الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

مسألة بيع الخمر

جزء التالي صفحة
السابق

1513 مسألة :

ولا يحل بيع الخمر ، لا لمؤمن ، ولا لكافر ، ولا بيع الخنازير كذلك ، ولا شعورها ، ولا شيء منها ، ولا بيع صليب ، ولا صنم ، ولا ميتة ، ولا دم إلا المسك وحده ، فهو حلال بيعه وملكه ، فمن باع من المحرم الذي ذكرنا شيئا فسخ أبدا .

وروينا من طريق مسلم نا أبو كريب نا أبو معاوية [ عن الأعمش ] عن مسلم هو أبو الضحى [ ص: 491 ] عن مسروق عن عائشة أم المؤمنين { خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المسجد فحرم التجارة في الخمر . }

وبه إلى مسلم : أنا قتيبة بن سعيد أنا ليث هو ابن سعد عن يزيد بن حبيب عن عطاء بن أبي رباح عن جابر بن عبد الله ، " أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفتح وهو بمكة يقول : { إن الله عز وجل ورسوله حرم بيع الخمر والميتة ، والخنزير ، والأصنام ، فقيل : يا رسول الله أرأيت شحم الميتة فإنه يطلى بها السفن ، ويدهن بها الجلود ويستصبح بها الناس قال : لا ، هو حرام ، قاتل الله اليهود إن الله لما حرم عليهم شحومها أجملوه ثم باعوه فأكلوا ثمنه . }

قال أبو محمد : موه قوم بهذا الخبر في تصحيح القياس ، وليس فيه للقياس أثر ، لكن فيه : أن الأوامر على العموم ; لأنه عليه السلام أخبر : أن الله تعالى حرم الشحوم على اليهود فاستحلوا بيعها ، فأنكر ذلك عليهم أشد الإنكار ، إذ خصوا التحريم ولم يحملوه على عمومه .

فصح بهذا أنه متى حرم شيء فحرام ملكه ، وبيعه ، والتصرف فيه ، وأكله على عموم تحريمه ، إلا أن يأتي نص بتخصيص شيء من ذلك فيوقف عنده .

وقد حرم الله تعالى : الخنزير ، والخمر ، والميتة ، والدم ، فحرم ملك كل ذلك ، وشربه ، والانتفاع به ، وبيعه .

وقد أوجب الله تعالى دين الإسلام على كل إنس وجن .

وقال تعالى : { وأن احكم بينهم بما أنزل الله }

وقال تعالى : { ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه }

وقال تعالى : { وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله }

فوجب الحكم على اليهود ، والنصارى ، والمجوس : بحكم الإسلام ، أحبوا أم كرهوا . [ ص: 492 ]

ومن أجاز لهم بيع الخمر ظاهرا وشراءها كذلك ، وتملكها علانية ، وتملك الخنازير كذلك ، لأنهم من دينهم بزعمه ، وصدقهم في ذلك : لزمه أن يتركهم أن يقيموا شرائعهم في بيع من زنى من النصارى الأحرار ، وخصاء القسيس إذا زنى ، وقتل من يرون قتله وهم لا يفعلون ذلك فظهر تناقضهم .

وقال أبو حنيفة : إذا أمر المسلم نصرانيا بأن يشتري له خمرا : جاز ذلك وهذه من شنعه التي نعوذ بالله من مثلها .

وأما المسك : فقد صح { عن رسول الله صلى الله عليه وسلم التطيب بالمسك وتفضيله على الطيب } وأيضا : فقد سقط عنه اسم الدم وصفاته وحده ، فليس دما ، والأحكام إنما هي على الأسماء ، والأسماء إنما هي على الصفات ، والحدود .

روينا من طريق أبي عبيد أنا مروان بن معاوية أنا عمر المكتب أنا حزام عن ربيعة بن زكا أو زكار قال : نظر علي بن أبي طالب إلى زرارة فقال : ما هذه القرية ؟ قالوا : قرية تدعى زرارة يلحم فيها ، ويباع فيها الخمر ؟ قال : أين الطريق إليها ؟ قالوا : باب الجسر ، قالوا : يا أمير المؤمنين نأخذ لك سفينة ؟ قال : لا ، تلك شجرة ، ولا حاجة لنا في الشجرة ، انطلقوا بنا إلى باب الجسر ، فقام يمشي حتى أتاها ، فقال علي بالنيران أضرموها فيها ، فاحترقت .

ومن طريق أبي عبيد نا هشام ومروان بن معاوية الفزاري عن إسماعيل بن أبي خالد عن الحارث بن شبيل عن أبي عمرو الشيباني ، قال : بلغ عمر بن الخطاب أن رجلا من أهل السواد أثرى في تجارة الخمر ، فكتب : أن اكسروا كل شيء قدرتم له عليه ، وسيروا كل ماشية له ، ولا يؤوين أحد له شيئا .

فهذا حكم علي ، وعمر ، بحضرة الصحابة رضي الله عنهم فيمن باع الخمر من المشركين ولا مخالف له يعرف من الصحابة فخالفوهما .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث