء من الصحابة ومن بعدهم ; لأن السنة الثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أحق بالاتباع .

وقد قال مسلم بن الحجاج - رحمه الله - في صحيحه : حدثنا محمد بن المثنى ، حدثنا معاذ بن هشام ، حدثني أبي عن يحيى ، حدثني محمد بن إبراهيم بن الحارث : أن ابن معدان أخبره : أن عبد الله بن عمرو بن العاص ، أخبره قال " رأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - علي ثوبين معصفرين ، فقال : إن هذه من ثياب الكفار فلا تلبسها " ، ا هـ .

[ ص: 74 ] وابن معدان المذكور : هو خالد كما ثبت في صحيح مسلم بعد الحديث المذكور مباشرة ، وفي لفظ مسلم بإسناد غير الأول ، عن عبد الله بن عمرو قال : " رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - علي ثوبين معصفرين ، فقال : " أأمك أمرتك بهذا " ؟ قلت : أغسلهما قال : " بل أحرقهما " .

وقال مسلم في صحيحه أيضا : حدثنا يحيى بن يحيى ، قال : قرأت على مالك ، عن نافع ، عن إبراهيم بن عبد الله بن حنين ، عن أبيه ، عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - : " أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : نهى عن لبس القسي ، والمعصفر ، وعن تختم الذهب ، وعن قراءة القرآن في الركوع " وفي لفظ لمسلم ، عن علي - رضي الله عنه - : " نهاني النبي - صلى الله عليه وسلم - عن القراءة وأنا راكع ، وعن لبس الذهب ، والمعصفر " وفي لفظ لمسلم عنه أيضا - رضي الله عنه - : " نهاني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن التختم بالذهب ، وعن لباس القسي ، وعن القراءة في الركوع والسجود ، وعن لباس المعصفر " انتهى منه .

فهذا الحديث الثابت في صحيح مسلم ، وغيره عن صحابيين جليلين ، وهما علي ، وعبد الله بن عمرو بن العاص - رضي الله عنهم - صريح في منع لبس المعصفر مطلقا ; لأن قوله - صلى الله عليه وسلم - في حديث عبد الله بن عمرو : " إنهما من ثياب الكفار ، فلا تلبسهما " صريح في منع لبسهما ; لأن النهي يقتضي التحريم كما تقرر في الأصول ، ويؤيد ذلك هنا أنه رتب النهي عنهما على أنهما من ثياب الكفار ، وهذا دليل واضح على منع لبس المعصفر مطلقا في الإحرام وغيره . وكذلك قوله - صلى الله عليه وسلم - في حديث عبد الله بن عمرو : " بل أحرقهما " فهو دليل واضح على منع لبسهما ; لأن لبس الجائز لبسه ، لا يستوجب الإحراق بحال ، فهو نص في منع المعصفر مطلقا ، وقول علي - رضي الله عنه - : " نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن لبس القسي والمعصفر ، وعن تختم الذهب " الحديث . دليل أيضا على منع لبس المعصفر مطلقا ; لأن النهي يقتضي التحريم ، إلا لدليل صارف عنه ، وليس موجودا ، ويؤيده أنه قرنه بالتختم بالذهب ، وهو ممنوع ، وما زعمه بعض أهل العلم : من أن رواية علي المذكورة آنفا في مسلم : " نهاني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " : تدل على اختصاص هذا الحكم بعلي ; لأنه قال : نهاني بياء المتكلم في الرواية المذكورة ، مردود من ثلاثة أوجه :

أحدها : أنه - صلى الله عليه وسلم - بين في حديث ابن عمرو عموم هذا الحكم ، حيث قال لعبد الله : " إن هذا من ثياب الكفار ، فلا تلبسهما " وهذا صريح في عدم اختصاص هذا الحكم بعلي - رضي الله عنه - .

الوجه الثاني : أنه ثبت في صحيح مسلم ، عن علي - رضي الله عنه - : " أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : [ ص: 75 ] نهى عن لبس القسي ، والمعصفر وعن تختم الذهب ، بحذف مفعول نهى ، وحذف المفعول في ذلك ، يدل على عموم الحكم على التحقيق كما حرره القرافي في شرح التنقيح من أن مثل نهى - صلى الله عليه وسلم - عن كذا صيغة عموم بما لا يدع مجالا للشك ؟ وممن انتصر لذلك : ابن الحاجب وغيره ، واختاره الفهري .

والحاصل : أن التحقيق في مثل نهى - صلى الله عليه وسلم - عن بيع الغرر وقضى بالشفعة ، وقضى بالشاهد واليمين ونحو ذلك : أنه يعم كل غرر وكل شفعة ، وكل شاهد ، ويمين ، وإن خالف في ذلك كثير من الأصوليين ، كما حررنا أدلة الفريقين ، وناقشناها في غير هذا الموضع .

الوجه الثالث : أن رواية " نهاني " التي احتج بها مدعي اختصاص هذا الحكم بعلي : تدل أيضا على عموم الحكم ; لأن خطاب النبي - صلى الله عليه وسلم - لواحد من أمته يعم حكمه جميع الأمة لاستوائهم في أحكام التكليف ، إلا بدليل خاص يجب الرجوع إليه ، وخلاف أهل الأصول في خطاب الواحد ، هل هو من صيغ العموم الدالة على عموم الحكم ، خلاف في حال لا خلاف حقيقي ، فخطاب الواحد عند الحنابلة صيغة عموم ، وعند غيرهم من الشافعية ، والمالكية وغيرهم : أن خطاب الواحد لا يعم ; لأن اللفظ للواحد لا يشمل بالوضع غيره ، وإذا كان لا يشمله وضعا ، فلا يكون صيغة عموم ، ولكن أهل هذا القول موافقون : على أن حكم خطاب الواحد عام لغيره لكن بدليل آخر غير خطاب الواحد ، وذلك الدليل بالنص والقياس . أما القياس فظاهر ; لأن قياس غير ذلك المخاطب عليه بجامع استواء المخاطبين في أحكام التكليف من القياس الجلي والنص ، كقوله - صلى الله عليه وسلم - في مبايعة النساء : " إني لا أصافح النساء ، وما قولي لامرأة إلا كقولي لمائة امرأة " .

قالوا : ومن أدلة ذلك حديث : " حكمي على الواحد حكمي على الجماعة " .

قال ابن قاسم العبادي في الآيات البينات : اعلم أن حديث : " حكمي على الواحد حكمي على الجماعة " لا يعرف له أصل بهذا اللفظ ، ولكن روى الترمذي وقال : حسن صحيح ، والنسائي ، وابن ماجه ، وابن حبان ، قوله - صلى الله عليه وسلم - في مبايعة النساء : " إني لا أصافح النساء " وساق الحديث كما ذكرناه .

وقال صاحب كشف الخفاء ومزيل الألباس ، عما اشتهر من الأحاديث ، على ألسنة الناس : " حكمي على الواحد حكمي على الجماعة " ، وفي لفظ : " كحكمي على الجماعة " ليس له أصل بهذا اللفظ ، كما قال العراقي : في تخريج أحاديث البيضاوي . [ ص: 76 ] وقال في الدرر كالزركشي لا يعرف ، وسئل عنه المزي ، والذهبي فأنكراه . نعم يشهد له ما رواه الترمذي ، والنسائي من حديث أميمة بنت رقيقة ، فلفظ النسائي : " ما قولي لامرأة واحدة إلا كقولي لمائة امرأة " ولفظ الترمذي : " إنما قولي لمائة امرأة كقولي لامرأة واحدة " وهو من الأحاديث التي ألزم الدارقطني الشيخين بإخراجها ; لثبوتها على شرطهما .

وقال ابن قاسم العبادي في شرح الورقات الكبير : " حكمي على الجماعة " ، لا يعرف له أصل ، إلى آخره قريبا مما ذكرنا عنه ، ا هـ .

قال مقيده - عفا الله عنه وغفر له - : الحديث المذكور ثابت من حديث أميمة بنت رقيقة بقافين مصغرا : وهي صحابية من المبايعات ، ورقيقة أمها : وهي أخت خديجة بنت خويلد . وقيل عمتها واسم أبيها بجاد بموحدة ، ثم جيم ابن عبد الله بن عمير التيمي تيم بن مرة ، وأشار إلى ذلك في " المراقي " بقوله :

خطاب واحد لغير الحنبلي من غير رعي النص والقيس الجلي



وبهذا كله تعلم أن التحقيق منع لبس المعصفر ، وظاهر النصوص الإطلاق : أي سواء كان في الإحرام ، أو غيره كما رأيت ، وجمع بعض العلماء بين الأحاديث التي ذكرناها في صحيح مسلم ، الدالة على منع لبس المعصفر مطلقا ، وبين حديث أبي داود المتقدم الدال على إباحته للنساء في الإحرام ، بأن أحاديث المنع إنما هي بالنسبة للرجال ، وحديث الجواز بالنسبة إلى النساء ، فيكون ممنوعا للرجال جائزا للنساء ، وتتفق الأحاديث .

وممن اعتمد هذا الجمع الترمذي في سننه حيث قال : باب ما جاء في كراهة المعصفر للرجال : حدثنا قتيبة ، ثنا مالك بن أنس ، عن نافع ، عن إبراهيم بن عبد الله بن حنين ، عن أبيه ، عن علي - رضي الله عنه - قال : " نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن لبس القسي والمعصفر " وفي الباب عن أنس ، وعبد الله بن عمرو ، وحديث علي : حديث حسن صحيح ، انتهى منه . فتراه في ترجمة الحديث جعله خاصا بالرجال ، وهو عين الجمع الذي ذكرنا ، وأشار النووي في شرح مسلم : إلى أن الجمع المذكور يشير إليه الحديث الصحيح عند مسلم ، وذلك في قوله : أعني النووي قوله - صلى الله عليه وسلم - : " أأمك أمرتك بهذا " معناه : أن هذا من لباس النساء ، وزيهن ، وأخلاقهن . انتهى محل الغرض منه .

[ ص: 77 ] وتفسيره للحديث : يدل على أن الحديث فيه تحريم المعصفر على الرجال دون النساء .

ويدل لهذا الجمع ما رواه أبو داود في سننه : حدثنا مسدد ، ثنا عيسى بن يونس ، ثنا هشام بن الغاز ، عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه عن جده قال : هبطنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من ثنية فالتفت إلي وعلي ريطة مضرجة بالعصفر فقال : " ما هذه الريطة عليك ؟ " فعرفت ما كره فأتيت أهلي ، وهم يسجرون تنورا لهم فقذفتها فيه ، ثم أتيته من الغد فقال : " يا عبد الله ما فعلت الريطة ؟ " فأخبرته فقال : ألا كسوتها بعض أهلك فإنه لا بأس به للنساء " انتهى من سنن أبي داود ، وهو صريح في الجمع المذكور ، وهذا الإسناد لا يقل عن درجة الحسن ، وهذا الحديث أخرجه ابن ماجه : حدثنا أبو بكر ، ثنا عيسى بن يونس ، عن هشام بن الغاز إلى آخر الإسناد ، ثم قال : أقبلنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من ثنية أذاخر ، فالتفت إلي وعلي ريطة ، إلى آخر الحديث . كلفظ أبي داود ، ا هـ .

وجمع الخطابي بين الأحاديث : بأن النهي فيما صبغ من الثياب بعد النسج ، وأن الإباحة منصرفة إلى ما صبغ غزله ، ثم نسج نقل هذا الجمع النووي في " شرح مسلم " عن الخطابي .

قال مقيده - عفا الله عنه وغفر له - : هذا الجمع فيه نظر ; لأنه تحكم ، والظاهر أن العصفر ليس بطيب ، فأبيح للنساء ومنع للرجال ، كالحرير وخاتم الذهب . والله تعالى أعلم .

فاتضح أن الظاهر بحسب الدليل أن المعصفر : لا يحل لبسه للرجال ، ويحل للنساء ; لأن ظاهر أحاديث النهي عنه العموم ، وكونه من ثياب الكفار قرينة على التعميم ، إلا أن أحاديث النهي تخصص بالأحاديث المتقدمة المصرحة ، بجوازه للنساء كحديث عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده ، عند أبي داود وابن ماجه ، وحديث الترمذي وما فسر به النووي حديث مسلم وحديث أبي داود المتقدم الذي فيه ابن إسحاق ، وكونه من ثياب الكفار : لا ينافي أن ذلك بالنسبة للرجال . دون النساء ، كما قال في الذهب والفضة والديباج والحرير : " إنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة " مع إباحتها للنساء .

والذين أباحوا لبس المعصفر للرجال والنساء معا ، احتجوا بما ذكره النووي في " شرح مسلم " قال : ثبت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لبس حلة حمراء .

[ ص: 78 ] وفي الصحيحين عن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال : " رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - يصبغ بالصفرة " انتهى منه فانظره .

والذين منعوه للرجال دون النساء استدلوا بالأحاديث المذكورة المصرحة بإباحته للنساء ، وعضدوا الأحاديث المذكورة بآثار عن الصحابة - رضي الله عنهم - فمن ذلك ما رواه مالك في " الموطأ " ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن أمه أسماء بنت أبي بكر - رضي الله عنهما - : أنها كانت تلبس الثياب المعصفرات المشبعات ، وهي محرمة ليس فيها زعفران . انتهى محل الغرض منه .

وقال شارحه الزرقاني : وكذلك جاء عن أختها . روى سعيد بن منصور ، عن القاسم بن محمد قال : كانت عائشة - رضي الله عنها - تلبس الثياب المعصفرة ، وهي محرمة . إسناده صحيح انتهى منه .

وروى البيهقي بإسناده ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن أسماء بنت أبي بكر نحو رواية مالك في " الموطأ " عنها ثم قال : هكذا رواه مالك ، وخالفه أبو أسامة ، وحاتم بن إسماعيل ، وابن نمير فرووه عن هشام ، عن فاطمة ، عن أسماء ، قاله مسلم بن الحجاج . انتهى من السنن الكبرى .

وقال البيهقي : وروينا عن نافع أن نساء ابن عمر كن يلبسن المعصفر ، وهن محرمات ، ثم ذكر عن أبي داود في المراسيل : أن مكحولا قال : جاءت امرأة إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بثوب مشبع بعصفر ، فقالت : يا رسول الله ، إني أريد الحج ، فأحرم في هذا ؟ قال : " لك غيره ؟ " قالت : لا . قال : " فأحرمي فيه " ثم ساق سنده به إلى أبي داود ، وذكر بسنده عن جابر أنه قال : " لا تلبس المرأة ثياب الطيب وتلبس الثياب المعصفرة لا أرى المعصفر طيبا "

وروى البيهقي بسنده عن عائشة - رضي الله عنها - " أنها كانت تلبس الثياب الموردة بالعصفر الخفيف وهي محرمة " ، وقد قدمنا حديث ابن عباس ، عند الطبراني في الكبير قال : كان أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - يختضبن بالحناء ، وهن محرمات ، ويلبسن المعصفر ، وهن محرمات ، وفي إسناده يعقوب بن عطاء .

قال في مجمع الزوائد : وثقه ابن حبان ، وضعفه جماعة .

وقال أبو داود في سننه : حدثنا زهير بن حرب ، ثنا يحيى بن أبي بكير ، ثنا إبراهيم بن طهمان ، حدثني بديل عن الحسن بن مسلم عن صفية بنت شيبة ، عن أم سلمة زوج [ ص: 79 ] النبي - صلى الله عليه وسلم - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : " المتوفى عنها زوجها لا تلبس المعصفر من الثياب ، ولا الممشقة ، ولا الحلي ، ولا تختضب " انتهى منه ، وهذا الإسناد صحيح كما ترى .

وقال صاحب الجوهر النقي في حاشيته على سنن البيهقي ، لما أشار إلى حديث أبي داود هذا ، وفيه دليل على أن العصفر طيب ، ولذلك نهيت عن المعصفر ، إذ لو كان النهي لكونه زينة نهيت عن ثوب العصب ; لأنه في الزينة فوق المعصفر ، والعصب برود اليمن يعصب غزلها : أي تطوى ، ثم تصنع مصبوغا ، ثم تنسج .

وفي الصحيحين : أنه - صلى الله عليه وسلم - استثنى من المنع ثوب العصب ، والشافعية خالفت هذا الحديث .

قال النووي : الأصح عندنا تحريم العصب مطلقا ، والحديث حجة لمن أجازه . وقال أيضا : الأصح أنه يجوز لها لبس الحرير . انتهى منه .

وفي صحيح مسلم من حديث أم عطية ، في المتوفى عنها زوجها : " ولا تلبس ثوبا مصبوغا إلا ثوب عصب ، ولا تكتحل ولا تمس طيبا " الحديث .

وفي صحيح البخاري : من حديث أم عطية قالت : " كنا ننهى أن نحد على ميت فوق ثلاث ، إلا على زوج " . الحديث ، وفيه : " ولا تكتحل ولا تطيب ولا تلبس مصبوغا إلا ثوب عصب " الحديث .

والممشقة في حديث أم سلمة المذكورة هي المصبوغة بالمشق بالكسر والفتح ، وهو المغرة ، والعصفر بالضم : نبات يصبغ به وبرزه هو القرطم .

قال مقيده - عفا الله عنه وغفر له - : الذي يظهر لي أن منع المتوفى عنها زوجها ، من لبس المعصفر المذكور ، ليس لكونه طيبا كما ظنه صاحب الجوهر النقي ، بدليل الأحاديث الدالة على المنع منه في غير الإحرام ، مع جواز الطيب لغير المحرم ، والأظهر أن المنع منه للزينة : وهي محرمة على المتوفى عنها زوجها ، دون غيرها من النساء . والعلم عند الله تعالى .

ولا يتعين كون العصب فوقه في الزينة ; لأن المتوفى عنها زوجها ممنوعة في العدة ، من الطيب ، والتزين ، فإباحة العصب لها تدل على ضعف رتبته في الزينة . والله تعالى أعلم .

ومن ذلك الحناء ، قد قدمنا اختلاف العلماء فيها ، هل هي طيب أو لا ؟ وقد قدمنا [ ص: 80 ] آثارا تدل على أنها ليست بطيب ، وقدمنا حديث ابن عباس عند الطبراني : أن أزواج النبي كن يختضبن بالحناء ، وهن محرمات ، وقد قدمنا أن في إسناده يعقوب بن عطاء ، وقد روى البيهقي بإسناده في " السنن الكبرى " عن عائشة - رضي الله عنها - أنها قيل لها : ما تقولين في الحناء والخضاب ؟ قالت : كان خليلي لا يحب ريحه ، ثم قال البيهقي : فيه كالدلالة على أن الحناء ليس بطيب : " فقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يحب الطيب ولا يحب ريح الحناء " انتهى منه .

وهذا حاصل مستند من قال : إن الحناء ليس بطيب ، وقال صاحب " الجوهر النقي " بعد أن ذكر كلام البيهقي الذي ذكرنا : وقد ورد عنه - صلى الله عليه وسلم - خلاف هذا . قال أبو عمر في " التمهيد " : ذكر ابن بكير عن ابن لهيعة ، عن بكير بن الأشج ، عن خولة بنت حكيم ، عن أمها أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لأم سلمة : " لا تطيبي وأنت محرمة ولا تمسي الحناء ، فإنه طيب " . وأخرجه البيهقي في كتاب المعرفة ، من هذا الوجه وقد عد أبو حنيفة الدينوري وغيره : من أهل اللغة : الحناء من أنواع الطيب . وقال الهروي في الغريبين : وفي الحديث : " سيد رياحين الجنة الفاغية " قال الأصمعي : هو نور الحناء . وفي الحديث أيضا عن أنس : " كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يعجبه الفاغية " انتهى منه . وقال صاحب كشف الخفاء ومزيل الإلباس . وقال النجم ، وعند الطبراني والبيهقي ، وأبي نعيم في الطب عن بريدة : " سيد الإدام في الدنيا والآخرة اللحم ، وسيد الشراب في الدنيا والآخرة الماء ، وسيد الرياحين في الدنيا والآخرة الفاغية " انتهى محل الحاجة منه ، وقال ابن الأثير في النهاية فيه : " سيد رياحين الجنة الفاغية ، هي نور الحناء " وقيل : نور الريحان . وقيل : نور كل نبت من أنوار الصحراء ، التي لا تزرع . وقيل : فاغية كل نبت نوره ، ومنه حديث أنس : " كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تعجبه الفاغية " ، ا هـ .

وفي " القاموس " : والفاغية نور الحناء أو يغرس غصن الحناء مقلوبا فيثمر زهرا أطيب من الحناء ، فذلك الفاغية انتهى محل الغرض منه . ولا يخفى أن الحناء لم يثبت فيه شيء مرفوع وأكثر أنواع الطيب لم تثبت في خصوصها نصوص ، ومنها : ما ثبت بالنص كالزعفران ، والورس ، كما تقدم إيضاحه ، وكالذريرة والمسك كما سيأتي إن شاء الله . وقد قدمنا أن الذي اختلف فيه أهل العلم من الأنواع : هل هو طيب ، أو ليس بطيب ؟ أن ذلك من نوع الاختلاف في تحقيق المناط ، والعلم عند الله تعالى .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث