الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 208 ] فصل في بعض شروط القدوة أيضا ( شرط ) انعقاد ( القدوة ) في الابتداء كما سيعلم مما يأتي أنه لو نواها في خلال صلاته جاز فلا اعتراض عليه خلافا لمن وهم فيه ( أن ينوي المأموم مع التكبير ) للإحرام ( الاقتداء ) أو الائتمام ( أو الجماعة ) بالإمام الحاضر أو مأموما أو مؤتما به ، إذ المتابعة عمل فيفتقر إلى النية ، ولا يقدح في ذلك صلاحية الجماعة للإمام أيضا ، لأن اللفظ المطلق ينزل على المعهود الشرعي فهي من الإمام غيرها من المأموم ، فنزلت في كل على ما يليق به مع تعينها بالقرينة الحالية لأحدهما ، وعلم من ذلك رد قول جمع لا يكفي نية نحو القدوة أو الجماعة ، بل لا بد من أن يستحضر الاقتداء بالحاضر وإلا لم يأت إشكال الرافعي المذكور في الجماعة الذي أشرنا للجواب عنه . لا يقال : لا دخل للقرائن الخارجة في النيات ; لأنا نقول : صحيح ذلك فيما لم يقع تابعا ، والنية هنا تابعة لأنها غير شرط للانعقاد ، ولأنها [ ص: 209 ] محصلة لصفة تابعة فاغتفر فيها ما لم يغتفر في غيرها ، وخرج بقوله مع التكبير ما لو لم ينو كذلك فتنعقد فرادى ثم إن تابع فسيأتي ( والجمعة كغيرها ) في اشتراط نيته المذكورة ( على الصحيح ) وإن افترقا في عدم انعقادها عند انتفاء نية القدوة مع تحرمها بخلاف غيرها ، ولا يغني توقف صحتها على الجماعة عن وجوب نية الجماعة فيها ، وتقدم في المعادة ما يعلم منه أن نية الاقتداء عند تحرمها واجب في بعض صورها فهي كالجمعة ، ومقابل الصحيح لا يشترط فيها ما ذكر لأنها لا تصح بدون الجماعة ، فكان التصريح بنية الجمعة مغنيا عن التصريح بنية الجماعة ( فلو ترك هذه النية ) أو شك فيها في غير الجمعة ( وتابع ) مصليا ( في الأفعال ) أو في فعل واحد أو في السلام [ ص: 210 ] بأن كان قاصدا لذلك مع عدم نية اقتدائه وطال انتظاره له عرفا ( بطلت صلاته على الصحيح ) لتلاعبه .

أما لو وقع ذلك منه اتفاقا من غير قصد ، أو كان الانتظار يسيرا أو كثيرا من غير متابعة لم تبطل جزما ، ومقابل الصحيح يقول المراد بالمتابعة هنا أن يأتي بالفعل بعد الفعل لا لأجله وإن تقدمه انتظار كثير له .

قال الشارح : فلا نزاع في المعنى ومراده به أن الخلف بين الصحيح ومقابله يشبه أن يكون لفظيا ، إذ الأول يوافق الثاني في أنه لو أتى بالفعل بعد الفعل لا لأجله لم تبطل ، وما قررته في مسألة الشك هو المعتمد .

وأما ما اقتضاه قول العزيز وغيره : إن الشك هنا كهو في أصل النية من البطلان بانتظار طويل وإن لم يتابع ويسير مع المتابعة غير مراد بدليل قول الشيخين : إنه في حال شكه كالمنفرد ، وهل البطلان بما مر عام في العالم بالمنع والجاهل أم مختص بالعالم . قال الأذرعي : لم أر فيه شيئا وهو محتمل ، والأقرب أنه يعذر الجاهل ، لكن قال في التوسط : إن الأشبه عدم الفرق وهو الأوجه .

التالي السابق


حاشية الشبراملسي

[ ص: 208 ] فصل في بعض شروط القدوة ( قوله : أن ينوي المأموم مع التكبير إلخ ) أي ولو مع آخر جزء منه ، وعبارة سم على منهج : وانظر لو نوى مع آخر جزء من التحرم ينبغي أنه يصح ويصير مأموما من حينئذ ، وفائدته أنه لا يضر تقدمه على الإمام في الموقف قبل ذلك انتهى : أي وينبغي أن لا تفوته في هذه فضيلة الجماعة من أولها ، ويفرق بينه وبين ما لو نوى القدوة في خلال صلاته حيث كان فعله مكروها مفوتا لفضيلة الجماعة بأن فوات الفضيلة ثم للكراهة خروجا من خلاف من أبطل به ، وقد يؤخذ من قوله الآتي : ولو أحرم منفردا إلخ أن الاقتداء مع آخر التحرم لا خلاف في صحته ، على أنه قيل بصحة الصلاة في الاقتران بالنية بآخر التحرم ، لأن التكبيرة كلها ركن واحد فاكتفى بمقارنة بعضه .

يؤخذ من قول ابن قاسم : ويصير مأموما من حينئذ أنه لا بد في الجمعة من نية الاقتداء من أول الهمزة إلى آخر الراء من أكبر وإلا لم تنعقد جمعة ، وبه صرح في العباب وعبارته : الرابع نية المأموم الاقتداء ، ثم قال : حتى في الجمعة مقارنة لتكبيرة الإحرام وإلا لم تنعقد له جماعة وتنعقد له منفردا ا هـ : أي في غير الجمعة .

( قوله : فهي ) أي الجماعة . ( قوله : بالإمام الحاضر ) أي الحاضر في الواقع ، وليس المراد أنه لا بد من ملاحظة صفة الحضور في النية لما يأتي في قوله وعلم من ذلك إلخ .

( قوله : فنزلت في كل على ما يليق به ) ويكفي مجرد تقدم إحرام أحدهما في الصرف إلى الإمامة وتأخر الأخرى في الصرف إلى المأمومية ، فإن أحرما معا ونوى كل الجماعة ففيه نظر ، ويحتمل انعقادها فرادى لكل فتلغو نيتهما الجماعة .

نعم إن تعمد كل مقارنة الآخر مع العلم بهما فلا يبعد البطلان ، ويحتمل عدم انعقادها مطلقا أخذا من قوله الآتي : فإن قارنه لم يضر إلا تكبيرة الإحرام ، ويفرق على الأول بأن نية الجماعة لم تتعين ا هـ سم على حج .

( قوله : بالقرينة الحالية لأحدهما ) أي فإن لم تكن قرينة حالية وجب ملاحظة كونه إماما أو مأموما وإلا لم تنعقد صلاته لتردد حاله بين الصفتين ولا مرجح ، والحمل على أحدهما تحكم .

( قوله : الذي أشرنا للجواب عنه ) أي في قوله : فنزل في كل على ما يليق به ( قوله لأنا نقول إلخ ) يرد على هذا أنهم اكتفوا [ ص: 209 ] في الغسل بنية رفع الحدث مع كونه محتملا للأصغر والأكبر اكتفاء بالقرينة ، مع أن نية ما ذكر ليست تابعة لشيء فالأولى أن يجاب بأن عدم التعويل على القرينة غالب لا لازم .

( قوله : فتنعقد فرادى ) قد يؤخذ من ذلك أنه لو رأى شخصا ظنه مصليا فنوى الاقتداء به فتبين أنه غير مصل انعقدت فرادى وامتنعت متابعته إلا بنية أخرى ، وهل نقول كذلك في مسألة المساوقة ؟ فيه نظر حرره .

ثم رأيت أن هذا الأخذ خطأ مبني على أن معنى أنه لم ينو مع التحرم أنه قبل تحرم إمامه مثلا وليس كذلك ، وإنما معناه أنه لم تقارن نية الاقتداء تحرم نفسه والله أعلم .

وقد صرح في شرح الروض بالبطلان فيما لو عين رجلا فبان أنه ليس في صلاة ، وعبارته : وإن عين رجلا كزيد واعتقد أنه الإمام فبان مأموما أو غير مصل أو اعتقد أنه زيد فبان عمرا وهو الذي في الأصل لم تصح صلاته ا هـ سم على منهج .

وفي العباب وشرحه ما نصه : لو نوى المأموم الاقتداء به في غير تسبيحه : أي الإمام أو في غير الركعة الأولى أو عكسه : أي في غير الأخيرة أو الثالثة أو الثانية فلا يضره ذلك . والظاهر في مسألة التسبيحات أنه بعد تسبيح أول ركوع يصير منفردا في بقية الصلاة ، إلا إن نوى استئناف القدوة لأنه يستحيل أن يصير في التسبيحات منفردا وبعدها مأموما ويصير منفردا في الركعة الثانية مثلا ، ولا يعود بعدها للقدوة إلا بنية جديدة انتهى . أقول : ينبغي أن يصير منفردا بمجرد الشروع في التسبيح .

( قوله : ولا يغني توقف صحتها ) هو رد لتعليل مقابل الصحيح ( قوله : واجب في بعض صورها ) وذلك في المعادة التي قصد بفعلها تحصيل الفضيلة ، بخلاف ما قصد بها جبر الخلل في الأولى كالمعادة خروجا من خلاف من أبطلها فإن الجماعة فيها ليست شرطا ( قوله : أو شك فيها ) ظاهره أن المراد بالشك ما يشمل الظن وهو غير بعيد كما هو الغالب في أبواب الفقه ، وهذا بخلاف المقارنة لإحرام الإمام ، فإنه إذا ظن عدمها لم يضر إذا لم يتبين خلافه ، ويفرق بأن الشك هنا في نية الاقتداء والنية يضر معها الاحتمال ، وهناك [ ص: 210 ] في المقارنة وتركها شرط لصحة النية فيتسامح فيها ويكتفي بالظن فليراجع وليحرر ، ولعل هذا في غير حال الإحرام وإلا فيضر التردد حينئذ المانع من الانعقاد فليحرر ، وفيه نظر ا هـ سم على منهج . أقول : قوله وفيه نظر وقياس ما قدمه فيما لو شك في التقدم على الإمام حال الإحرام الضرر مطلقا سواء وقع الشك في الأثناء أو لا .

( قوله : بأن كان قاصدا إلخ ) تصوير للمتابعة . ( قوله : وطال انتظاره ) واعتبار الانتظار بعد القراءة الواجبة . ( قوله : عرفا ) يحتمل أن يفسر بما قالوه فيما لو أحس في ركوعه بداخل يريد الاقتداء به من ضبط الانتظار بأنه هو الذي لو وزع على جميع الصلاة لظهر أثره ، ويحتمل أن ما هنا أضيق وهو الأقرب ، ويوجه بأن المدار هنا على ما يظهر به كونه رابطا صلاته بصلاة إمامه وهو يحصل بما دون ذلك .

[ فرع ] انتظره للركوع والاعتدال والسجود وهو قليل في كل ولكنه كثير باعتبار الجملة ، فالظاهر أنه من الكثير فليتأمل انتهى .

واعتمد شيخنا طب أنه قليل ا هـ سم على منهج .

أقول : والأقرب ما قاله طب وعليه فيفرق بينه وبين ما تقدم فيما لو تعدد الداخلون وطال الانتظار بأن المدار ثم على ضرر المقتدين وهو حاصل بذلك ، بخلافه هنا فإن المدار على ما يحصل به الربط الصوري وهو لا يحصل بكل من الانتظارات اليسيرة وإن كثر مجموعها ، لأن المجموع لما لم يجتمع في محل واحد لم يظهر به الربط .

( قوله : أو كان الانتظار يسيرا ) ينبغي أو بعد انتظار كثير لا لأجل المتابعة أخذا من قوله للمتابعة تأمل سم على منهج .

( قوله : في مسألة الشك ) أي من الضرر حيث تابع ( قوله : غير مراد ) الأولى أن يقول : فغير مراد لأنه جواب أما .

( قوله : لكن قال في التوسط ) أي الأذرعي ، فقد اختلف كلامه في التوسط وغيره ، وذكر في القوت أن مثل العالم والجاهل العامد والناسي فيضر .

( قوله : وهو الأوجه ) من كلام م ر



حاشية المغربي

[ ص: 206 - 208 ] ( فصل في بعض شروط القدوة أيضا ) ( قوله : أو مأموما أو مؤتما ) عبارة التحفة : أو كونه مأموما أو مؤتما ، ولعل لفظ كونه سقط من نسخ الشارح من النساخ ( قوله : وإلا لم يأت إشكال الرافعي ) من تمام الرد لا من تتمة المردود ، وعبارة التحفة : وبه يعلم أن قول جمع لا تكفي نية نحو القدوة أو الجماعة بل لا بد أن يستحضر الاقتداء بالحاضر ضعيف ، وإلا لم يأت إشكال الرافعي [ ص: 209 ] المذكور في الجماعة ، والجواب عنه بما تقرر أن اللفظ المطلق إلخ انتهت .

ووجه علم ضعفه مما ذكر أن الرافعي فهم من كلام الأصحاب أنهم قائلون بالصحة في صورة نية الجماعة وإن لم يستحضر الاقتداء بالحاضر حتى رتب عليه إشكاله الذي مرت الإشارة إليه بالجواب عنه ، ولو كانت الصورة ما ادعاه هذا الجمع لم يتأت إشكال ( قوله : وخرج بقوله مع التكبير ما لو لم ينو كذلك ) عدل إليه عن قول التحفة : وخرج بمنع التكبير تأخرها عنه لما أورده عليه الشهاب سم من أن المفهوم من تأخرها عنه وجودها مع تأخرها عنه ، قال : ولا يخفى أن ذلك من قبيل نية الاقتداء في الأثناء ، فيشكل قوله : ثم إن تابع إلخ ; لأنه مفروض عند ترك النية رأسا ( قوله : وإن افترقا في عدم انعقادها عند انتفاء نية القدوة ) يوهم أن هذا الافتراق قدر مشترك بين الصحيح ، ومقابله يقول به كل منهما ، وليس كذلك كما يعلم مما يأتي ( قوله : في غير الجمعة ) أي أما فيها فتبطل باتفاق القائلين بالصحيح المتقدم الذي الصحيح ومقابله هنا مفرعان عليه .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث