الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                          صفحة جزء
                          [ ص: 33 ] ( فصل في بيان سنته تعالى في تغيير أحوال الأمم )

                          هذا بيان لسنة عظيمة من أعظم سنن الله تعالى في نظام الاجتماع البشري ، يعلم منها بطلان تلك الشبهات التي كانت غالبة على عقول الناس من جميع الأمم ، ولا يزال جماهير الناس يخدعون بها ، وهي ما يتعلق بنوط سعادة الأمم وقوتها وغلبها وسلطانها بسعة الثروة ، وكثرة حصى الأمة ، كما قال الشاعر العربي :


                          ولست بالأكثر منهم حصى وإنما العزة للكاثر

                          وكان من غرورهم بها أن كانوا يظنون أن من أوتيها لا تسلب منه ، وأنه كما فضله الله على غيره بابتدائها ، كذلك يفضله بدوامها وقالوا نحن أكثر أموالا وأولادا وما نحن بمعذبين ( 34 : 35 ) وقد بينا غرور البشر بهذه الظواهر في مواضع من هذا التفسير . ثم ظهر أقوام آخرون يرون أن الله تعالى يحابي بعض الأمم والشعوب على بعض بنسبها ، وفضل بعض أجدادها على غيرهم بنبوة أو ما دونها ، فيؤتيهم الملك والسيادة والسعادة لأجل الأنبياء الذين ينسبون إلى مللهم ولا سيما إذا كانوا من آبائهم ، كما كان شأن بني إسرائيل في غرورهم وتفضيل أنفسهم على جميع الشعوب بنسبهم ، وكما فعل الذين اتبعوا سننهم من النصارى ثم المسلمين ، بالغرور في الدين ، ودعوة اتباع النبيين ، وبكرامات الأولياء والصالحين ، وإن كانوا لهم من أشد المخالفين . فبين الله تعالى لكل قوم خطأهم بهذه الآية ، وبما سبق في معناها ، وهو أعم منها في سورة الرعد من قوله : إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ( 13 : 11 ) وأثبت لهم أن نعم الله تعالى على الأقوام والأمم منوطة ابتداء ودواما بأخلاق وصفات وعقائد وعوائد وأعمال تقتضيها ، فما دامت هذه الشئون لاصقة بأنفسهم متمكنة منها كانت تلك النعم ثابتة بثباتها ، ولم يكن الرب الكريم لينتزعها منهم انتزاعا بغير ظلم منهم ولا ذنب ، فإذا هم غيروا ما بأنفسهم من تلك العقائد والأخلاق ، وما يترتب عليها من محاسن الأعمال ، غير الله عندئذ ما بأنفسهم ، وسلب نعمته منهم ، فصار الغني فقيرا ، والعزيز ذليلا ، والقوي ضعيفا . هذا هو الأصل المطرد في الأقوام والأمم ، وهو كذلك في الأفراد إلا أنه غير مطرد فيهم ، لقصر أعمار كثير منهم دون تأثير التغيير حتى يصل إلى غايته .

                          إن للعقائد الدينية الصحيحة والخرافية آثارا في وحدة الأمة وتكافلها وقوة سلطانها أو ضعفه ، ولا يظهر الفرق بينهما في الوجود إلا بوقوع التنازع بين أمتين مختلفتين فيها . وإن للأخلاق الشخصية التي يتحقق بكثرة بعضها ما يسمى خلقا للأمة أو الشعب مثل ذلك في حكمها وسلطانها وفي ثروتها وعزتها أيضا ، ويظهر ذلك في سيرة كل أمة ودولة ذات تاريخ معروف ، ومن اطلع على كتب ( الدكتور غوستاف لوبون ) الاجتماعي الكبير في علم الاجتماع يجد فيها شواهد كثيرة على هذه القواعد أظهرها ما يبينه من الفروق بين فرنسة .

                          [ ص: 34 ] وإنكلترة - وبين الشعوب اللاتينية والشعوب " الأنجلوسكسونية " عامة - في الأخلاق ، وما لذلك من الآثار في حياة الفريقين الاجتماعية والسياسة والاستعمارية والتجارية .

                          ومن كلامه في تأثير الأخلاق في ترقي الأمم وتدليها وقوتها وضعفها على الإطلاق ، قوله في الفصل الثالث من كتابه ( روح الاشتراكية ) وموضوعه ( نفسية الشعوب ) : وأذكر هنا ما أشرت إليه كثيرا في كتبي الأخيرة ، وهو أن الأمم لا تنحط وتزول إذا تناقص ذكاء أبنائها ، بل إذا سقطت أخلاقها . هذه سنة طبيعية جرت أحكامها على اليونان والرومان ، وأخذت تجري في هذه الأيام أيضا ، لا يزال أكثر الناس لا يفقهون هذا القول ، ويجادلون في صحته ، غير أنه أخذ ينتشر ، وقد رأيته مفصلا في كتاب وضعه حديثا الكاتب الإنكليزي ( المستر بنيامين كيد ) ولا أرى لتأييد قضيتي أفضل من اقتباس بعض عبارات عنه بين فيها - منصفا غير محاب - الفرق بين الخلق ( الأنجلوسكسوني ) والخلق الفرنسوي ونتائج هذا الفرق اهـ . ( ص104 و105 ) من الترجمة العربية .

                          ثم أورد شواهد منه على ما أشار إليه من مراده ، وبيان تفوق الإنكليز على الفرنسيس بأخلاقهم ، فإن فساد الأخلاق الذي أهلك الأمم التاريخية الشهيرة كالفرس واليونان والرومان والعرب قد دب إلى الإفرنج ، وكان بدء فتكه باللاتين ولا سيما الفرنسيس منهم ، فقل نسلهم ، وصاروا يرجعون القهقري أمام الإنكليز وإخوانهم الأميركانيين في كل شيء ، دع الألمان الذين فاقوا الفريقين .

                          وقد دب هذا الفساد الأخلاقي إلى الإنكليز أيضا كما صرح بذلك أعظم فلاسفتهم ( هربرت سبنسر ) الشهير لأستاذنا الشيخ ( محمد عبده ) وسبق نقله في هذا التفسير من أن الأفكار المادية التي أفسدت أخلاق اللاتين في أوربة قد دبت إلى الإنكليز ، وأخذت تفتك بأخلاقهم ، وأنها ستفسد أوربة كلها .

                          ومن الغريب أن تكون هذه المسألة مما يغفل عنه أكثر المتعلمين في هذا العصر بعد اتساع نطاق علم الاجتماع ، وكثرة المصنفات فيه ، وكثرة ما يكتب في الصحف العامة في موضوع الأخلاق ، وتأثيرها في أحوال الأفراد والأمم ، حتى قال غوستاف لوبون : أكثر الناس لا يفقهون هذا القول بل يجادلون في صحته ، فالمسألة على كونها صارت معروفة للجماهير لا تزال موضع مراء وجدال عند الأكثرين ؛ لأنها من مسائل العلم الصحيح العالي التي لا يفقهها إلا أصحاب البصيرة النافذة ، والمعرفة الممحصة . ولو فقهها الجمهور لكان لها الأثر الصالح في أعماله . وإننا لنرى الألوف في بلادنا يتمثلون بقول أحمد شوقي بك أشهر شعراء العصر :


                          وإنما الأمم الأخلاق ما بقيت     فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا

                          [ ص: 35 ] يتمثلون به معجبين ؛ لأنهم يفهمون مدلول ألفاظه ، وشرف موضوعه ، ولكن أكثرهم لا يفقهون حكمته التفصيلية العملية ، وماذا يكون من تأثير فساد كل خلق من أخلاق الفضائل في أعمال الأفراد ، ثم في ضعف الأمة وانحلالها - ذلك الفقه الذي حققنا معناه في تفسير قوله تعالى من سورة الأعراف : ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها ( 7 : 179 ) فراجعه مع بيان مراتب السماع والفهم من تفسير الآيات 20 - 23 من هذه السورة .

                          إن من الأخلاق ما لا يجادل أحد في حسنه في نفسه ، وفي استقامة المعاملات العامة في الأمة به كالصدق والأمانة والعدل ، وإن امترى كثيرون أو ماروا في كونها دعائم أسباب النجاح والفلاح في المعيشة أو الترقي في مناصب الحكومة ، ولكن قلما يجهل أحد من أذكياء هؤلاء الممترين في فساد الجماعة أو الشركة أو الحكومة التي يرتقي العامل فيها بالكذب ، والخيانة والظلم ، وإذا بلغ قوم هذه الغاية من الفساد ألفوه وعدوه من ضروريات الحياة ، ولم تعد قلوبهم تتوجه إلى الخروج منه بإصلاح ما بأنفسهم ، وإنما يتلافون من شره ما استطاعوا ببعض النظم والقوانين الصورية .

                          وإن من الأخلاق الكريمة ما صار الفاسدون المفسدون يجادلون في حسنه ، وكونه من الفضائل التي يصلح بها حال الأفراد ، ويرتقي به مجموع الأمة كالحياء والرحمة والعفة . يقولون : إن الحياء ضعف في النفس ، وكذلك الرحمة . وهذا خطأ لا محل هنا لبيانه ، وهو قديم ، وإنما الجديد الذي لم يطرق مسامعنا قبل هذه الأيام هو المراء في فضيلة العفة ، فإن دعاة الفساد الذي يسمونه تجديد الأمة قد اقترفوا هذه الجريمة ، ولا غرو فإن من أركانه عندهم تهتك النساء ، وامتزاجهن بالرجال في الملاعب والمراقص والمسارح والمسابح مواضع السباحة في البحر ( فقد كتب أحدهم في بعض الصحف الناشرة لدعايتهم أن العفة يختلف معناها باختلاف معارف الناس وعرفهم وأذواقهم وتقدمهم في الحضارة ، ومن ذلك أن المرتقين الآن لا يعدون رقص النساء مع الرجال منافيا للعفة ، ولا مخلا بها . ووثب كاتب آخر منهم وثبة أخرى فقال : إنه قد ظهر في هذا الزمان أن إرخاء العنان للشهوات البدنية لا يضر في الجسد ، ولا في النفس ، ولا يخل بالآداب ، ولا يضعف الأمة عدم التزام الأديان والشرائع فيه - قال المفسد قاتله الله : وقد ثبت هذا بالتجربة في الأمة الأميركانية فظهر به خطأ المتقدمين فيه ، وهذا زعم باطل يتقرب به قائله إلى المسرفين من الفساق ، ولا يزال الأطباء والحكماء مجمعين على هدم الإسراف في الشهوات لبناء البنية بما يولده من الضعف والأمراض ، كما أنه مفسد للآداب والأخلاق .

                          [ ص: 36 ] مازال البشر يمارون في كل شيء حتى الحسيات والضروريات ، وإنما الكلام المقبول في كل موضوع لعلماء أهله ، ألم تر أنهم يمارون في مضار شرب الخمر ، ويدعون نفعها ، والأطباء المحققون يثبتون خلاف ذلك ، يثبتون أن إثمها أكبر من نفعها ، وأن النفع القليل الخاص ببعض الأحوال المرضية قد يعارضها فيها نفسها من الضرر ما هو أقوى منه ، فيجعل ترك التداوي بها أولى إذا وجد أي شيء آخر يقوم مقامها .

                          إنني ذكرت في فاتحة هذا التفسير من الجزء الأول أن مسلك جريدة العروة الوثقى في الدعوة إلى الإصلاح الإسلامي من طريق إرشاد القرآن ، وبيانه لسنن الله تعالى في الإنسان والأكوان قد فتح لي في فهم القرآن بابا لم يأخذ بحلقته أحد من المفسرين المتقدمين ، وإنني أختم هذا الفصل الاستطرادي بمقالة من مقالات تلك الجريدة افتتحه أستاذنا محررها رحمه الله بهذه الآية التي نحن بصدد تفسيرها ، ليكون مصباحا للمفسرين والمرشدين والوعاظ يهتدون بضوئه - وليعلم الفرق بين فهم هذا الإمام وأستاذه الحكيم للقرآن ، وبين أفهام المتقدمين الذين كانت حظوظهم من تفسير هذه الآية كتابة سطرين أو بضعة أسطر أكثرها في غير سبيل هدايتها . وهذا نص المقالة :

                          التالي السابق


                          الخدمات العلمية