الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                          صفحة جزء
                                                                                                                                                                                          1481 - مسألة : قال أبو محمد : وههنا أشياء ذكرها القائلون - بتعليل حديث الربا - كلهم ، وهي أنهم ذكروا ما روينا من طريق وكيع أنا إسماعيل بن أبي خالد عن حكيم بن جابر { عن عبادة بن الصامت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : الذهب بالذهب ، والفضة بالفضة ، والكفة بالكفة ، حتى خلص إلى الملح } .

                                                                                                                                                                                          قالوا : فهذا يدل على أنه عليه السلام ذكر غير ذلك . قال أبو محمد : وهذا باطل لوجوه - : أولها : أن هذا اللفظ لم يروه إلا حكيم بن جابر - وهو مجهول .

                                                                                                                                                                                          والثاني : أنه قد أسقط من هذا الخبر ذكر البر ، والتمر والشعير - ، فبطل تقديرهم أنه ذكر أصنافا لم يذكرها غيره من الرواة .

                                                                                                                                                                                          والثالث : أن هذا الخبر رويناه من طريق بكر بن حماد عن مسدد عن يحيى بن سعيد القطان عن إسماعيل بن أبي خالد عن حكيم بن جابر عن عبادة بن الصامت عن النبي صلى الله عليه وسلم فقال فيه : { حتى خص الملح } فلاح أنه لم يذكر غير تلك الأصناف .

                                                                                                                                                                                          والرابع : أن من الباطل المتيقن أن يذكر عليه السلام شرائع مفترضة فيسقط ذكرها عن جميع الناس - أولهم عن آخرهم - من غير نسخ ، هذا خلاف قول الله تعالى : { وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى } .

                                                                                                                                                                                          وقوله تعالى { : إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون } .

                                                                                                                                                                                          ولو جاز هذا لكان الدين لم يكمل ، والشريعة فاسدة ، قد ضاعت منها عنا أشياء ، ولكنا مكلفين ما لا نقدر عليه ، ومأمورين بما لا ندريه أبدا ، وهذه ضلالات ناهيك بها ، وباطل لا خفاء به .

                                                                                                                                                                                          وذكروا ما روينا من طريق ابن وهب عن يزيد بن عياض عن إسحاق بن عبد الله عن جبير عن مالك بن أوس بن الحدثان : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { التمر بالتمر ، والزبيب بالزبيب ، والبر بالبر ، والسمن بالسمن ، والزيت بالزيت ، والدينار بالدينار ، والدرهم بالدرهم ، لا فضل بينهم } .

                                                                                                                                                                                          [ ص: 428 ] قال أبو محمد : وهذا حديث موضوع مكذوب لا تحل روايته إلا على بيان فضيحته ; لأن مالك بن أوس لا يعرف له سماع من رسول الله صلى الله عليه وسلم . وجبير بن أبي صالح - مجهول لا يدرى من هو ، وإسحاق بن عبد الله - هو الفروي - متروك - ويزيد بن عياض - هو ابن جعدبة مذكور بالكذب ووضع الأحاديث .

                                                                                                                                                                                          ثم لو صح لم يكن لهم فيه حجة في إيجاب علة أصلا ، وإنما كان يكون فيه زيادة ذكر الزيت ، والسمن ، والزبيب ، فقط .

                                                                                                                                                                                          وأيضا : فلو صح لكان المالكيون مخالفين له ، لأنهم يجيزون الدرهم بأوزن منه على سبيل المعروف ولكان الحنفيون مخالفين له ، لأنهم يجيزون ثلاث تمرات بست تمرات ، وعشر حبات بر بثلاثين حبة بر - وكذلك في الشعير ، والملح ، والزبيب ، والملح ، ولا يحل تحريم حلال خوف الوقوع في الحرام ، فيستعجل من فعل ذلك المعصية ، والوقوع في الباطل خوف أن يقع فيه غيره .

                                                                                                                                                                                          ومن طريق وكيع أنا إبراهيم بن يزيد عن أبي الزبير عن جابر أنه كره مدي ذرة بمد حنطة نسيئة - إبراهيم - متروك متهم - وهذا كراهية لا تحريم ، ولا يدرى هل كره الكيل أو الطعام ؟

                                                                                                                                                                                          وقد ذكرنا كل قول روي في هذا الباب عن المتقدمين وبينا خلافهم لها ، وأنهم قالوا في ذلك بأقوال لا تحفظ عن أحد قبلهم .

                                                                                                                                                                                          وأعجب شيء مجاهرة من لا دين له بدعوى الإجماع على وقوع الربا فيما عدا الأصناف المنصوص عليها - وهذا كذب مفضوح من قريب ، والله ما صح الإجماع في الأصناف المنصوص عليها فكيف في غيرها .

                                                                                                                                                                                          أو ليس ابن مسعود ، وابن عباس يقولان : لا ربا فيما كان يدا بيد ؟ وعليه كان عطاء ، وأصحاب ابن عباس ، وفقهاء أهل مكة .

                                                                                                                                                                                          وقد روينا من طريق سعيد بن منصور أنا أبو معاوية أنا الأعمش عن إبراهيم التيمي عن الحارث بن سويد عن عبد الله بن مسعود قال : لا ربا فيما كان يدا بيد والماء من الماء .

                                                                                                                                                                                          [ ص: 429 ] ومن طريق أبي بكر بن أبي شيبة أنا وكيع أنا سفيان - هو الثوري - عن ابن جريج عن عطاء قال : لا بأس بأن يسلم ما يكال فيما يكال ، وما يوزن فيما يوزن ، إنما هو طعام بطعام ، وهذا نفس قولنا ، ومخالف لجميع قول هؤلاء .

                                                                                                                                                                                          وقد صح عن طلحة بن عبيد الله إباحة بيع ذهب بفضة ، يقبض أحدهما ويتأخر قبض الآخر إلى أجل غير مسمى ، ولا يقدرون فيما عدا الستة الأصناف في الربا على كلمة ، إلا عن سبعة من الصحابة رضي الله عنهم مختلفين ، كلهم مخالف لأقوال أبي حنيفة ، ومالك ، والشافعي ، ليس عن أحد منهم رواية توافق أقوال هؤلاء صحيحة ولا سقيمة .

                                                                                                                                                                                          وعن نحو اثني عشر من التابعين مختلفين أيضا كذلك مخالفين لأقوالهم إلا إبراهيم وحده ، فإنه وافق قوله أصل أبي حنيفة .

                                                                                                                                                                                          وأيضا : فأكثر الروايات التي ذكرنا عن الصحابة والتابعين فواهية لا تصح ، فمن يجعل مثل هذا إجماعا إلا من لا دين له ولا عقل - وبالله تعالى التوفيق .

                                                                                                                                                                                          ووجدنا لبشر بن غياث المريسي قولا غريبا ، وهو أن تسليم كل جنس في غير جنسه جائز كالذهب في الفضة والفضة في الذهب ، والقمح في الشعير ، والتمر في الملح ، وكل صنف منها في غيره ، وأن الربا لا يقع إلا فيما بيع بجنسه فقط .

                                                                                                                                                                                          ثم لا ندري أعم كل جنس في العالم قياسا على المنصوصات ، وهو الأظهر من قوله ؟ أو خص المنصوصات فقط - وهذا قول مخالف لما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا وجه للاشتغال به .

                                                                                                                                                                                          1482 - مسألة :

                                                                                                                                                                                          قال علي : فإذ قد بطلت هذه الأقوال كلها فالواجب أن نذكر البرهان على صحة قولنا بعون الله تعالى - : روينا من طريق مسلم أنا قتيبة بن سعيد قال : أنا الليث - هو ابن سعد - عن ابن شهاب عن مالك بن أوس بن الحدثان أنه قال : أقبلت أقول : من يصطرف الدراهم ؟ [ ص: 430 ] فقال طلحة بن عبيد الله - وهو عند عمر بن الخطاب - : أرنا ذهبك ؟ ثم جئنا إذا جاء خادمنا نعطك ورقك ؟ فقال عمر بن الخطاب : كلا ، والله لتعطينه ورقة أو لتردن إليه ذهبه ، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : { الورق بالذهب ربا ، إلا هاء وهاء والبر بالبر ربا ، إلا هاء وهاء ، والشعير بالشعير ربا ، إلا هاء وهاء ، والتمر بالتمر ربا ، إلا هاء وهاء } .

                                                                                                                                                                                          ومن طريق مسلم أنا عبيد الله بن عمر القواريري أنا حماد بن زيد عن أيوب السختياني عن أبي قلابة أنا أبو الأشعث عن { عبادة بن الصامت قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى عن بيع الذهب بالذهب ، والفضة بالفضة ، والبر بالبر ، والشعير بالشعير ، والتمر بالتمر ، والملح بالملح ، إلا سواء بسواء ، عينا بعين ، فمن زاد أو ازداد فقد أربى } .

                                                                                                                                                                                          ومن طريق مسلم أنا إسحاق بن إبراهيم - هو ابن راهويه - عن عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي عن أيوب السختياني بنحوه .

                                                                                                                                                                                          ومن طريق أحمد بن شعيب أنا محمد بن المثنى أنا عمرو بن عاصم أنا همام - هو ابن يحيى - أنا قتادة عن أبي الخليل عن مسلم المكي عن أبي الأشعث الصنعاني عن عبادة بن الصامت قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { الذهب بالذهب تبره وعينه وزنا بوزن ، والفضة بالفضة تبره وعينه وزنا بوزن ، والملح بالملح ، والتمر بالتمر ، والبر بالبر ، والشعير بالشعير ، كيلا بكيل فمن زاد أو ازداد فقد أربى ، ولا بأس ببيع الشعير بالبر ، والشعير أكثرهما يدا بيد } .

                                                                                                                                                                                          قال أبو محمد : عمرو بن عاصم أنصاري ثقة معروف ، وأبو الخليل - هو صالح بن أبي مريم - ثقة ، ومسلم المكي - هو مسلم بن يسار الخياط مولى عثمان رضي الله عنه - ثقة .

                                                                                                                                                                                          [ ص: 431 ] وقد روينا هذا أيضا من طريق صحاح فلا ربا إلا فيما نص عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم المأمور بالبيان ، وما عدا ذلك فحلال { وما كان ربك نسيا } وبالله تعالى التوفيق .

                                                                                                                                                                                          التالي السابق


                                                                                                                                                                                          الخدمات العلمية