الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا إن كثيرا من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

يا أيها الذين آمنوا إن كثيرا من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل اللهوالذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون

هاتان الآيتان متصلتان بسياق الكلام في أهل الكتاب متممتان له ، ومقررتان لموعظة عامة تقتضيها المناسبة ; ذلك بأنه تقدم في هذا السياق أن اليهود والنصارى اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله ، وأنهم ما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا فعبدوا غيره من دونه ، وإنهم يريدون أن يطفئوا نور الله الذي أفاضه على عباده برسالة محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأن الله لا يريد إطفاءه بل يريد إتمامه وقد فعل - فناسب أن يبين مع هذا شيئا من سيرة جمهور هؤلاء الرؤساء الدينيين العملية ; ليعرف المسلمون حقيقة حالهم ، والأسباب التي تحملهم على محاولة إطفاء نور الله تعالى ، وأن أكثرهم يعبدون أهواءهم وشهواتهم ، وذلك قوله عز وجل : ياأيها الذين آمنوا إن كثيرا من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله استعمل أكل الأموال بمعنى أخذها ، والتصرف فيها بوجوه الانتفاع ، التي يعد ما يبتاع بها للأكل أعم أنواع الاستعمال والتصرفات ، وقد تقدم مثل هذا التعبير في قوله تعالى : ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل ( 2 : 188 ) وقوله تعالى : ياأيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل ( 4 : 29 ) [ ص: 344 ] وإسناد هذه الجريمة المزرية إلى الكثيرين منهم دون جميعهم من دقائق تحري الحق في عبارات الكتاب العزيز ، فهو لا يحكم على الأمة الكبيرة بفساد جميع أفرادها أو فسقهم أو ظلمهم ، بل يسند ذلك إلى الكثير أو الأكثر ، أو يطلق اللفظ العام ثم يستثني منه ، فمن الأول : قوله تعالى في اليهود : وترى كثيرا منهم يسارعون في الإثم والعدوان وأكلهم السحت لبئس ما كانوا يعملون لولا ينهاهم الربانيون والأحبار عن قولهم الإثم وأكلهم السحت لبئس ما كانوا يصنعون ( 5 : 62 ، 63 ) ومن الثاني : قوله تعالى قبل هاتين الآيتين فيهم : قل ياأهل الكتاب هل تنقمون منا إلا أن آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل من قبل وأن أكثركم فاسقون ( 5 : 59 ) ومن الثالث : قوله في المحرفين للكلم الطاعنين في الإسلام منهم : ولكن لعنهم الله بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا ( 4 : 46 ) وقد نبهنا في تفسير هذه الآيات وأمثالها على هذا العدل الدقيق في أحكام القرآن على البشر ، وإنما نكرره لعظيم شأنه ، وذكرنا منه هنا بعض ما نزل في أهل الكتاب ، من قبيل تفسير القرآن بالقرآن .

والمعنى العام لأكل أموال الناس بالباطل هو أخذها بغير وجه شرعي من الوجوه التي يبذل الناس فيها هذه الأموال بحق يرضاه الله عز وجل وهو أنواع : ( منها ) ما يبذله كثير من الناس لمن يعتقدون أنه عابد قانت لله زاهد في الدنيا ; ليدعو لهم ويشفع لهم عند الله في قضاء حاجاتهم وشفاء مرضاهم ; لاعتقادهم أن الله يستجيب دعاءه ولا يرد شفاعته - والدعاء مشروع دون أخذ المال به أو عليه ، والرجاء باستجابته حسن ، واعتقادهم بالجزم جهل ، أو لظنهم أن الله تعالى أعطاه سلطانا وتصرفا في الكون فهو يقضي الحاجات من دفع الضر عمن شاء ، وجلب الخير لمن شاء متى شاء ، كما هو المعهود من الوثنيين في الأصل ، وممن طرأت عليهم العقائد الوثنية من أتباع الأنبياء عليهم السلام ، وتأولها لهم الرؤساء الدينيون المضلون بأنها لا تنافي التوحيد الذي جاء به الرسل ، وقد بينا فساد هذه النزعات الشركية في مواضع كثيرة من هذا التفسير ، ومنه أن غير أتباع الرسل من المشركين يقولون بمثل هذه الأقوال .

( ومنها ) ما يأخذه سدنة قبور الأنبياء والصالحين والمعابد التي بنيت بأسمائهم من الهدايا والنذور ، التي يحملها إلى تلك المواضع أمثال من ذكرنا ممن لا يعقلون معنى التوحيد المجرد والنصارى يبنون الكنائس والأديار بأسماء القديسين والقديسات ، فتحبس عليها الأراضي والعقارات ، وتقدم لها النذور والهدايا تقربا إلى تلك الأسماء أو المسميات ، وهذا وما قبله مما اتبع المسلمون فيه سننهم شبرا بشبر وذراعا بذراع ، مصداقا للحديث النبوي الصحيح ، والوقف على الدير أو الكنيسة عندهم كالوقف على المسجد عندنا قربة حقيقية ، فأخذ المال وإعطاؤه في بناء [ ص: 345 ] المعابد حق في أصل كل دين سماوي ، وإنما البدع الوثنية في المعابد هي المتعلقة بعبادة من ينسب إليه المعبد ، ويوضع له فيه قبر أو صورة أو تمثال فيدعى فيه مع الله تارة ، ومن دونه تارة ، وينذر له وحده آونة ، ومع الله آونة ، فهذه بدع تتبرأ منها أديان الأنبياء الموحاة إليهم من الله عز وجل ، والنفقة فيها كلها من الباطل ، وآكلوها من رؤساء الدين ، وسدنة المعابد من الذين يأكلون أموال الناس بالباطل .

( ومنها ) ما هو خاص بالنصارى بل ببعض فرقهم كالأرثوذكس والكاثوليك ، وهو ما يأخذونه جعلا على مغفرة الذنوب أو ثمنا لها ، ويتوسلون إليها بما يسمونه سر الاعتراف ، وهو أن يأتي الرجل أو المرأة القسيس أو الراهب المأذون له من الرئيس الأكبر بسماع أسرار الاعتراف ، ومغفرة الذنوب فيخلو به أو بها ; فيقص عليه الخاطئ ما عمل من الفواحش والمنكرات بأنواعها ; لأجل أن يغفرها له ; لأن من عقائد الكنيسة أن ما يغفره هؤلاء يغفره الله تعالى ، وقد كان لبيع البابوات للغفران نظام متبع في القرون الوسطى للنصرانية ( أعني الوسطى في الزمن لا في الاعتدال ) وكان الثمن يتفاوت بقدر ثروة المشترين من الملوك والأمراء والنبلاء وكبار الأغنياء فمن دونهم ، وكانوا يعطون بالمغفرة صكوكا يحملونها ; ليلقوا الله تعالى بها ، وكان هذا الخطب الكبير من غلو الكاثوليك في استغلال سلطتهم الدينية أعظم أسباب الخروج عليهم ، والانقلاب الكبير الذي يسمونه الإصلاح ( البروتستانت ) إذ ترتب عليه فساد كبير في استباحة الفواحش وكبائر المعاصي . والاعتراف في الأصل لم يوضع له ثمن ، ولكن سوء استعمال بعض رجال الدين له أغراهم بجعله وسيلة لسلب المال ، وفي القوانين السرية لبعض الرهبنات الكاثوليكية مواد صريحة في ذلك .

( ومنها ) ما يؤخذ على فتاوى تحليل الحرام وتحريم الحلال ، فأولو المطامع والأهواء يفتون الملوك والأمراء وكبار الأغنياء بما يساعدهم على إرضاء شهواتهم ، والانتقام من أعدائهم ، أو ظلم رعاياهم ومعامليهم ، بضروب من الحيل والتأويل يصورون به النوازل بغير صورها ، ويلبسون به المسائل أثوابا من الزور تلتبس بحقيقتها ، وفي المادة الثانية من الفصل الثاني من التعاليم السرية للرهبنة المشار إليها آنفا وجوب التساهل مع الملوك وعشائرهم في الزواج غير الشرعي ، وغفران أمثال هذه الخطيئة وغيرها لهم ، واستخراج براءة من البابا لهم بالمغفرة . بل في تلك المادة نص في وجوب التساهل في الاعتراف والمغفرة حتى لخدم الملوك والأمراء .

ومن هذا النوع ما خاطب الله تعالى به أحبار اليهود خطاب الاحتجاج والتوبيخ بقوله تعالى : قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورا وهدى للناس تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون كثيرا وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم ( 6 : 91 ) [ ص: 346 ] ( ومنها ) : ما يتيسر لهم سلبه من أموال المخالفين لهم في جنسهم أو دينهم من خيانة وسرقة وغيرها كما قال ـ تعالى ـ : ( ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك إلا ما دمت عليه قائما ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الأميين سبيل ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون ) ، [ 3 : 75 ] يعنون أن الله حرم عليهم أكل أموال إخوانهم الإسرائيليين بالباطل دون الأميين وهم العرب وكذا سائر الطوائف ، وقد سبق تفسيره من سورة آل عمران ، وفي هؤلاء يقول البوصيري في سرد ما خالف اليهود فيه الحق وادعوا أنه مشروع لهم : وبأن أموال الطوائف حللت لهم ربا وخيانة وغلولا . ( ومنها ) الرشوة وهو ما يأخذه صاحب السلطة الدينية أو المدنية رسمية أو غير رسمية من المال وغيره ؛ لأجل الحكم أو المساعدة على إبطال حق ، أو إحقاق باطل هو في معنى الأخذ على الفتوى ، وهما مما اتبع فيه بعض فقهاء المسلمين وحكامهم سنن أهل الكتاب أيضا . ( ومنها ) الربا حتى الفاحش منه ، وهو فاش عند اليهود والنصارى ، ولكنه منه ما يحله لهم رجال الدين ، ومنه ما يحرمونه في الفتوى وكتب الشرع ، واليهود أساتذة المرابين في العالم كله ، وأحبارهم يفتونهم بأكل الربا من غير إخوانهم الإسرائيليين ، ويأكلونه معهم مستحلين له بنص في توراتهم المحرفة بدلا من نهيهم عنه . وقد تكرر في التوراة النهي عن أخذ الربا والمرابحة وإقراض النقد والطعام بالربا مطلقا ، وذكر الأخ في نصوص النهي سببه أنه نص في المعاملة مع الخاضعين لشريعتهم وهم لا يكونون إلا منهم ؛ لأنها خاصة بهم . وفي سفر تثنية الاشتراع ( 23 : 19 : لا تقرض أخاك بربا فضة أو ربا طعام أو ربا شيء مما يقرض بربا 20 للأجنبي تقرض بربا ولكن لأخيك لا تقرض بربا لكي يباركك الرب إلهك في كل ما تمتد إليه يدك في الأرض التي أنت داخل إليها لتمتلكها ) فالمراد بالأجنبي هنا إن كان من الأصل هو العدو الحربي الذي كانوا مأذونين في شريعتهم بقتاله لامتلاك بلاده ، وهذا قد مضى ولا يصدق على كل من كان غير إسرائيلي في أي بلد من بلاد الله ـ تعالى ـ خلافا لما يجرون عليه إلى اليوم ، والظاهر أنهم يعدون عرب فلسطين المالكين لمعظم أرضها أعداء حربيين كالذين كانوا فيها عند مقاتلة يوشع لهم ، ويستحلون سلب أموالهم وسفك دمائهم إن استطاعوا ؛ لأنهم يزعمون أن أنبياءهم وعدوهم بأن هذه البلاد كلها وما فيها من موضع هيكل سليمان ستعود إليهم ، كما وعد الرب أجدادهم من قبل بجعلها لهم ، ولكن وعد أنبيائهم مقيد بإتيان المسيح ، وقد أتى