الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                          صفحة جزء
                          ومعنى الآية : واعلموا أيها المؤمنون أن كل ما غنمتم من الكفار المحاربين ، فالحق الأول الواجب فيه أن خمسه لله تعالى يصرف فيما يرضيه من مصالح الدين العامة : كالدعوة إلى الإسلام ، وعمارة الكعبة وكسوتها ، وإقامة شعائره تعالى ، وللرسول يأخذ كفايته منه لنفسه ونسائه ، وكان يمونهن إلى سنة ، ولذي القربى أي أقرب أهله وعشيرته إليه نسبا وولاء ونصرة ، وهم الذين حرمت عليهم الصدقة كما حرمت عليه تكريما له ولهم بالتبع له عن أن يكون رزقهم من أوساخ الناس ، وما في ذلك من حمل منهم . وقد خص الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ ذلك ببني هاشم وبني أخيه المطلب المسلمين دون بني أخيه الشقيق بل التوءم عبد شمس ، وأخيه لأبيه نوفل ، وكلهم أولاد عبد مناف ، ويلي ذوي القربى المحتاجون من سائر المسلمين وهم اليتامى والمساكين وابن السبيل .

                          روى البخاري عن جبير بن مطعم - وهو من بني نوفل - قال مشيت أنا وعثمان بن عفان - وهو من بني عبد شمس - إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقلنا : يا رسول الله أعطيت بني المطلب وتركتنا ونحن وهم منك بمنزلة واحدة ؟ فقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : " إنما بنو المطلب وبنو هاشم شيء واحد " هذا لفظ البخاري في الخمس ، وفي رواية أبي داود من طريق ابن إسحاق " فقلنا : يا رسول الله هؤلاء بنو هاشم لا ننكر فضلهم للموضع الذي وضعك الله منهم ، فما بال إخواننا بني المطلب أعطيتهم وتركتنا ؟ " فقال : إنا وبنو المطلب لم نفترق في جاهلية ولا إسلام ، وإنما نحن وهم شيء واحد " وشبك بين أصابعه اهـ . ومن هذا الاتحاد بين بني هاشم ، وبني المطلب في الولاء والنصرة له ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن قريشا لما كتبت الصحيفة ، وأخرجت بني هاشم من مكة ، وحصرتهم في الشعب لحمايتهم [ ص: 8 ] له ـ صلى الله عليه وسلم ـ دخل معهم فيه بنو المطلب ، ولم تدخل بنو عبد شمس ، ولا بنو نوفل . ومعلوم ما كان من عداوة بني أمية بن عبد شمس لبني هاشم في الجاهلية والإسلام ، فقد ظل أبو سفيان يقاتل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ويؤلب عليه المشركين وأهل الكتاب إلى أن أظفر الله رسوله ، ودانت له العرب بفتح مكة - ومعلوم ما كان بعد الإسلام من خروج معاوية على علي وقتاله إلخ .

                          قال الحافظ في شرح حديث البخاري بعد ذكر أقوال العلماء في ذوي القربى : والملخص أن الآية نصت على استحقاق قربى النبي ، وهي متحققة في بني عبد شمس ؛ لأنه شقيق ، وفي نوفل إذا لم تعتبر قرابة الأم . واختلف الشافعية في سبب إخراجهم فقيل : العلة ( أي في الاستحقاق ) القرابة مع النصرة ، فلذلك دخل بنو هاشم وبنو المطلب ، ولم يدخل بنو عبد شمس وبنو نوفل لفقدان جزء العلة أو شرطها ، وقيل : الاستحقاق بالقرابة ، ووجد ببني عبد شمس ونوفل مانع ، لكونهم انحازوا عن بني هاشم وحاربوهم ، والثالث أن القربى عام مخصوص وبينته السنة اهـ .

                          وحكمة تقسيم الخمس على هذا النحو أن الدولة التي تدير سياسة الأمة لا بد لها من مال تستعين به على ذلك وهو أقسام : أولها ما كان للمصلحة العامة كشعائر الدين ، وحماية الحوزة وهو ما جعل لله في الآية . وثانيها : ما كان لنفقة إمامهم ورئيس حكومتها ، وهو سهم الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ فيها . وثالثها : ما كان لأقوى عصبته وأخلصهم له ، وأظهرهم تمثيلا لشرفه وكرامته ، وهو سهم أولي القربى . ورابعها : ما يكون لذوي الحاجات من ضعفاء الأمة وهم الباقون . وهذا الاعتبار كله أو أكثره لا يزال مراعى ، ومعمولا به في أكثر الدول والأمم مع اختلاف شئون الاجتماع والمصالح العامة والخاصة .

                          فأما المال الذي يرصد لهذه المصالح فهو في هذا العصر أنواع ، يدخل كل نوع منه في ميزانية الوزارة الموكول إليها أمر المصلحة التي خصص لها المال إن كان من الأمور الجهرية ، وإلا وكل إلى المخصصات السرية ، ولا سيما إذا كان من الأعمال الحربية كالتجسس وما يتعلق به ، وهو كثير عند جميع الدول العسكرية .

                          ‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌وكذلك راتب ممثل الدولة من ملك أو رئيس جمهورية أو غيره فهو يوضع في الميزانية العامة للدولة ، وله عندهم مصارف منها ما هو خاص بشخصه وعياله ، ومنها ما يبذله من الإعانات للجمعيات الخيرية والعلمية ونحوها . ومنها ما يتعلق بعظمة الدولة ومكانتها كالمال الذي ينفقه في ضيافة الملوك والرؤساء والعظماء الذين يزورون عاصمته ، والدعوات التي تقام في قصره لكبراء الأجانب ، وكبراء الأمة في بعض المواسم والأحوال ، وقد كان الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ أولى من جميع الملوك والرؤساء في العالم بمال يختص به ؛ لأن وظائفه [ ص: 9 ] وأعماله للأمة أكبر وأكثر ، ومقامه أجل وأعظم ، وهو عن الكسب والاستغلال أبعد ، وأوقاته عنهما أضيق .

                          التالي السابق


                          الخدمات العلمية