الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                          صفحة جزء
                                                                                                                                                                                          ومن طريق البخاري أنا أبو نعيم أنا عبد الواحد بن أيمن أنا أبي قال : { دخلت على عائشة رضي الله عنها فقالت : دخلت بريرة - وهي مكاتبة - وقالت : اشتريني وأعتقيني ؟ قالت : نعم ، قالت : لا تبيعوني حتى يشترطوا ولائي ؟ فقالت عائشة : لا حاجة لي بذلك ؟ فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم اشتريها وأعتقيها ودعيهم يشترطوا ما شاءوا ؟ فاشترتها عائشة فأعتقتها ، واشترط أهلها الولاء ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم الولاء لمن أعتق وإن كان مائة شرط } .

                                                                                                                                                                                          قال أبو محمد : فالقول في هذا الخبر هو على ظاهره دون تزيد ، ولا ظن كاذب ، مضاف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا تحريف اللفظ ، وهو إن اشترط الولاء على المشتري في المبيع للعتق كان لا يضر البيع شيئا ، وكان البيع على هذا الشرط جائزا حسنا مباحا ، وإن كان الولاء مع ذلك للمعتق ، وكان اشتراط البائع الولاء لنفسه مباحا غير منهي عنه ، ثم نسخ الله عز وجل ذلك وأبطله ، إذ خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك - كما ذكرنا - فحينئذ حرم أن يشترط هذا الشرط أو غيره جملة ، إلا شرطا في كتاب الله تعالى ، لا قبل ذلك أصلا - وقد قال تعالى : { وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم } .

                                                                                                                                                                                          وقال تعالى : { النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم }

                                                                                                                                                                                          برهان ذلك - : أنه عليه السلام قد أباح ذلك ، وهو عليه السلام لا يبيح الباطل ، ولا يغر أحدا ولا يخدعه - فإن قيل : فهلا أجزتم البيع بشرط العتق في هذا الحديث ؟

                                                                                                                                                                                          قلنا : ليس فيه اشتراطهم عتقها أصلا ولو كان لقلنا به ، وقد يمكن أنهم اشترطوا ولاءها إن أعتقت يوما ما ، أو إن أعتقتها ، إذ إنما في الحديث أنهم اشترطوا ولاءها لأنفسهم فقط ، ولا يحل أن يزاد في الأخبار شيء ، لا لفظا ولا معنى ، فيكون من فعل ذلك كاذبا ، إلا أننا نقطع ونبت أن البيع بشرط العتق لو كان جائزا لنص رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه وبينه ، فإذ لم يفعل فهو شرط ليس في كتاب الله فهو باطل ، ولا فرق بين البيع بشرط العتق وبين بيعه بشرط الصدقة ، أو بشرط الهبة ; أو بشرط التدبير - وكل ذلك لا يجوز . [ ص: 328 ]

                                                                                                                                                                                          وأما حديث جابر : فإننا رويناه من طريق البخاري أنا أبو نعيم أنا زكريا سمعت عامرا الشعبي يقول : حدثني { جابر بن عبد الله أنه كان يسير على جمل له قد أعيا فمر النبي صلى الله عليه وسلم فضربه ، فدعا له ، فسار سيرا ليس يسير مثله ، ثم قال : بعنيه بأوقية ؟ قلت : لا ، ثم قال : بعنيه بأوقية ؟ فبعته واستثنيت حملانه إلى أهلي - فلما قدمنا أتيته بالجمل ونقدني ثمنه ثم انصرفت فأرسل على إثري ، فقال : ما كنت لآخذ جملك ، فخذ جملك ذلك ، فهو مالك } .

                                                                                                                                                                                          ومن طريق مسلم أنا ابن نمير أنا أبي أنا زكريا - هو ابن أبي زائدة - عن عامر الشعبي حدثني جابر بن عبد الله فذكر هذا الخبر وفيه { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له : بعنيه ؟ فبعته بأوقية ، واستثنيت عليه حملانه إلى أهلي - فلما بلغت أتيته بالجمل فنقدني ثمنه ، ثم رجعت فأرسل في إثري ، فقال : أتراني ماكستك لآخذ جملك ، خذ جملك ودراهمك ، فهو لك } .

                                                                                                                                                                                          ومن طريق أحمد بن شعيب أنا محمد بن العلاء أنا أبو معاوية عن الأعمش عن سالم بن أبي الجعد عن جابر بن عبد الله فذكر هذا الخبر ، وفيه { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له : ما فعل الجمل بعنيه ؟ قلت : يا رسول الله بل هو لك قال : لا ، بل بعنيه ؟ قلت : لا ، بل هو لك ؟ قال لا ، بل بعنيه ، قد أخذته بأوقية ، اركبه ، فإذا قدمت المدينة فأتنا به ؟ فلما قدمت المدينة جئته به ، فقال لبلال يا بلال زن له أوقية وزده قيراطا } .

                                                                                                                                                                                          هكذا رويناه من طريق عطاء بن جابر .

                                                                                                                                                                                          قال أبو محمد : روي هذا أن ركوب جابر الجمل كان تطوعا من رسول الله صلى الله عليه وسلم واختلف فيه على الشعبي ، وأبي الزبير فروي عنهما عن جابر ، أنه كان شرطا من جابر - وروي عنهما أنه كان تطوعا من رسول الله صلى الله عليه وسلم . [ ص: 329 ]

                                                                                                                                                                                          فنحن نسلم لهم أنه كان شرطا ، ثم نقول لهم - وبالله تعالى التوفيق - : إنه قد صح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : { قد أخذته بأوقية } .

                                                                                                                                                                                          وصح عنه عليه السلام أنه قال : { أتراني ماكستك لآخذ جملك ؟ ما كنت لآخذ جملك فخذ جملك ذلك ، فهو مالك } كما أوردنا آنفا .

                                                                                                                                                                                          صح يقينا أنهما أخذان : أحدهما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم والآخر لم يفعله ، بل انتفى عنه ، ومن جعل كل ذلك أخذا واحدا فقد كذب رسول الله صلى الله عليه وسلم في كلامه ، وهذا كفر محض ، فإذ لا بد من أنهما أخذان ; لأن الأخذ الذي أخبر به عليه السلام عن نفسه هو بلا شك غير الأخذ الذي انتفى عنه ألبتة ، فلا سبيل إلى غير ما يحمل عليه ظاهر الخبر ، وهو إنه عليه السلام أخذه وابتاعه ، ثم تخير قبل التفرق ترك أخذه .

                                                                                                                                                                                          وصح أن في حال المماكسة كان ذلك أيضا في نفسه عليه السلام ; لأنه عليه السلام أخبره أنه لم يماكسه ليأخذ جمله - .

                                                                                                                                                                                          فصح أن البيع لم يتم فيه قط ، فإنما اشترط جابر ركوب جمل نفسه فقط ، وهذا هو مقتضى لفظ الأخبار ، إذا جمعت ألفاظها .

                                                                                                                                                                                          فإذ قد صح أن ذلك البيع لم يتم ولم يوجد في شيء من ألفاظ ذلك الخبر أصلا : أن البيع تم بذلك الشرط ، فقد بطل أن يكون في هذا الخبر : حجة في جواز بيع الدابة واستثناء ركوبها أصلا - وبالله تعالى التوفيق .

                                                                                                                                                                                          فأما الحنفيون ، والشافعيون : فلا يقولون بجواز هذا الشرط أصلا ، فإنما الكلام بيننا وبين المالكيين فيه فقط ، وليس في هذا الخبر تحديد يوم ، ولا مسافة قليلة من كثيرة ، ومن ادعى ذلك فقد كذب ، فمن أين خرج لهم تحديد مقدار دون مقدار ؟

                                                                                                                                                                                          ويلزمهم إذ لم يجيزوا بيع الدابة على شرط ركوبها شهرا - ولا عشرة أيام - وأبطلوا هذا الشرط ، وأجازوا بيعها ، واشتراط ركوبها مسافة يسيرة : أن يحدوا المقدار الذي يحرم به ما حرموه من ذلك المقدار الذي حللوه ، هذا فرض عليهم ، وإلا فقد تركوا من اتبعهم في سخنة عينه ، وفي ما لا يدري لعله يأتي حراما أو يمنع حلالا ، وهذا ضلال مبين ، فإن حدوا في ذلك مقدارا ما ، سئلوا عن البرهان في ذلك إن كانوا صادقين ؟ فلاح فساد هذا القول بيقين لا شك فيه . [ ص: 330 ]

                                                                                                                                                                                          ومن الباطل المتيقن أن يحرم الله تعالى علينا ما لا يفصله لنا من أوله لآخره لنجتنبه ونأتي ما سواه ، إذا كان تعالى يكلفنا ما ليس في وسعنا ، من أن نعلم الغيب وقد أمننا الله تعالى من ذلك .

                                                                                                                                                                                          فإن قالوا : إن في بعض ألفاظ الخبر : أن ذلك كان حين دنوا من المدينة ؟

                                                                                                                                                                                          قلنا : الدنو يختلف ، ولا يكون إلا بالإضافة ، فمن أتى من تبوك فكان من المدينة على ست مراحل أو خمس فقد دنا منها ، ويكون الدنو أيضا على ربع ميل - وأقل أو أكثر - فالسؤال باق عليكم بحسبه .

                                                                                                                                                                                          وأيضا : فإن هذه اللفظة إنما هي في رواية سالم بن أبي الجعد ، وهو إنما روى : أن ركوب جابر كان تطوعا من النبي صلى الله عليه وسلم وشرطا .

                                                                                                                                                                                          وفي رواية المغيرة عن الشعبي عن جابر دليل على أن ذلك كان في مسيرهم مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى غزاة - وأيضا فليس فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم منع من ذلك الشرط إلا في مثل تلك المسافة ، فإذ لم يقيسوا على تلك المسافة سائر المسافات فلا تقيسوا على تلك الطريق سائر الطرق ولا تقيسوا على اشتراط ذلك في ركوب جمل سائر الدواب ، وإلا فأنتم متناقضون متحكمون بالباطل .

                                                                                                                                                                                          وإذ قستم على تلك الطريق سائر الطرق ، وعلى الجمل سائر الدواب فقيسوا على تلك المسافة سائر المسافات ؟ كما فعلتم في صلاته عليه السلام راكبا متوجها إلى خيبر إلى غير القبلة : فقستم على تلك المسافة سائر المسافات : فلاح أنهم لا متعلق لهم في هذا الخبر أصلا - وبالله تعالى التوفيق .

                                                                                                                                                                                          وقد جاءت عن الصحابة رضي الله عنهم آثار في الشروط في البيع خالفوها ، فمن ذلك - : ما رويناه من طريق عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب قال .

                                                                                                                                                                                          قال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : وددنا لو أن عثمان بن عفان ، وعبد الرحمن بن عوف ، قد تبايعا حتى ننظر أيهما أعظم جدا في التجارة ، فاشترى عبد الرحمن بن عوف من عثمان فرسا بأرض أخرى بأربعين ألفا أو نحوها إن أدركتها الصفقة وهي سالمة ، ثم أجاز قليلا ، ثم رجع فقال : أزيدك ستة آلاف إن وجدها رسولي سالمة ؟ [ ص: 331 ] قال نعم ، فوجدها رسول عبد الرحمن قد هلكت ، وخرج منها بالشرط الآخر .

                                                                                                                                                                                          قيل للزهري : فإن لم يشترط قال : فهي من البائع .

                                                                                                                                                                                          فهذا عمل عثمان ، وعبد الرحمن بحضرة الصحابة رضي الله عنهم ، وعلمهم لا مخالف لهم يعرف منهم ، ولم ينكر ذلك سعيد ، وصوبه الزهري .

                                                                                                                                                                                          فخالف الحنفيون ، والمالكيون ، والشافعيون : كل هذا ، وقالوا : لعل الرسول يخطئ أو يبطئ أو يعرضه عارض ، فلا يدري متى يصل ، وهم يشنعون مثل هذا إذا خالف تقليدهم .

                                                                                                                                                                                          ومن طريق وكيع أنا محمد بن قيس الأسدي عن عون بن عبد الله عن عتبة بن مسعود قال : إن تميما الداري باع داره واشترط سكناها حياته وقال : إنما مثلي مثل أم موسى رد عليها ولدها ، وأعطيت أجر رضاعها .

                                                                                                                                                                                          ومن طريق وكيع عن سفيان الثوري عن أبي إسحاق السبيعي عن مرة بن شراحيل قال : باع صهيب داره من عثمان واشترط سكناها - وبه يأخذ أبو ثور ، فخالفوه ، ولا مخالف لذلك من الصحابة ممن يجيز الشرط في البيع .

                                                                                                                                                                                          وقد ذكرنا قبل ابتياع نافع بن عبد الحارث دارا بمكة للسجن من صفوان بأربعة آلاف على إن رضي عمر فالبيع تام ، فإن لم يرض فلصفوان أربعمائة - : فخالفوهم كلهم .

                                                                                                                                                                                          ومن طريق يحيى بن سعيد القطان عن عبيد الله بن عمر أخبرني نافع عن ابن عمر : أنه اشترى بعيرا بأربعة أبعرة على أن يوفوه إياها بالربذة - وليس فيه وقت ذكر الإيفاء - : فخالفوه .

                                                                                                                                                                                          ومن طريق حماد بن سلمة عن سماك بن حرب عن النعمان بن حميد قال : أصاب عمار بن ياسر مغنما فقسم بعضه وكتب إلى عمر يشاوره ؟ فتبايع الناس إلى قدوم الراكب - وهذا عمل عمار والناس بحضرته - : فخالفوه .

                                                                                                                                                                                          وأما نحن فلا حجة عندنا في أحد دون رسول الله صلى الله عليه وسلم وبالله تعالى التوفيق ; وحكم علي بشرط الخلاص ، وللحنفيين ، والمالكيين ، والشافعيين : تناقض عظيم فيما أجازوه [ ص: 332 ] من الشروط في البيع وما منعوا منه فيها ، قد ذكرنا بعضه ونذكر في مكان آخر - إن شاء الله تعالى - ما يسر الله تعالى لذكره ; لأن الأمر أكثر من ذلك - وبالله تعالى التوفيق .

                                                                                                                                                                                          التالي السابق


                                                                                                                                                                                          الخدمات العلمية