وكذبه أكثرهم ، فإن كانوا ينتظرون غيره ، فليصبروا إلى أن يأتي ويصدق بشارات الأنبياء ، وأما التعدي على أهل البلاد ومحاولة سلب أرضهم وعقارهم منهم بتسخير بعض الدول التي [ ص: 347 ] تعبد المال بمالهم لمساعدتهم على هذا الظلم ، فليس له شبهة في تلك البشارات . ولكن عند المسلمين بشارة أصح وأصرح من بشاراتهم ، وإخباره ـ صلى الله عليه وسلم ـ لهم بأن اليهود يقاتلونهم فيظهرهم الله ـ تعالى ـ عليهم . . ( وانتظروا إنا منتظرون ) ، ( 11 : 122 ) . على أن اليهود لم يقفوا في الربا عند حد ، فقد صاروا يأكلون الربا من إخوانهم الفقراء وهم منهيون في التوراة عنه بلفظ " شعبي الفقير " ؛ كما يرى في سفر الخروج ( 22 : 25 ) ، وقد وبخهم على ذلك نحميا " الذي كان صاحب السعي الأول لإطلاقهم من السبي ، والمعيد لبناء أورشليم بعد خرابها ، والحاكم فيها والمقيم للسبت ، وسائر الشرائع التي كتبها لهم رفيقه العزيز ( عزرا ) كما تقدم في تفسير ( وقالت اليهود عزير ابن الله ) ، ( 30 ) من أول هذا السياق ، فراجع الفصل الخامس من سفر نحميا ، وفي نبوة حزقيال نهي لهم عن الربا تارة بالإطلاق ، وتارة بتخصيص الفقير ، كما ترى في الإصحاح 18 منه ، وكذلك داود عليه السلام أطلق القول في ذم الربا والرشوة في آخر المزمور الخامس عشر . وأما النصارى : فقد وضع لهم الأساقفة أحكاما للربا ، والقروض فيما يسمونه اللاهوت ، وليس من موضوعنا بيان هذا بالتفصيل ، وإنما موضوعنا أن الربا المحرم عند الله ـ تعالى ـ على ألسنة أنبيائه لضرره ، مما يأكله رهبانهم أفرادا وجماعات ، وأن لبعض رهباناتهم جمعيات غنية معظم ثروتها من الربا منها جمعية كانت قد أسست بأرض فرنسة مصرفا ماليا ( بنكا ) جمعوا فيه من الأمانات ألوف الألوف ، ثم ادعوا إفلاسه فضاعت تلك الأمانات الكثيرة على مودعيها في مصرفهم ، فهاج عليهم الناس هيجة شؤمى فكانوا يهجمون عليهم في أديارهم ، ويقتلونهم تقتيلا ، ثم طردتهم فرنسة من بلادها ، وإنما تساعدهم في مستعمراتها وغيرها من بلاد الشرق لترويجهم لسياستها . وقد اطلعت على نظام في الطرق الخفية التي يجمعون بها الأموال من أهل دينهم ومذهبهم ومن أهمها حمل الأغنياء ولا سيما المثريات من النساء على الوصية لجمعيتهم أو بعض أديارهم وكنائسهم ، أو الوقف عليها مما لا حاجة في هذا التفسير إلى تفصيله . وحسبنا ما ذكرناه في بيان صدق كتاب الله ـ تعالى ـ وهو ما حضر في الذهن وخطر في البال عند الكتابة مما علمناه من التاريخ ، وكله حق وإن فات أكثره جميع من عرفنا كتبهم من المفسرين ؛ لأنهم لا يستمدون مثل هذا إلا من الروايات والإسرائيليات ، فعلى القارئ أن يعتبر به ، ويعجب من وقاحة أمثال هؤلاء الرؤساء ، كيف لا يخجلون من بث الدعاة في البلاد الإسلامية لدعوة المسلمين إلى دينهم ، ومن أراد التفصيل في الرد عليهم فليرجع إلى كتب أحرار أوربة والكتب التي يرد بها بعضهم على بعض ، وكل هذا الفساد الذي طرأ

. [ ص: 348 ] على دين المسيح الحق فهو من غلو أهل أوربة في الدين ، ثم في الكفر والتعطيل ، فهم غلاة مسرفون في كل شيء ، وصاحب هذا الخلق يتقن كل ما يأخذ به من خير وشر ; لأنه لا يرضى منه بما دون غايته ، ومن ثم أتقنت رهبناتهم جمع المال ثم أتقنت الانتفاع به في دينها التقليدي ودنياها ، وأخذت رهبنات الشرق النظام عنها ، وماذا فعل المسلمون في أوقافهم وخدمة دينهم ؟ ؟ .

وأما صدهم عن سبيل الله فهو منعهم الناس عن الإسلام ، فإن سبيل الله في الدين هي طريق معرفته الصحيحة وعبادته القويمة التي ترضيه ، ورأس معرفته التوحيد والتنزيه ، وهم مشركون غير موحدين ، ومشبهون غير منزهين ، كما علم من الآيات السابقة من هذا السياق وغيره مما مر في السور الطوال الأولى : البقرة وآل عمران والنساء والمائدة ، وأما عبادته القويمة فهي أن يعبد وحده بما شرعه هو دون البشر ، وليسوا كذلك فاليهود قد تركوا جل ما شرعه لهم حتى القرابين والتقدمات ، إذ يزعمون أن شرطها أن تفعل في هيكل سليمان ، مع أن الله شرع الشرائع على لسان موسى قبل سليمان عليهما السلام ، ثم كفروا بالمسيح المصلح الأكبر في شريعتهم ، والنصارى يعبدون المسيح وأمه والقديسين ، وجل عباداتهم من صلاة وصيام مبتدعة لم تكن في عهد المسيح . فمعرفة الله تعالى وعبادته على الوجه الحق المرضي له تعالى محصورة في الإسلام الذي حفظ الله كتابه المنزل ، وما بينه من سنة نبيه ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، وكل ما ابتدعه جهلة المسلمين ، والكائدون له من غيرهم فالقرآن الحكيم والسنة الصحيحة حجة على بطلانه وعلى أهله ، يقيمها أنصار السنة عليهم في كل زمان - فسبيل الله إذا هذا الإسلام ، إسلام القرآن والسنة الصحيحة .

وأما طرق صدهم عن الإسلام فهي تختلف باختلاف الزمان والمكان والإمكان ، وقد انفرد النصارى بالعناية بهذا الصد من طريقي السياسة والدعوة معا كما بيناه في تفسير : يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم من هذا السياق بالإجمال ، وفصلنا القول فيه في مواضع أخرى من التفسير والمنار ، وكل ذلك داخل في معنى الآية ; لأن الخبر فيها بصيغة المضارع الذي يدل على الحال والاستقبال ، وهي من كلام علام الغيوب ، وهم لا يقنعون بصد أهل مللهم عن الإسلام ، بل يصدون أهله عنه ويدعونهم إلى دينهم الملفق من الأديان الوثنية القديمة كما تقدم ، وقسمت أممهم ودولهم البلاد الإسلامية إلى مناطق نفوذ دينية تبشيرية ، تابعة لمناطق النفوذ السياسية الدولية ، وقد اشتدت ضراوتهم بعد الحرب العامة بسلب البلاد الإسلامية ما بقي من استقلالهم ، وتعميم النصرانية في جميع أهلها ، حتى جزيرة العرب مهد الإسلام ومعقله ومأرزه ، وعقدوا للتنصير عدة مؤتمرات دولية ، وألفوا للتمهيد له كتبا كثيرة ، وقد سخروا بعض أمراء المسلمين المستعبدين وشيوخ الطريق والفقه المنافقين لشد [ ص: 349 ] أزرهم ، فماذا تنكر بعد هذا من تسخير زنادقتهم وملاحدتهم . وماذا يفيد المسلم من قراءة مثل هذه الآية ، ومن تفسير علماء الألفاظ والروايات لها إذا لم يعرف مضمونها التفصيلي العملي في عصره ، ويسعى لتدارك خطبه ؟ وإنما فصلنا القول فيها لتفنيد تلك الدعاية ، ونقض تلك المصنفات بالإجمال ، وإرشاد المسلمين إلى ما يستمدون منه التفصيل .

هذا وإن أشد طرقهم في الصد عن الإسلام فظاعة وقبحا وإهانة لهو الطعن في النبي الأعظم والقرآن ، وأشر منه وأضر تعليم المدارس التي يفسدون عقائد النشء الذي يتربى ويتعلم فيها ، ولكن أكثر مسلمي الأمصار لا يعقلون كنه مفاسدها ، وسوء عاقبتها في الدين والأدب وسياسة الأمة واستقلالها .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث